هشاشة المنفى وأسئلة الوطن في أمسية أدبية حول رواية 'ليالي سان دوني'

نادي مدينتي الثقافي بالقاهرة ينظم أمسية أدبية نقدية أدارتها الكاتبة غادة لبيب لمناقشة رواية الكاتبة لنا عبدالرحمن بحضور جمهور من المهتمين، تناولت تحليلا عميقا لأبعاد الرواية الإنسانية والاجتماعية، وسلطت الضوء على تفكيكها لتجربة المنفى والاغتراب وتعرية الوجه الخفي لباريس.

نظم نادي مدينتي الثقافي بالقاهرة أمسية أدبية نقدية لمناقشة رواية "ليالي سان دوني" للكاتبة لنا عبدالرحمن، في حوار أدارتْه الكاتبة والناقدة غادة لبيب، بحضور جمهور متنوع من القراء والمهتمين بالسرد الروائي المعاصر. لم تقتصر الأمسية على قراءة الرواية، بل امتدت إلى تحليل عميق لأبعادها الإنسانية والثقافية والاجتماعية، مع مقارنات نقدية مع أعمال أدبية تناولت تجربة المنفى والهجرة.

افتتحت الكاتبة غادة لبيب اللقاء بالتأكيد على خصوصية الرواية في تصوير باريس بعيدًا عن صورة مدينة الأحلام المثالية. اعتبرت أن الرواية تكشف الوجه الخفي المقلق للمدينة، حيث يعيش أبطال الرواية في منطقة رمادية بين الأمل والانكسار، ما يعكس هشاشة الإنسان المنفي، وتقلباته النفسية اليومية. وأشارت إلى براعة الكاتبة في بناء شخصيات متعددة الأبعاد، رغم اختلاف جنسياتهم وخلفياتهم الثقافية، فهم جميعًا يتشاركون في شعور الاقتلاع والبحث عن معنى جديد للحياة، وهو موضوع متكرر في أدب المنفى.

سرد مفعم بالحنين

تناولت لنا عبدالرحمن في كلمتها الخلفية الإبداعية للرواية، موضحة أن علاقتها  بمدينة سان دوني، وملاحظتها الدقيقة لحياة المهاجرين والفنانين واللاجئين، شكلت الأساس لسردها الذي يسير بمحاذاة الواقع. وأكدت أنها حرصت على تقديم الشخصيات بعيدًا عن الصور النمطية  للمهاجرين، مركزة على الجانب الإنساني الهش، في شخصية تبدو قوية أو متمردة، لكنها تواجه صراعات داخلية عميقة، وهو ما يعكس التوازن بين القوة والوهن في صراعات المنفى.

تطرقت الكاتبة إلى أبرز الشخصيات، مثل الموسيقي الباحث عن وطن روحي أكثر من كونه جغرافيًا، الصحفية الأفغانية التي تعيد اكتشاف ذاتها في المنفى، والمحامية الفرنسية التي تختار العيش خارج امتيازاتها الاجتماعية. وأكدت أن الرابط بين هذه الشخصيات لا يقوم على الجنسية أو اللغة، بل على شعور مشترك بالتيه والرغبة في النجاة، حيث يظهر الفن والموسيقى كمسارات للعبور من الآلام النفسية، بينما يعكس الحنين والذاكرة قوة الروابط الإنسانية خارج إطار الوطن الأصلي.

المكان في الرواية، ليس مجرد خلفية سردية، بل شخصية فاعلة. المبنى المهجور الذي يسكنه الأبطال يتحول إلى فضاء رمزي يجمع الحالمين والفارين من ماضيهم، في مدينة نابضة بالحركة لكنها تترك كثيرين في عزلة داخلية.

لغة الأصوات والألحان

خلال الندوة، ركز النقاش على الرموز الأدبية في الرواية، خصوصًا الموسيقى والحنين والذاكرة. الموسيقى لم تكن مجرد عنصر جمالي، بل وسيلة للتواصل الداخلي والتعبير عن الألم والاشتياق، حيث تتحول الأصوات والألحان إلى لغة توازي اللغة المنطوقة في التعبير عن الاغتراب. أما الحنين، فظهر في الرواية كقوة متناقضة؛ يربط الشخصيات بماضيها ويعيد تشكيل هويتها، لكنه في الوقت نفسه يذكّرها بفقدانها للأمان.

توقفت غادة لبيب أيضا عند أسلوب الرواية اللغوي، الذي يمزج الحس الشعري بالتفاصيل الواقعية اليومية، ويقوم على استحضار الذكريات الصغيرة والحوادث العابرة لتوسيع أفق القارئ حول تجربة المنفى. كما طرحت لبيب سؤالها حول العلاقة بين التجربة الشخصية والخيال الروائي، والكيفية التي تستخدم بها الكاتبة عناصر مثل الصور، الشوارع، والمباني لإظهار تعقيدات الحياة في المهجر، وإبراز الشعور المستمر بالتيه والبحث عن وطن داخلي، وهو ما يجعل الرواية قريبة من أسلوب الأدب الواقعي النفسي.

اختُتمت الأمسية بتوقيع نسخ الرواية والتقاط الصور التذكارية، وسط إشادة الحضور بعمق النقاش وثراء التحليل، معتبرين أن "ليالي سان دوني" تقدم نموذجًا متكاملًا للأدب الذي يعالج هشاشة الإنسان المنفي، ويطرح تساؤلات مستمرة حول الوطن، الانتماء، والنجاة.