'زفة الحج'.. أهازيج تودع الحجاج بالفرح في مصر
القاهرة ـ ارتبطت رحلة الحج في مصر عبر مئات السنين بطقوس اجتماعية وشعبية صنعت حالة خاصة من الفرح والحنين والرهبة، وجعلت من الحاج بطلا لاحتفال جماعي تشارك فيه القرية أو الحي بأكمله.
ومن بين أبرز تلك الطقوس، برزت الأهازيج والأناشيد الشعبية التي رافقت الحجاج لحظة الوداع، ثم عادت لتستقبلهم بالأفراح والزغاريد عند الرجوع سالمين.
في الأحياء الشعبية القديمة وقرى الريف وصعيد مصر، كانت 'زفة الحاج' حدثا استثنائيا ينتظره الجميع، حيث تتجمع العائلات والجيران والأصدقاء أمام منزل المسافر إلى الأراضي المقدسة، بينما ترتفع أصوات النساء بالزغاريد، ويصدح الرجال بالأناشيد والدعوات، في مشهد يختلط فيه الفرح بالخشوع.
ومن أشهر العبارات التي ظلت تتردد في تلك اللحظات: 'حج مبرور وسعي مشكور يا حاج'، و'يا رايح على بيت الله خدني معاك'، و'زور النبي يا حاج وسلم لي عليه'، وهي كلمات لم تكن مجرد أغنيات عابرة، بل رسائل دعاء ومحبة تعكس مشاركة المجتمع للحاج في رحلته الروحية.
وتختلف أهازيج الحج من منطقة إلى أخرى، إلا أنها تتشابه في مضمونها، إذ تدعو للحاج بالقبول والعودة سالما، وتعبّر عن الشوق لزيارة الأماكن المقدسة.
ومع مرور الزمن، تحولت هذه الأناشيد إلى جزء أصيل من التراث الشعبي المصري، خاصة في محافظات الصعيد، حيث ارتبطت بالمزمار البلدي والدفوف والربابة، في احتفالات تمتد لساعات طويلة.
وكانت أغنيات الحج يؤديها أصحاب الأصوات الجميلة من أهل القرية أو مغنون شعبيون يرافقون العازفين، فتتنوع الكلمات بين وصف مناسك الحج ومدح النبي والدعاء للحجاج، بل والدعاء أيضا لمن لم تتح له الفرصة بعد لأداء الفريضة.
ومن الأغنيات التي تناقلتها الأجيال، 'بعيدة يا بلاد الرسول.. بعيد يا طريق النبي'، و'رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة'.
وفي جنوب مصر، يطلق على أهازيج الحج اسم 'التحنين'، وهو لون غنائي شعبي قديم ارتبط بالحنين إلى الأراضي المقدسة، وبمشاعر الفراق والانتظار التي يعيشها أهل الحاج خلال غيابه.
ويصف الباحثون في التراث الشعبي هذا الغناء بأنه أناشيد هادئة الإيقاع تؤديها النساء أثناء توديع الحجاج أو خلال غيابهم أو عند استقبالهم، وتحمل كلماتها وصفا لرحلة السفر ومشاقها ووسائل التنقل القديمة، فضلًا عن التعبير عن شوق الأهل وقلقهم على الحاج.
وسُمي هذا الفن بـ'التحنين' لأن الناس كانوا يرددون للمسافر، 'الله يحنن عليك'، في إشارة إلى الدعاء بأن ييسر الله له الرحلة ويعيده سالما، خاصة أن السفر للحج قديما كان يستغرق شهورا طويلة، ويتعرض خلاله الحجاج لمشقة الطريق وتقلبات الطقس والزحام ونقص الزاد.
ولم يكن الحنين مقتصرا على أهل الحاج فقط، بل كان الحاج نفسه يعيش حالة شوق لأسرته طوال الرحلة، فتتحول الأهازيج إلى وسيلة للتعبير عن المشاعر المتبادلة بين الغائب ومن ينتظر عودته.
وكان الاحتفال بالحاج يبدأ منذ لحظة الاستعداد للسفر، حيث تتولى نساء المنزل، بمشاركة الجارات والقريبات، إعداد 'زوادة السفر'، وتشمل المخبوزات البلدية والكعك والفطائر والأطعمة المجففة، وسط أجواء يغلب عليها الفرح والدعوات الطيبة.
أما 'زفة الوداع'، فكانت تشبه إلى حد بعيد زفة العريس، إذ يشارك فيها الرجال والشباب، وتصدح خلالها أهازيج الحج مع رقص الخيل وألعاب التحطيب في بعض مناطق الصعيد، بينما يتقدم الحاج الموكب وسط دعوات الناس له بالدعاء عند الكعبة المشرفة.
وفي القاهرة القديمة، كانت الزفة تتحرك من منزل الحاج حتى 'مصطبة المحمل' بجوار القلعة، حيث ينطلق ركب الحج المصري قديما بقيادة 'أمير الحج'، بينما تعزف الموسيقى التقليدية إيذانا ببدء الرحلة.
وتمتد مظاهر الاحتفال بالحج إلى الرسم على جدران البيوت، فيما عُرف بـ'جداريات الحج'، وهي رسومات شعبية ظهرت منذ نهايات القرن التاسع عشر، خاصة في القرى والأحياء الشعبية.
وكانت تلك الرسومات توثق رحلة الحاج بطريقة بسيطة وفطرية، فتظهر الكعبة المشرفة، ووسائل السفر المستخدمة عبر الزمن، بداية من الجمال والسفن وصولًا إلى الطائرات، إلى جانب رسم الحاج وهو يؤدي المناسك، مع عبارات مثل 'حج مبرور وذنب مغفور'.
ويعتبر الباحثون هذه الجداريات سجلًا بصريا مهما يوثق نظرة المصريين للحج، ويعكس امتداد عادة الرسم على الجدران التي عرفها المصري القديم في المعابد والمقابر.
وعند عودة الحاج، تبدأ طقوس استقبال لا تقل بهجة عن الوداع، إذ تتزين البيوت، وتُطلق الزغاريد، وتتردد عبارات مثل، 'نور بيتنا يا حاج'، و'الحاج وصل بالسلامة'، بينما يتوافد المهنئون من الأقارب والجيران لأيام متتالية.
وكان من المعتاد أن يقدم الحاج ماء زمزم والتمر والهدايا الرمزية للزائرين، فيما تُقام الولائم الكبيرة المعروفة بـ'وليمة النزلة' في اليوم الأول، ثم 'وليمة السبوع' بعد مرور أسبوع على العودة.
وفي البيوت الكبيرة قديمًا، كانت ليالي الاحتفال تمتد لتشمل تلاوة القرآن والإنشاد الديني والمدائح النبوية، ويحييها كبار المقرئين والمنشدين، لتتحول المناسبة إلى احتفال ديني واجتماعي واسع.
ورغم تغير وسائل السفر واختفاء كثير من التفاصيل القديمة، فإن أهازيج الحج ما زالت حاضرة في وجدان المصريين، خاصة في الريف والصعيد، حيث تحافظ بعض العائلات على طقوس الزفة والمزمار البلدي والتحطيب وتزيين البيوت.
وربما اختفت 'طلعة المحمل' وقلت الولائم الكبيرة، لكن الكلمات البسيطة التي كانت ترددها الجدات والأمهات لا تزال تحتفظ بمكانتها، باعتبارها سجلًا شفهيًا لذاكرة المصريين مع الحج، وشاهدًا على زمن كانت فيه الرحلة المقدسة حدثًا يخص المجتمع كله، لا المسافر وحده.