مسار البنتاغون، هل دخل لبنان عصر التسويات الباردة؟
في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الإسرائيلية تواصل غاراتها على مدينة صور الجنوبية، مستهدفة أحياءها القديمة ومعالمها التراثية، وكانت قلعة الشقيف التاريخية تتعرض مجددًا للقصف وسط تحذيرات من انتهاك القوانين الدولية الخاصة بحماية الإرث الثقافي، كان مسارٌ آخر يتشكّل بهدوء في واشنطن، قد يكون الأكثر حساسية منذ سنوات طويلة في تاريخ الصراع اللبناني – الإسرائيلي.
ففي العاصمة الأميركية، يستعد الوفدان اللبناني والإسرائيلي لجولة جديدة من المحادثات الأمنية والسياسية، تبدأ بلقاء عسكري في البنتاغون الجمعة، قبل أن تتواصل المفاوضات خلال يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين، في إطار الجولة الرابعة من الاتصالات التي انطلقت عقب الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.
وبينما يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه تناقض صارخ بين الحرب والدبلوماسية، فإنّ الحقيقة الأعمق ربما تكمن في أنّ المنطقة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة: مرحلة إدارة التفاوض تحت النار، بدلًا من انتظار نهاية جولات الحروب لبدء التفاوض.
من إضعاف حزب الله إلى اختبار الدولة اللبنانية
في واشنطن، لم يعد النقاش الأساسي يدور حول كيفية إضعاف حزب الله، بقدر ما بات يتمحور حول سؤال آخر أكثر تعقيدًا: هل تستطيع الدولة اللبنانية استثمار اللحظة الحالية لإعادة بناء سيادتها قبل أن يتمكن الحزب من التكيّف مع خسائره واستعادة قدراته تدريجيًا؟
مشروعية هذا السؤال جاءت على خلفية تسريباتٍ تحدثت عن أنّ دوائر أميركية معنية بالملف اللبناني تعتبر، ولو بدرجاتٍ متفاوتة، أنّ الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بوقف إطلاق النار أو ضبط الحدود الجنوبية، بل بقدرة الدولة اللبنانية نفسها على استعادة السلطة من البنية السياسية والأمنية المعقدة (الدولة العميقة) التي تشكّلت خلال العقود الماضية، والتي لعب حزب الله دورًا أساسيًا في تكريسها.
من هنا، تكتسب المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة أهمية استثنائية، لكنها في الوقت نفسه تبدو شديدة الهشاشة، لا سيما أنّ المفاوضات الحالية لا تبحث فقط في ترتيبات أمنية موضعية، بل تلامس بصورة غير مباشرة سؤال الكيان اللبناني نفسه: هل لا يزال لبنان قادرًا على التصرف كدولة مكتملة السيادة، أم أنه تحوّل تدريجيًا إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية والدولية؟
ولعل هذا ما يفسّر النقاشات الدائرة حاليًا داخل المؤسسات الأميركية حول أفكار متعددة، تتراوح بين إنشاء "منطقة تجريبية" أمنية محدودة في الجنوب، تدفع بها إسرائيل، وبين مقاربة لبنانية تقوم على مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة"، بما يسمح بتخفيف التصعيد تدريجيًا وربط أي إجراءات أمنية بمكاسب سياسية متبادلة.
الجيش اللبناني في قلب الاختبار
يحتل الجيش اللبناني موقعًا محوريًا في هذه المرحلة، ليس فقط باعتباره المؤسسة الرسمية الأكثر تماسًا مع الجنوب، بل لأنه الجهة الوحيدة القادرة نظريًا على ترجمة أي تفاهم سياسي إلى ترتيبات ميدانية قابلة للتنفيذ.
ويترأس الجنرال جورج رزق الله الوفد العسكري اللبناني إلى محادثات البنتاغون، وسط معلومات عن اجتماعات تنسيقية أميركية – لبنانية تهدف إلى تقييم قدرة الجيش على تنفيذ أي ترتيبات مستقبلية محتملة.
غير أنّ النظرة الأميركية إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد نقاش تقني حول التسليح أو الانتشار، فبحسب تسريباتٍ عن دوائر أميركية قريبة من الملف، لا تكمن المشكلة الأساسية في كفاءة الجيش أو مهنيته، بل في غياب قرار سياسي لبناني واضحٍ وحازمٍ يمنحه الغطاء اللازم للتحرك.
المفاوضات كمعركة على "الشرعية"
لكن الأهمية الحقيقية للمحادثات الجارية في واشنطن لا تكمن فقط في مضمونها الأمني، بل في رمزيتها السياسية أيضًا، فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يُعاد تثبيت الدولة اللبنانية، وليس إيران أو حزب الله، بوصفها الطرف المخاطَب رسميًا في أي تفاهم محتمل مع إسرائيل.
ولهذا، فإنّ أي نجاحٍ لمسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة بين حكومتي لبنان وإسرائيل من شأنه أن يعزز تدريجيًا مفهوم احتكار الدولة للسلطة والقرار الأمني، بما يضعف، بصورة غير مباشرة، "الأدوار المشبوهة" للسلاح الخارج عن مؤسساتها. ولهذا أيضًا، تبدو واشنطن حريصة على إبقاء هذا المسار ضمن إطار لبناني – إسرائيلي مباشر، خشية أن يؤدي نقله إلى قناة التفاوض الأميركية – الإيرانية إلى إعادة تكريس حزب الله، رغم تراجع قدراته القتالية إلى حدٍ كبير، بوصفه مؤثرًا فعليًا في الملف اللبناني.
من نزع السلاح إلى "تفكيك النفوذ"
في الكواليس الأميركية، لم يعد الحديث يقتصر على احتواء قدرات حزب الله العسكرية، بل بدأ يتوسع نحو ما يمكن وصفه بمحاولة "تفكيك البنية العميقة" للحزب داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.
ويبدو أنّ العقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت شخصيات مرتبطة بالمؤسستين العسكرية والأمنية جاءت في هذا السياق تحديدًا، إذ تعتبر واشنطن أن حزب الله لا يعمل فقط كتنظيم عسكري، بل كشبكة نفوذ سياسية ومالية وإدارية متداخلة مع بنية الدولة نفسها.
وترى دوائر أميركية أنّ أي مقاربة تركز حصريًا على السلاح، وتتجاهل قنوات التمويل والحماية السياسية والبنية الاجتماعية التي يستند إليها الحزب، ستكون عاجزة عن إنتاج تغيير فعلي ومستدام.
لكن في المقابل، تدرك واشنطن أيضًا أنّ المسألة لا يمكن اختزالها بمقاربة أمنية فقط، لأن حزب الله يمثل، بالنسبة إلى جزء واسع من البيئة الشيعية، أكثر من مجرد قوة عسكرية.
ومن هنا، يبرز التحدي الأكثر تعقيدًا: كيف يمكن بناء صيغة جديدة يشعر من خلالها الشيعة اللبنانيون بأنّ الدولة نفسها قادرة على توفير الحماية والتمثيل، من دون الحاجة إلى بنية موازية؟
بين الحرب والتسوية
في موازاة هذا الحراك الدبلوماسي، يستمر التصعيد الإسرائيلي في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، حيث تتعرض مدينة صور والقرى المحيطة بها لغارات مكثفة وإنذارات متكررة بالإخلاء، فيما أعلنت بلدية أرنون تعرّض قلعة الشقيف التاريخية للقصف، معتبرة أنّ استهدافها يشكل انتهاكًا للقوانين الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة.
ويعكس هذا التزامن بين التصعيد العسكري والانخراط التفاوضي طبيعة المرحلة الحالية في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الحروب تنتهي أولًا ثم تبدأ التسويات، بل باتت المفاوضات نفسها تُدار تحت ضغط النار، وفي ظل توازنات شديدة الهشاشة.
ورغم أنّ الإدارة الأميركية تبدو أكثر تفاؤلًا بإمكان تحقيق اختراق تدريجي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عام، فإنّ أحدًا في واشنطن لا يملك يقينًا حقيقيًا بشأن قدرة الدولة اللبنانية على تحويل هذه الفرصة إلى مشروع سيادي طويل الأمد بسبب التعقيدات التي بُني على أساسها النظام السياسي اللبناني.
هذا الأمر يعني ببساطةٍ أنّ الولايات المتحدة تستطيع فتح المسارات، وتقديم الضمانات، والضغط على الجهات التي تمكّن حزب الله، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، لكنها لا تستطيع أن تبني الدولة اللبنانية بدلًا من اللبنانيين أنفسهم. ولهذا، يبدو السؤال الحقيقي المطروح اليوم أبعد من مجرد احتمال التوصل إلى تفاهم أمني بين لبنان وإسرائيل.
السؤال الأهم ربما هو ما إذا كان لبنان قد دخل فعلًا مرحلة التحول من "ساحة صراع" إلى "مختبر تسويات"، أم أن هشاشة الدولة ستسمح مجددًا للقوى المسلحة والتنظيمات العابرة للحدود باستعادة زمام المبادرة.
ما يبدو واضحًا أنّ لبنان كان يُستخدم، على مدى عقود، بوصفه جبهة لتصفية الحسابات الإقليمية. أما اليوم، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، فتبدو هناك محاولة دولية للتعامل معه باعتباره دولة يجب إنقاذها لا مجرد ساحة حرب.
غير أنّ ما يبدو واضحًا أيضًا، في الموازاة، أنّ هذه الفرصة، مهما بدت جدية، لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.