واشنطن تحشد حلفاءها لتشديد الخناق المالي على إيران
واشنطن - صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على إيران، عبر تحرك دبلوماسي ومالي جديد يهدف إلى توسيع دائرة العقوبات وتنسيق الجهود الدولية لتعطيل شبكات التمويل الإيرانية، في إطار استراتيجية أميركية تسعى إلى خنق الموارد المالية لطهران وتقويض قدرتها على الالتفاف على العقوبات.
ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات "أكثر صرامة" ضد ما وصفه بشبكات التمويل الإيرانية المعقدة، مؤكدا أن مواجهة إيران تتطلب تنسيقا دوليا أوسع يشمل أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
وخلال كلمة ألقاها في مؤتمر لمكافحة تمويل الإرهاب على هامش اجتماعات مالية لمجموعة السبع في باريس، شدد بيسنت على ضرورة أن "يقف الحلفاء مع الولايات المتحدة بكل قوة” في مواجهة إيران، داعيا الشركاء الأوروبيين إلى تحديد ممولي طهران وكشف شركاتها الوهمية وإغلاق فروع بنوكها وتفكيك شبكات وكلائها الماليين.
كما طالب دول الشرق الأوسط وآسيا بالتحرك ضد ما سماها "الشبكات المصرفية غير الرسمية" التي تعتمد عليها إيران لتحويل الأموال وتجاوز القيود المفروضة على نظامها المالي.
وفي مؤشر على تصاعد النهج الأميركي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية بالتزامن عقوبات جديدة استهدفت ما يعرف بـ"أسطول الظل" الإيراني لنقل النفط، إضافة إلى شركة صرافة وشركات واجهة قالت واشنطن إنها تستخدم لإخفاء المعاملات المالية المرتبطة بطهران.
ويأتي هذا التحرك في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تكثيف الضغوط على إيران بعد تعثر المسارات السياسية المتعلقة بالحرب الدائرة منذ أواخر فبراير/شباط الماضي والتي شهدت تصعيدا عسكريا واسعا بين طهران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وتسعى واشنطن، وفق مراقبين، إلى استخدام أدوات الضغط المالي بصورة أكثر تنظيما ومرونة، عبر استراتيجية أطلقت عليها وزارة الخزانة اسم "الغضب الاقتصادي"، وهي خطة تستهدف تعطيل القنوات السرية التي تستخدمها إيران لتمويل أنشطتها الإقليمية والحفاظ على تدفق عائداتها النفطية رغم العقوبات.
وبحسب بيسنت، فإن الوزارة تعمل حاليا على تحديث بنية العقوبات الأميركية عبر حذف "الأسماء القديمة وغير الفعالة" من قوائم العقوبات، بما يسمح للمؤسسات المالية بالتركيز على الشبكات الأكثر نشاطا وتعقيدا في عمليات التهرب المالي وغسل الأموال وتمويل الجماعات الحليفة لإيران.
وأوضح الوزير الأميركي أن خصوم واشنطن "يتكيفون ويبتكرون باستمرار"، من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة واستخدام أدوات مالية بديلة، بما في ذلك العملات المشفرة، التي باتت تشكل إحدى القنوات الرئيسية للالتفاف على العقوبات.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة أنها جمّدت أصولا وعملات رقمية مرتبطة بإيران تقدر قيمتها بنحو نصف مليار دولار، في واحدة من أكبر العمليات المالية المرتبطة بالعقوبات الرقمية.
وتعكس تصريحات بيسنت توجها أميركيا متزايدا نحو تحميل الحلفاء جزءا أكبر من مسؤولية الضغط على إيران، خصوصا في ظل قناعة داخل الإدارة الأميركية بأن العقوبات الأحادية لم تعد كافية لإغلاق الثغرات التي تستفيد منها طهران عبر شبكات تجارية ومصرفية ممتدة في عدة مناطق.
كما تحاول واشنطن دفع الأوروبيين إلى التخلي عن سياسة الحذر التقليدية في التعامل مع الجمهورية الاسلامية، خاصة فيما يتعلق بالإبقاء على بعض القنوات المصرفية المفتوحة لأسباب إنسانية أو دبلوماسية.
وفي المقابل، تحرص الإدارة الأميركية على تقديم العقوبات باعتبارها أداة لتغيير السلوك الإيراني وليس لمعاقبة الشعب الإيراني، إذ قال بيسنت إن العقوبات طويلة الأمد دون نتائج ملموسة قد تخلّف "عواقب غير مقصودة" تمتد لأجيال.
ويبدو أن واشنطن تسعى، عبر هذه المقاربة الجديدة، إلى الجمع بين التصعيد المالي والمرونة السياسية، بحيث تبقى العقوبات أداة ضغط قابلة للتعديل وفق التطورات الميدانية والسياسية، مع الإبقاء على هدف أساسي يتمثل في تقليص قدرة إيران على تمويل حلفائها الإقليميين وإدارة شبكاتها الاقتصادية العابرة للحدود.