كيف جسّدت السينما معارك الصحافة؟
في كل عام يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة محمّلا بأسئلة أكبر من كونه مناسبة احتفالية، فهذا اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1993 ارتبط بإعلان مفصلي هو إعلان ويندهوك عام 1991 والذي دعا إلى صحافة حرة ومستقلة وتعددية ليصبح الثالث من مايو رمزا عالميا للتذكير بأن حرية الإعلام ليست ترفا بل ركيزة لأي مجتمع يسعى إلى المعرفة والعدالة.
لكن بعيدا عن البيانات الرسمية يظل السؤال قائما: كيف تبدو هذه الحرية على أرض الواقع؟
هنا لا تقدّم التقارير دائما الإجابة بينما تفعل السينما.
قدّم فيلم ''كل رجال الرئيس'' إنتاج 1976 صورة كلاسيكية للصحافة الاستقصائية وهو يتتبع خيوط فضيحة ''ووترغيت'' كاشفا أن الحقيقة لا تمنح بل تنتزع عبر عمل طويل ومضن. لم يكن الصحفي هنا بطلا خارقا بل إنسانا يواجه الشك والضغوط وهو ما يعكس جوهر المعركة التي يذكر بها هذا اليوم سنويا.
وفي فيلم "ذا بوست" إنتاج 2017 تتحول حرية الصحافة إلى اختبار حقيقي حين تقف مؤسسة إعلامية أمام قرار مصيري: نشر وثائق سرية قد تكلفها الكثير أو التراجع تحت ضغط السلطة. هنا لا تبدو الحرية شعارا بل مسؤولية تدفع كلفتها مقدما.
أما فيلم ''سبوت لايت'' إنتاج 2015 فيقدّم نموذجا مختلفا حيث لا يكون التحدي في الرقابة المباشرة بل في الصمت الجمعي تحقيق هادئ وطويل يكشف أن أخطر ما يواجه الصحافة. ليس المنع بل التجاهل حين يعرف الجميع الحقيقة ولا يتحرك أحد.
لكن السينما لا تكتفي بالاحتفاء بالمهنة في فيلم ''نايت كراولر'' أو زاحف الليل إنتاج 2014، يظهر الوجه الآخر، حيث تتحوّل الصحافة إلى صناعة قائمة على الإثارة ويصبح الخبر سلعة تقاس بقيمتها السوقية لا بقيمتها المعرفية وهنا يبرز بعد آخر لليوم العالمي وهو الدفاع عن أخلاقيات المهنة لا حريتها فقط.
وفي فيلم "زودياك" إنتاج 2007 تتخذ الحكاية منحنى شخصيا، حيث يتحوّل البحث عن الحقيقة إلى هاجس يستهلك حياة من يسعى إليها في تذكير بأن هذه المهنة لا تمارس دون ثمن إنساني.
إذا كانت هذه الأفلام قد رسمت ملامح الصحافة في سياقات غربية فإن السينما المصرية قدمت صورة أكثر تعقيدا تعكس واقعا لا تفهم فيه الصحافة بمعزل عن السياسة والمجتمع.
في فيلم "كشف المستور" إنتاج 1994 نجد الصحفية في مواجهة مباشرة مع ملفات حساسة لتكتشف أن الاقتراب من الحقيقة قد يفتح أبوابا يصعب إغلاقها. الفيلم لا يمنح الصحافة انتصارا واضحا بل يضعها داخل دائرة الخطر.
وفي فيلم "هي فوضى" إنتاج 2007 لا تكون الصحافة في الواجهة لكنها تظل حاضرة كصوت غائب في عالم تهيمن عليه السلطة والخوف حيث تصبح حرية التعبير سؤالا مؤجلا.
أما فيلم "عمارة يعقوبيان" إنتاج 2006 فيقدم صورة لمجتمع تتداخل فيه المصالح وتنعكس هذه التشابكات على المجال.
الإعلامي حيث لا تنفصل الكلمة عن موازين القوة
وحتى في أعمال تبدو بعيدة عن الصحافة بشكل مباشر مثل فيلم "صعيدي في الجامعة الأمريكية" إنتاج 1998 يطل الإعلام كعنصر مؤثر في تشكيل الوعي في إشارة إلى الدور غير المباشر لكنه العميق للصحافة في حياة الناس.
ما بين هذه النماذج جميعا يتضح أن حرية الصحافة ليست مفهوما بسيطا يمكن قياسه بوجود الرقابة أو غيابها بل شبكة معقدة من العوامل ضغوط سياسية حسابات اقتصادية مسؤوليات أخلاقية وجمهور يشارك أحيانا في تشكيل المشهد لا استقباله فقط.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتحكم الخوارزميات في ما نراه ونقرأه يصبح السؤال أكثر إلحاحا هل ما زالت الصحافة قادرة على الوصول إلى الناس أم أن الطريق إلى الحقيقة بات أكثر تعقيدا.
لذلك، فإن استدعاء هذه الأفلام في اليوم العالمي لحرية الصحافة لا يبدو مجرد استعادة لأعمال فنية بل محاولة لفهم المهنة خارج خطابها الاحتفالي.
فبين الكاميرا والسلطة وبين الحقيقة والسوق، تظل الصحافة اختبارا يوميا ليس فقط لحدود الحرية بل لمعناها.
وربما في النهاية لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت الصحافة حرة، بل ما إذا كانت لا تزال قادرة على أن تكون صادقة.