ليبيا تضاعف الاجراءات الأمنية بسبب المخاوف من توطين اللاجئين
زوارة (ليبيا) - أعلنت مدينة زوارة شمال غربي ليبيا الأربعاء، فرض حظر تجول مؤقت على الأجانب المقيمين بالمدينة مساء كل يوم، بالتوازي مع تصاعد حملة ضد المهاجرين بسبب ادعاءات عن نية "جهات أممية" توطين مهاجرين غير نظاميين داخل ليبيا، وهي مزاعم لم تؤكدها أي جهة رسمية ليبية أو أممية. لكنها أثارت جدلاً واسعاً ومخاوف شعبية انعكست في إجراءات أمنية ومواقف سياسية متشددة.
وبررت البلدية قرارها في بيان، بـ"تعزيز الأمن والسلامة العامة"، وذلك بالتزامن مع توترات تشهدها البلاد ضد المهاجرين غير النظاميين.
وتشهد ليبيا خلال الأيام الأخيرة تصاعداً لافتاً في الحملات المناهضة للمهاجرين غير النظاميين، وسط انتشار دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بترحيلهم وإغلاق مقار المنظمات الدولية المعنية بالهجرة.
وقالت بلدية زوارة "في إطار الجهود المبذولة للمحافظة على الأمن والسلامة العامة وحرصاً على حماية المقيمين والزائرين تعلن لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب بالبلدية عن تدابير احترازية مؤقتة لتعزيز الأمن والاستقرار والمحافظة على سلامة المواطنين الأجانب خلال هذه المرحلة".
وأهابت البلدية بجميع الأجانب المقيمين والزائرين داخل زوارة ضرورة الالتزام بعدم التنقل أو التجول خلال الفترة الممتدة من الساعة 11 مساءً وحتى الساعة الخامسة صباحاً يومياً حتى إشعار آخر، ودعت جميع المواطنين الأجانب إلى التعاون الكامل مع الأجهزة الأمنية والجهات المختصة والالتزام بحمل المستندات الثبوتية والوثائق القانونية الخاصة بالإقامة أو العمل متى طُلبت منهم.
وأعاد الجدل بشأن ما يعرف بـ"توطين المهاجرين" ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة النقاش العام في ليبيا. وتحولت المخاوف من التغيير الديموغرافي والانعكاسات الأمنية إلى محور رئيسي في الخطاب السياسي والإعلامي، مع صدور مواقف رسمية متعددة تؤكد رفض أي مشاريع أو ترتيبات قد تؤدي إلى استقرار دائم للمهاجرين داخل البلاد. ويرى مراقبون أن الملف بات أحد أكثر القضايا حساسية في ظل الانقسام السياسي الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات.
بالتوازي مع تصاعد الخطاب الشعبي الرافض للهجرة غير النظامية، أطلقت أجهزة أمنية في شرق وجنوب ليبيا حملات لضبط المهاجرين المخالفين وترحيلهم. كما أعلنت جهات رسمية تنفيذ عمليات ترحيل لمهاجرين من جنسيات إفريقية، في إطار جهود السلطات للحد من الوجود غير القانوني للأجانب داخل البلاد.
والثلاثاء، أصدر نائب قائد قوات شرق ليبيا صدام حفتر تعليماته للأجهزة الأمنية شرقا وجنوبا، بإنهاء التواجد غير القانوني للمهاجرين غير النظاميين على الأراضي الليبية.
وتلك التعليمات صاحبها تنفيذ مباشر، حيث أعلنت عدد من مديريات الأمن شرقي وجنوبي ليبيا إطلاق حملة لضبط المهاجرين المخالفين تمهيدا لترحيلهم. فيما أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية التابع للحكومة المنبثقة عن البرلمان مساء الثلاثاء، ترحيل عدد من المهاجرين غير النظاميين من جنسيات إفريقية إلى بلدانهم جوا، دون تحديده.
وتأتي هذه الإجراءات وسط تقديرات رسمية تشير إلى وجود أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين الذين يستخدمون ليبيا محطة عبور نحو أوروبا.
في المقابل، أبدت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية قلقها من تصاعد المعلومات المضللة وخطاب التحريض ضد المهاجرين على منصات التواصل الاجتماعي. وحذرت من أن نشر الشائعات والاتهامات غير الموثقة قد يسهم في تأجيج التوترات الاجتماعية ويعرض المهاجرين والعمال الأجانب لمخاطر متزايدة. كما نددت مؤسسات حقوقية بحملات الكراهية التي تستهدف الأجانب، داعية إلى معالجة ملف الهجرة وفق الأطر القانونية والإنسانية بعيداً عن التحريض والعنف.
والاثنين، أعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي محمد تكالة ونائب المجلس الرئاسي عبد الله اللافي ورئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه رفضهم لتوطين المهاجرين غير النظاميين في البلاد.
وخلال اجتماع عقده المسؤولين الثلاثة، وفق بيان لمجلس الدولة، أكدوا أن ذلك "الأمر يمس الاعتبارات السيادية والديموغرافية والأمنية للدولة ويتعارض مع تطلعات الشعب الليبي ومصالحه الوطنية العليا".
من جهتها، أكدت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية الاثنين، تمسكها بالثوابت الوطنية في التصدي للظاهرة وموقفها الرافض للتوطين، وشددت على "ضرورة تحري الدقة فيما تنشره بعض الصفحات على مواقع التواصل وعدم الانجرار وراء أي دعوات تحريضية أو شائعات".
وأعلن جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة الوحدة الوطنية في 2 أبريل/نيسان 2025، إغلاق مقار 10 منظمات إنسانية دولية وتعليق نشاطها لـ"تورطها في مشروعات معادية لليبيا منها توطين المهاجرين غير النظاميين مستغلة حالة عدم الاستقرار في البلاد".
وتنشط في مناطق شمال غربي ليبيا المطلعة على البحر المتوسط تجارة الهجرة لا سيما في مدن "القره بوللي وصبراتة وزوارة، وذلك من قبل جماعات تستغل حالة الانقسام السياسي والفوضى الأمنية في البلاد.
وتنطلق من تلك المناطق قوارب الهجرة باتجاه شواطئ أوروبا التي تشتكي من زيادة أعداد الوافدين إليها القادمين من إفريقيا عبر ليبيا فيما تشتكي الأخيرة من تخلي القارة الأوروبية عنها في مواجهة الظاهرة وتطالب بمزيد الدعم الأوروبي كونها "بلد عبور فقط وليست بلد منشأ".
ويعكس الجدل الدائر حول المهاجرين في ليبيا التحديات المعقدة التي تواجهها البلاد باعتبارها إحدى أبرز نقاط العبور نحو أوروبا. فبينما تؤكد السلطات ضرورة مكافحة الهجرة غير النظامية وحماية الأمن الوطني، تدعو منظمات دولية وحقوقية إلى ضمان احترام حقوق المهاجرين ومنع استغلال الملف في حملات الكراهية أو الصراعات السياسية. ويبدو أن قضية الهجرة ستبقى خلال الفترة المقبلة أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على المشهد الليبي الداخلي.