كيف تتحوّل 'تخمة' العيد الى صدمة تهزّ صحتنا؟
تونس – يثير الإفراط في تناول اللحوم الحمراء والأحشاء خلال الأيام الأولى من عيد الأضحى صدمة فسيولوجية واستقلابية حادة للجسم، بحسب تحذيرات طبية ودراسات علمية تشير إلى مخاطر داهمة تواجه الجهاز الهضمي والقلب والكلى، حتى لدى أشخاص لا يعانون من أمراض مزمنة، جراء العادات الغذائية المرتبطة بهذه المناسبة الموسمية.
وفي وقت تركز فيه معظم الأبحاث العالمية على الآثار المزمنة لاستهلاك اللحوم على المدى الطويل، يلتفت أطباء ومراجع علمية إلى ما يعرف بـ "الإفراط الحاد والمؤقت في الوجبات" (Acute Overeating)، وهو النمط الغذائي الطاغي في العيد، الذي قد يسبب تحولات بيولوجية سريعة تبدأ خلال ساعات من الوجبة الأولى، تؤدي إلى رفع مؤشرات الالتهاب والإجهاد الأيضي، خاصة عند غياب التوازن الغذائي.
ومع اقتراب العيد، تعود الموائد العامرة باللحم المشوي والأحشاء (مثل الكبد والكلاوي) إلى واجهة العادات الغذائية في كثير من البلدان العربية، مما يفرض تغيرا مفاجئا لنمط الهضم.
وفقاً لدراسة نشرتها "المجلة الأميركية للتغذية السريرية" (The American Journal of Clinical Nutrition)، فإن هضم البروتينات يتطلب طاقة تفوق بمرات ما يحتاجه هضم الكربوهيدرات أو الدهون، وهو ما يسمى بالتأثير الحراري للأغذية.
وعند تناول كميات ضخمة من لحم الضأن أو البقر في وقت وجيز، تقع المعدة تحت ضغط ميكانيكي هائل للتمدد، وتفرز كميات مفرطة من الأحماض، مما يؤدي إلى إعادة توجيه نحو 20 إلى 30 بالمئة من الدورة الدموية نحو الجهاز الهضمي للتعامل مع "عبء الهضم".
هذا النقص المفاجئ في تدفق الدم نحو الدماغ والأطراف يفسر حالة الخمول الشديد والنعاس، أو ما يصطلح عليه علمياً بـ "غيبوبة الطعام".
ولا تتوقف آثار "ولائم العيد" عند حدود المعدة؛ إذ تحذر جمعية القلب الأميركية (AHA) عبر دورية "Circulation" من أن تدفق الدهون المشبعة بكميات كبيرة إلى مجرى الدم خلال ثلاث إلى ست ساعات من الوجبة، يتسبب في حالة تُعرف بـ "خلل بطانة الأوعية الدموية المؤقت".
وفي هذه الحالة، تفقد الشرايين مرونتها الطبيعية في التمدد بشكل فوري، مما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم، وزيادة المجهود العضلي للقلب لضخ الدم اللزج، ورفع احتمالات الإصابة بأزمات قلبية حادة لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر.
على الجانب الآخر، تجد الكلى نفسها أمام "حمل ترشيح فائق وحاد" تفرضه كميات الأحماض الأمينية والنيتروجين المتدفقة إلى الجسم، وفقاً لمراجعات عيادات "مايو كلينك" (Mayo Clinic).
ويوضح خبراء الصحة أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية اللحم، بل أيضا بطريقة الاستهلاك؛ إذ غالبا ما تترافق الولائم مع الشواء المكثف، وتناول الأحشاء الغنية بالبيورينات (كالـكبد والكلاوي)، وقلة شرب الماء، جنبا إلى جنب مع الحلويات والمشروبات الغازية.
وتؤكد دراسة منشورة في مجلة "Nutrition Journal" وجود ارتباط واضح بين الأنظمة الغذائية الغنية بالبروتينات الحيوانية وارتفاع مستويات حمض اليوريك (Uric Acid) في الدم، وهو العامل الرئيسي المرتبط بالنقرس ومشاكل الكلى.
كما أظهرت دراسة أميركية واسعة نُشرت في قاعدة بيانات "PubMed" وشملت أكثر من 14 ألف شخص، أن تناول الأطعمة الغنية بالبيورين، وفي مقدمتها اللحوم الحمراء، يرتبط مباشرة بهذا الارتفاع الحاد.
وفي السياق ذاته، وجد باحثون كوريون في دراسة حديثة نُشرت عام 2024 في مجلة "Nutrition Research and Practice"، أن الاستهلاك المرتفع للحوم الحمراء والمصنعة يزيد من خطر الإصابة بفرط حمض اليوريك، لا سيما لدى الأشخاص المهيئين وراثياً لذلك.
هذا التحلل الكثيف للبيورينات وتراكم اليوريا يجبر الكلى على العمل بأقصى طاقتها، مما يتطلب إفراز كميات كبيرة من الماء قد تنتهي بجفاف خلوي غير ملحوظ، يؤدي بدوره إلى تبلور حمض اليوريك بشكل فوري ومؤلم خلال 24 إلى 48 ساعة.
ضغط قياسي على أقسام الطوارئ
ويؤكد أطباء أن أقسام الطوارئ في المستشفيات تشهد بعد العيد ارتفاعا ملحوظا في استقبال حالات عسر الهضم الحاد، الانتفاخ، حرقة المعدة، واضطرابات ضغط الدم والمرارة، بالإضافة إلى نوبات النقرس الخاطفة في مفاصل القدمين.
ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن اللحم الأحمر ليس "سما" بحد ذاته، وأن التأثير الفسيولوجي يختلف بحسب الكمية، وتكرار الاستهلاك، والحالة الصحية للفرد، بل إن نقاشات علمية حديثة تشير إلى أن الوزن الزائد ونمط الحياة الخامل قد يكونان في بعض الأحيان عاملين أكثر تأثيرا من اللحم وحده في رفع مؤشرات الالتهاب.
ويبقى الأشخاص الأكثر عرضة لهذه المضاعفات خلال العيد هم مرضى السكري، الكلى، القلب، والمصابون بالنقرس أو من لديهم تاريخ عائلي مع ارتفاع حمض اليوريك.
ويوصي المختصون لتفادي هذه المخاطر بـ:
- توزيع استهلاك اللحوم على عدة أيام وتناولها بحصص معتدلة.
- الإكثار من شرب المياه لمساعدة الكلى على التخلص من الفضلات النيتروجينية.
- دمج الخضروات والألياف لتسهيل حركة الأمعاء وتخفيف امتصاص الدهون.
- التقليل من تناول الأحشاء (الكبد والكلاوي) وتجنب الشواء المحروق لتخفيف العبء المفاجئ على الجسم.