من سايكس بيكو إلى الأمر الواقع... هل يملك العرب مشروعاً يتجاوز الخرائط المفروضة؟

الهويات الفرعية سواء كانت طائفية، أو قبلية، أو مذهبية، ظلّت حيّة وكامنة تحت قشرة مؤسسات الدولة الحديثة، تنتظر لحظة ضعف السلطة المركزية لتطفو على السطح كبديل للهوية الوطنية الجامعة.

​تكتسب قراءة المشهد السياسي في الشرق الأوسط راهناً بُعداً تفسيرياً أعمق عند العودة إلى لحظة التأسيس الأولى لكياناته الحديثة، تلك اللحظة التي تجسدت في اتفاقية سايكس بيكو عام 1916. فلم تكن تلك الاتفاقية مجرد تفاهم عسكري بين بريطانيا وفرنسا لتقاسم إرث الدولة العثمانية المنهارة، بل كانت عملية هندسة سياسية قسرية أنتجت حدوداً رسمت خطوطها المصالح الاستراتيجية والممرات البحرية وتأمين تدفق التجارة، دون أدنى اعتبار للتجانس الاجتماعي أو الامتدادات الثقافية للشعوب المقيمة في هذه الجغرافيا.

​هذا الخلل البنيوي في نشأة الدولة الوطنية في المشرق العربي تفسره العلوم السياسية بغياب العقد الاجتماعي التاريخي، فخلافاً للدول الأوروبية التي تشكّلت حدودها وهوياتها عبر قرون من الحروب الداخلية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزت في النهاية مفهوم المواطنة، فُرضت الدولة في العالم العربي من الأعلى إلى الأسفل.

ونتيجة لذلك، ظلّت الهويات الفرعية، سواء كانت طائفية، أو قبلية، أو مذهبية، حيّة وكامنة تحت قشرة مؤسسات الدولة الحديثة، تنتظر لحظة ضعف السلطة المركزية لتطفو على السطح كبديل للهوية الوطنية الجامعة.

​يتجلى هذا المأزق بأوضح صوره في الحالة اللبنانية، فلبنان، الذي أُسس ككيان يقوم على توازنات طائفية دقيقة ومعقدة منذ عشرينات القرن الماضي، يثبت مع كل محطة تاريخية أنه يتأثر بنيوياً بأي تغيير في موازين القوى الإقليمية، فالديناميكية الحالية في عام 2026، والمتمثلة في محاولات إسرائيل لفرض واقع أمني وسياسي جديد على حدودها الشمالية، تضع السيادة اللبنانية أمام اختبار حرج.

هذا الضغط العسكري والسياسي لا ينفصل عن إعادة ترتيب الأولويات الأميركية في المنطقة، والضغوط المكثفة التي يتعرض لها النفوذ الإيراني. وفي ظل هذا الاستقطاب، ينقسم الداخل اللبناني عمودياً حول الوظيفة الاستراتيجية للدولة، بين من يرى إنقاذ البلاد في الاندماج الكامل مع المحيط العربي والغربي، وبين من يعتبر أن قوة الكيان ترتبط عضوياً بمحور المقاومة، وفي الوقت نفسه تختار النخب العلمية والشابة الهجرة كحل فردي هرباً من الانهيار المالي والانسداد السياسي.

ويبدو هذا التشظي اللبناني غير معزول عن مشهد إقليمي أوسع يظهر فيه العالم العربي غائباً كفاعل سياسي موحد. وبالنظر إلى الخريطة الراهنة، نجد أن سوريا، ورغم تراجع حدة المعارك الكبرى، تعيش حالة من السيادة المجزأة بوجود قوى أجنبية متعددة تدير مناطق نفوذ مختلفة. أمّا في العراق فما تزال أزمة بناء المؤسسات العابرة للمكونات قائمة منذ عام 2003. وتحول السودان واليمن وليبيا إلى نماذج حية لدول فاشلة حيث تتصارع كيانات مسلّحة وحكومات موازية على الشرعية والموارد، مما يحول دون قيام سلطة مركزية قادرة على بسط سيادتها.

​إن الأزمات الراهنة تفرض علينا عدم إلقاء اللوم بالكامل على الشماعة الاستعمارية، فالخطأ التاريخي لسايكس بيكو تمثّل في وضع الجماعات المختلفة داخل حدود واحدة، لكن الخطأ الأكبر ارتكبته النظم السياسية التي أدارت مرحلة ما بعد الاستقلال.

هذه الأنظمة عجزت عن الانتقال من دولة السلطة إلى دولة القانون والمواطنة، واعتمدت غالباً على الأجهزة الأمنية أو المحاصصة الطائفية والعشائرية لتثبيت حكمها، مما عمّق الفجوة بين الشعوب والأنظمة، وجعل من فكرة الدولة نفسها مرادفاً للقمع والفساد بدلاً من الاستقرار والتنمية.

​وتبرز المفارقة السياسية الأكثر عمقاً اليوم في تبدل الأولويات الشعبية، فالشعارات الإيديولوجية الكبرى التي هيمنت على النصف الثاني من القرن العشرين، والتي كانت تنادي بإسقاط الحدود الاستعمارية وتحقيق الوحدة الشاملة، تراجعت كلياً أمام رغبة ملحة لدى المجتمعات في الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الدول القائمة حالياً. لقد أدركت الشعوب، عبر كلفة إنسانية باهظة من اللجوء والفقر والحروب الأهلية، أن انهيار هذه الحدود المصطنعة لا يعني الوحدة، بل يعني الانزلاق نحو الفوضى الشاملة وغياب الأمان الشديد.

​ويتضح من هذه الديناميكيات السياسية المتسارعة أن التحدي الراهن لم يعد يكمن في فرضية قيام القوى الكبرى برسم خرائط ورقية جديدة على غرار ما جرى عام 1916؛ بل في كون التحولات الحالية تُفرض كأمر واقع ملموس عبر القوة العسكرية المباشرة، والترتيبات الأمنية، والتنافس على نفوذ الممرات الاقتصادية واللوجستية الدولية. وبناءً على ذلك، يتجلى الاستنتاج الأساسي في أن أزمة المشرق العربي لم تعد أزمة حدود جغرافية، بل هي أزمة عجز بنيوي لدى النخب السياسية والمجتمعية عن الانتقال إلى فضاء "الواقعية السياسية". إن المخرج الوحيد لتفادي هذا التآكل المستمر يتطلب بشكل حاسم تجاوز صراعات الهوية الفرعية، والانتقال الفوري نحو صياغة مشروعات وطنية مستقلة ترتكز على الحوكمة الرشيدة، والعدالة الاقتصادية، وإرساء مفهوم المواطنة الفاعلة. وبدون هذا التحول الداخلي الجذري، ستبقى دول المنطقة ساحات مفتوحة ومستباحة لتصفية الحسابات الدولية، وتعديل موازين القوى بين أطراف إقليمية ودولية تمتلك الرؤية والمشروع، في حين يظل أصحاب الأرض مجرد أدوات في صراع لا يملكون شروطه.