ترامب ألغى هجوما واسعا على إيران بتدخل خليجي
واشنطن/دبي - كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم الثلاثاء، عن تراجعه في اللحظات الأخيرة عن توجيه ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، موضحا أن الاستعدادات لشن الهجوم كانت مكتملة تماماً، ساعة قبل انطلاق العمليات العسكرية، لكنه قرر تأجيلها استجابة لتدخل مباشر وطلبات عاجلة من قادة دول خليجية أبلغوه بقرب التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
وجاءت تصريحات ترامب المفاجئة للصحفيين في حديقة البيت الأبيض، عقب اطلاعه على أعمال إنشائية جارية هناك، مؤكدا أنه منح القيادة الإيرانية مهلة محدودة للغاية تتراوح بين يومين وثلاثة أيام، قد تمتد بحد أقصى إلى بداية الأسبوع المقبل (الجمعة أو السبت أو الأحد)، مشدداً على أن هذه الفرصة تُمثل المهلة الأخيرة لإبرام اتفاق مقبول، وإلا فإن البديل سيكون استئناف العمليات العسكرية وتوجيه "ضربة قوية وشاملة".
وفقاً للتفاصيل التي سردها الرئيس الأميركي، فإن قادة كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، تواصلوا معه بشكل مكثف وطلبوا منه إرجاء العملية العسكرية التي كانت مقررة يوم 18 مايو/أيار الجاري لبضعة أيام. وجاء هذا التحرك الخليجي المشترك بعد أن نقلت تلك الدول إشارات من طهران تفيد بقرب التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة العسكرية المحتدمة.
وقال معلقاً على خطة الهجوم الملغاة "كل شيء كان جاهزاً، ولم يكن يتبقى سوى ساعة واحدة فقط"، مضيفا أن واشنطن ستكون راضية إذا تم التوصل إلى حل يضمن عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، متابعاً "هناك فرصة جيدة جداً على ما يبدو لأن يتوصلوا إلى حل ما. إذا تمكنا من تحقيق ذلك دون قصفهم بقوة بالغة، فستكون خطوة ممتازة، لكننا سنعرف النتيجة قريباً جداً".
وعلى الرغم من نبرة التهديد، أشار ترامب إلى أن "قادة إيران يتوسلون للتوصل إلى اتفاق"، في إشارة إلى الضغوط الاقتصادية والعسكرية الهائلة التي تواجهها طهران، خاصة بعد أن فرضت واشنطن حصاراً بحرياً صارماً على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز منذ 13 أبريل/نيسان الماضي، إثر تعثر المفاوضات الإيرانية الأميركية التي جرت بوساطة باكستانية.
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني سريعاً ومزيجاً بين التهديد العسكري والتمسك بالشروط السياسية، فقد توعد المتحدث باسم الجيش الإيراني، محمد أكرمي نيا، بفتح "جبهات جديدة" واستخدام "وسائل وأدوات مختلفة وغير متوقعة" إذا ما أقدمت الولايات المتحدة أو إسرائيل على شن أي هجوم جديد ضد الأراضي الإيرانية.
من جانبه، صرّح إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، عبر منصة 'إكس'، بأن تراجع ترامب عن الهجوم لم يكن من قبيل المناورة السياسية، بل جاء نتيجة إدراك واشنطن الحتمي بأن أي تحرك عسكري ضد إيران "سيقابله رد عسكري صاعق وحاسم".
وفي السياق الدبلوماسي، نقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن نائب وزير الخارجية كاظم غريب أبادي، الخطوط العريضة لمقترح السلام الأحدث الذي قدمته طهران عبر الوسيط الباكستاني. وتطالب إيران في مقترحها بإنهاء الأعمال القتالية على كافة الجبهات (بما يشمل الجبهة اللبنانية)، وانسحاب القوات الأميركية من المناطق المحيطة ببالجمهورية الاسلامية ودفع تعويضات مالية ضخمة عن الأضرار التي خلفها القصف الأميركي الإسرائيلي.
كما شدد أبادي على أن المطالب الإيرانية الأساسية تتضمن رفعاً فورياً للعقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، وإنهاء الحصار البحري الأميركي. وهي شروط تتقاطع إلى حد كبير مع مقترحات سابقة كان ترامب قد رفضها الأسبوع الماضي ووصفها بـ "الحثالة"، مما يجعل الهامش الدبلوماسي ضيقاً للغاية.
وأكد مصدر مسؤول في العاصمة الباكستانية إسلام آباد (التي تتولى نقل الرسائل بين البلدين واستضافت جولة مفاوضات الشهر الماضي) أن الجانبين الأميركي والإيراني "يغيران أهدافهما باستمرار"، محذراً من أن "الوقت ينفد بسرعة" أمام الجميع.
وتأتي هذه التطورات الخطيرة في وقت تعيش فيه المنطقة على وقع هدنة هشة وغير مستقرة جرى التوصل إليها في 8 أبريل/نيسان الماضي. وجاءت تلك الهدنة بعد حرب مدمرة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، أسفرت عن مقتل أكثر من 3 آلاف شخص داخل الجمهورية الاسلامية جراء الضربات الجوية، فضلاً عن قيام إسرائيل باجتياح الأراضي اللبنانية لملاحقة مقاتلي حزب الله، مما تسبب في مقتل الآلاف وتشريد مئات الألوف من اللبنانيين.
وردت إيران بشن غارات صاروخية وبطائرات مسيرة استهدفت إسرائيل ومواقع في دول عربية خليجية، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الأميركية والإسرائيلية والمحلية، قبل أن تعمد طهران إلى إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي رداً على الحصار البحري، مانعةً مرور سفن الطاقة إلا بتنسيق مباشر معها. وعلى الرغم من صمود الهدنة بشكل عام، إلا أن اختراقات شابتها عبر إطلاق طائرات مسيرة من العراق باتجاه منشآت في السعودية والكويت.
وكان الهدف المعلن للحرب، بحسب ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هو تفكيك برنامج طهران النووي، وتدمير ترسانتها الصاروخية، ووقف دعمها للفصائل المسلحة في المنطقة، فضلاً عن تهيئة الظروف الداخلية لإسقاط نظام الحكم الإيراني.
غير أن التقارير الاستخباراتية تؤكد أن الحرب لم تنجح حتى الآن في تجريد إيران من مخزونها من اليورانيوم المخصب، ولا في القضاء على قدراتها الهجومية؛ كما أن القيادة الدينية في طهران صمدت أمام هذا الهجوم الدولي الواسع، ولم تظهر أي مؤشرات على وجود معارضة داخلية منظمة، رغم الانتفاضة الشعبية التي شهدتها البلاد مطلع العام.
وفي إطار الاستمرار في سياسة حافة الهاوية وضمن تفعيل أوراق الضغط الاقتصادي، أعلنت الإدارة الأميركية اليوم الثلاثاء - بالتزامن مع تصريحات ترامب - عن فرض حزمة عقوبات جديدة استهدفت شركة صرافة إيرانية وشبكة من الشركات الوهمية التي تدير معاملات مالية سرية نيابة عن بنوك إيرانية محظورة، في مؤشر واضح على أن واشنطن تسير بالتوازي في مساري الضغط الاقتصادي الأقصى والتحشيد العسكري، بانتظار ما ستسفر عنه مهلة الأيام الثلاثة القادمة.