الإمارات تعزز موقعها كوجهة دولية لرؤوس الأموال والثروات

الأرقام تؤكد تحول الإمارات إلى مركز ثقة لرأس المال طويل الأجل الباحث عن الاستقرار والوضوح.
بوابة مالية عالمية تجمع بين الاستقرار والابتكار
القدرة الإماراتية على استباق المتغيرات عززت ثقة المستثمرين

أبوظبي - في وقتٍ يشهد فيه الاقتصاد العالمي تحولات عميقة تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتباطؤ العولمة وتزايد الحذر الاستثماري، تبرز دولة الإمارات كنموذج لاقتصاد قادر على تحويل التحديات الدولية إلى فرص للنمو. وكشف تقرير جديد صادر عن شركة "إيمرجينغ ماركتس إنتليجنس آند ريسيرش" (EMIR) بدعم من شركة "كاشيو" أن أبوظبي استطاعت ترسيخ مكانتها كواحدة من أكثر الوجهات المالية جذباً لرؤوس الأموال، مستقطبةً نحو 40 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين عامي 2019 و2024، في إنجاز يعكس قوة بنيتها الاقتصادية ومرونتها التنظيمية.

ويحمل التقرير عنوان "الإمارات العربية المتحدة كبوابة مالية عالمية"، ويقدم قراءة تحليلية لأسباب نجاح الدولة في جذب تدفقات مالية متزايدة في وقت تشهد فيه العديد من الأسواق التقليدية تراجعاً في الاستثمارات الأجنبية. ويشير إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة شكّلت نحو 40 بالمئة من إجمالي رأس المال في الدولة خلال عام 2024، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 4.3 بالمئة في الاقتصادات المتقدمة، ما يؤكد تحول الدولة الخليجية الثرية إلى مركز ثقة لرأس المال طويل الأجل الباحث عن الاستقرار والوضوح.

ولم يأت هذا الأداء الاستثنائي من فراغ، بل جاء نتيجة مجموعة عوامل هيكلية أبرزها البيئة التنظيمية المتطورة، والسرعة في اتخاذ القرار الاقتصادي، والقدرة على التكيف مع المتغيرات الدولية. فقد سجلت الدولة 1362 مشروع استثمار أجنبي مباشر في عام 2024 وحده، بزيادة بلغت 350 بالمئة مقارنة بعام 2020، وهو مؤشر على الزخم المتصاعد للنشاط الاقتصادي وقدرة الدولة على استقطاب المستثمرين حتى في ظل حالة عدم اليقين العالمية.

ومن المؤشرات اللافتة التي أوردها التقرير أيضاً النمو القوي في الأصول المدارة داخل مركز دبي المالي العالمي، والتي بلغت 700 مليار دولار، مسجلة نمواً سنوياً بنسبة 58 بالمئة. ويعكس هذا الرقم الدور المتنامي للمراكز المالية الإماراتية في إدارة التدفقات الاستثمارية الإقليمية والدولية، إضافة إلى نجاح الدولة في بناء منظومة مالية متكاملة تجمع بين البنية التحتية المتقدمة والرقابة التنظيمية الصارمة.

ويرى معدّو التقرير أن أحد أبرز أسباب هذا النجاح هو النهج المتوازن الذي تتبعه الإمارات في علاقاتها الاقتصادية الدولية. فالدولة، وفق التقرير، لا تنحاز إلى محاور متصارعة، بل تبني علاقات تعاون مع مختلف الأطراف، ما يمنحها موقعاً فريداً يسمح لها بالاستفادة من التحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل سلاسل التمويل والتجارة العالمية. كما أن قدرة الحكومة على استباق المتغيرات الاقتصادية والتكيف السريع معها أسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية.

شركة "امير" تمتلك قدرة كبيرة على تحليل الاتجاهات الاقتصادية الكبرى
شركة "امير" تمتلك قدرة كبيرة على تحليل الاتجاهات الاقتصادية الكبرى

ولا يقتصر دور الإمارات على كونها وجهة آمنة لرأس المال، بل يتجاوز ذلك إلى كونها منصة تشغيلية للشركات العالمية التي تدير أعمالها العابرة للحدود من المنطقة. فقد أصبحت الدولة مركزاً إقليمياً للمدفوعات والمعاملات المالية بفضل اعتمادها أحدث التقنيات المالية وتطبيقها أطر امتثال قوية، ما يعزز الشفافية ويحد من المخاطر التشغيلية ويمنح الشركات رؤية دقيقة لتدفقاتها النقدية.

وفي هذا السياق، تؤكد شركة كاشيو أن صعود الإمارات كمركز مالي عالمي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتوافر أدوات مالية حديثة تساعد المؤسسات على إدارة نفقاتها بكفاءة ووضوح. ويقول أرمين مرادي، المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، إن تشديد الرقابة العالمية على تدفقات رأس المال جعل من الثقة والتحكم عنصرين أساسيين في العمل المالي، موضحاً أن الشركات تحتاج إلى رؤية شاملة للإنفاق، والالتزام الكامل بتعليمات المصرف المركزي، والاستفادة من التحليلات اللحظية لاتخاذ قرارات دقيقة.

وتوفر كاشيو، التي تتخذ من دبي مقراً رئيسياً لها، منصة متكاملة لإدارة نفقات ومدفوعات الشركات تتيح لفرق المالية متابعة العمليات بشكل فوري، مستفيدة من الأتمتة المتقدمة وأنظمة الموافقات القائمة على السياسات. كما تقدم بطاقات غير محدودة وشراكات مكافآت عالمية، ما يساعد المؤسسات على تقليل المخاطر وتعظيم القيمة من كل معاملة مالية.

وشهد عام 2025 توسعاً ملحوظاً في أنشطة الشركة، إذ افتتحت مكتباً جديداً في أبوظبي ورفعت عدد موظفيها في الإمارات إلى أكثر من 100 موظف، ما عزز قدراتها في مجالات المنتجات والهندسة والتسويق. كما دخلت السوق السعودية عبر الاستحواذ على شركة "سند كاش"، في خطوة تعكس استراتيجيتها لبناء منظومة موحدة لإدارة النفقات في دول مجلس التعاون الخليجي.

وشملت إنجازات الشركة أيضاً تطوير برنامج الولاء الخاص بها "نقاط كاشيو" بإضافة أكثر من عشر شركات طيران ومجموعات فندقية فاخرة، ليصبح من أكثر برامج المكافآت شمولاً في قطاع إدارة النفقات المؤسسية بالمنطقة. إضافة إلى ذلك، أطلقت منصة "كاشيو للسفر" المخصصة لوكالات ومنصات السفر وشركات إدارة الرحلات، بهدف معالجة تحديات القطاع مثل ارتفاع تكاليف صرف العملات الأجنبية ومخاطر الاحتيال وعدم الكفاءة الناتجة عن العمليات اليدوية.

أرمين مرادي يؤكد أن الشركات تحتاج إلى رؤية شاملة للإنفاق
أرمين مرادي يؤكد أن الشركات تحتاج إلى رؤية شاملة للإنفاق

ويخلص التقرير إلى أن الإمارات لم تعد مجرد ملاذ آمن لرأس المال، بل تحولت إلى منظومة مالية متكاملة قادرة على دعم النمو طويل الأجل في قطاعات التمويل والتجارة والتكنولوجيا والأصول الرقمية. وفي ظل إعادة الشركات العالمية تقييم مواقع استثماراتها واستراتيجياتها التشغيلية، تبدو الدولة مرشحة لمواصلة تعزيز موقعها كبوابة مالية عالمية تجمع بين الاستقرار والابتكار.

أما شركة "EMIR"، الجهة التي أعدت التقرير، فهي مؤسسة استشارية وبحثية تعتمد منهجية عمل تبدأ من أعلى مستويات صنع القرار، إذ تنطلق مشاريعها من القيادات الحكومية والتنفيذية العليا، وتشارك في المراحل المبكرة لاتخاذ القرارات الاستراتيجية قبل تخصيص رأس المال أو دخول الأسواق الجديدة. ويمنحها ذلك قدرة على تحليل الاتجاهات الاقتصادية الكبرى وتقديم رؤى تستند إلى بيانات دقيقة وعلاقات مؤسسية واسعة.

وتكشف قراءة نتائج التقرير في سياقها الأوسع أن ما تحققه الإمارات ليس مجرد نمو رقمي في مؤشرات الاستثمار، بل تحول نوعي في موقعها ضمن خريطة الاقتصاد العالمي. فبينما تتراجع الثقة في بعض الأسواق التقليدية، تنجح الدولة في ترسيخ صورة مركز مالي موثوق يتمتع بالاستقرار والمرونة والقدرة على استشراف المستقبل. ومع استمرار التطورات في النظام الاقتصادي الدولي، يبدو أن هذا الموقع لن يكون مؤقتاً، بل مرشح لأن يصبح أحد الأعمدة الرئيسية لتدفقات رأس المال العالمية في السنوات المقبلة.