'يا لعينيكِ ويا لي' من أم كلثوم إلى أسمهان

القصيدة تغنيها أسمهان بعد تردد من كوكب الشرق، وهي من تلحين رياض السنباطي، فيها تبرز أبعاد رومانسية وتجديدية وما تحمله من عمق تعبيري وفلسفي فريد في تاريخ الموسيقى العربية.

تعتبر قصيدة "حديث عينين" ''المعروفة أيضاً بـ "يا لعينيك ويا لي"''، من أطول الأغنيات التي غنَّتها ⁠أسمهان عام 1938، واستغرقت حوالي نصف ساعة، احتوت على مقدمة موسيقيّة طويلة، وهي تعد علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة، لكونها جسّدت قمة التجديد الدرامي والتعبيري. وهي من كلمات شاعر الكرنك أحمد فتحي ''1913 – 1960''، وألحان الموسيقار رياض السنباطي ''1906 – 1981''.

كانت القصيدة معروضة في البداية على كوكب الشرق أم كلثوم، إلا أنها طلبت تعديل بعض كلماتها لما وجدته فيها من جرأة عاطفية وحداثة غير معتادة في ذلك الوقت. وبتوجيه من الملحن محمد القصبجي، انتقل العمل إلى أسمهان التي غنّته كما هو دون تعديل، لتثبت قدرتها الفائقة على منافسة أم كلثوم وتقديم لون غنائي متفرد ومتحرر.

يتمحور النص حول اختزال عواطف الشوق، والسهد، والأمل في نظرات المحبوب ''يا لعينيك ويا لي .. من تسابيح خيالي''. ونلاحظ أن الكلمات تتنقل بين ''عبرات الأمل المسحور''، و''فتور ضنا اللوعة''، وهي لغة رومانسية تعبر عن الانكسار والحيرة الوجودية التي تميز بها الشاعر أحمد فتحي في قصائده.

صاغ رياض السنباطي اللحن بشكل أساسي من مقام العجم. وهو مقام يوحي بالبهجة والوضوح، لكن السنباطي طوّعه بعبقرية ليخدم الشجن والعمق الدرامي للقصيدة. وقد ابتعد السنباطي عن النمط التقليدي للقصيدة العربية الكلاسيكية ذات الرتم الرتيب، وأدخل تقلبات لحنية ومقامات فرعية تتماشى مع تصاعد الأنفاس والآهات العاطفية في النص.

وتميز أداء أسمهان ''1912 – 1944'' بالقدرة على الانتقال المباغت والسلس بين الطبقات الصادحة ''المستقاة من عالم الأوبرا'' والطبقات الدافئة والمنخفضة. ولم يكن غناؤها مجرد استعراض للمساحات الصوتية، بل كان ترجمة حية للحالة النفسية للقصيدة؛ حيث تُضفي على الكلمات نبرة من الحزن النبيل والغموض الذي اتسمت به شخصيتها الفنية.

تعتمد القصيدة على لغة فصحى جزلة، مشحونة بـ"الرومانسية التجديدية" التي تمردت على جمود الكلاسيكية. تبدأ القصيدة بأداة النداء والتعجب المقترنة بلام الاختصاص ''يا لعينيك ويا لي''. هذا التركيب اللغوي يربط فورًا وبشكل حتمي بين "العين" ''الآخر / المحبوب'' وبين "الذات" ''الأنا الشاعرة''، مما يلغي المسافة بينهما لغويًّا.

استخدم الشاعر تعابير قائمة على التناقض اللفظي والمجازي مثل: "تسابيح خيالي" ''أنسنة الخيال وجعله يتعبد''. وهي استعارة مكنية / تشبيه بليغ حيث شَبَّه الشاعر "الخيال" بإنسان يسبّح، أو جعل الأفكار والخيالات بمثابة أناشيد وتسابيح دينية. نقل الشاعر الحب من حيز المشاعر الإنسانية المعتادة إلى حيز العبادة والتقديس الفني، حيث يُصبح الخيال محرابًا، وتصبح الأفكار أدعية وتسابيح.

إن اختيار كلمة "تسابيح" ''وهي جمع تسبيح، وتدل على التنزيه والتمجيد لله'' يعكس نظرة الشاعر الطاهرة والمقدسة للمحبوبة. الحب هنا ليس شهوانيًّا، بل هو سموّ روحي يُشبه التعبد.

ونرى أن "تسابيح خيالي" تعني أن عقل الشاعر وخياله في حالة ذكر دائم ومستمر للمحبوبة، لا يتوقف عند رسم صورتها وتأمل جمالها، تمامًا كما يداوم العابد على تسابيحه.

لا شك أن المدرسة الصوفية أثرت كثيرًا في شعراء الرومانسية العرب من أمثال أحمد فتحي، وعلي محمود طه، وإإبراهيم ناجي؛ فالخيال هنا لا يصنع أوهامًا، بل يصنع صلوات من عشق. الكلمة تحمل رنينًا موسيقيًّا هادئاً ''تسابيح'' ينقله الملحن رياض السنباطي بصوت أسمهان إلى منطقة الابتهال، حيث يمتزج الشجن بالخشوع أمام سحر العينين.

وفي "الأمل المسحور" شَبَّه الشاعر "الأمل" بكائن حي أو إنسان يقع تحت تأثير السحر، وحذف المشبه به ورمز إليه بصفة من صفاته وهي ''المسحور''. وتمنح هذه الصورة "الأمل" أبعادًا بشرية، فتجعله يبدو عاجزًا، مسلوب الإرادة، ومأخوذًا بجمال المحبوبة. العبارة تجمع بين النور ''الأمل'' والغموض ''السحر''، مما يضفي عمقًا دراميًّا على المشاعر. كلمة "المسحور" هنا تعكس حالة من الاستسلام التام لجاذبية عيني المحبوبة. الأمل هنا ليس عقلانيًّا، بل هو أمل مأخوذ بالدهشة والذهول. وتعبر الكلمة عن ضعف العاشق أمام الحب؛ فالأمل مسحور لا يملك القدرة على الإفلات من هذا الأسر العاطفي.

وقد رأينا أن العبارتين تتكاملان فنيًّا ونفسيًّا؛ فـ "تسابيح خيالي" تمثل الطقس التعبُدي. الشاعر يحوّل خياله إلى محراب، ويجلس فيه ليرتل الصلوات ''التسابيح'' في حضرة عيني المحبوبة. وبسبب هذه الصلاة الروحية الطويلة والاستغراق في الجمال، يقع الأمل تحت تأثير "السحر" أو المعجزة الروحية. الشاعر لا يتحكم في أمله؛ بل هو منقاد بقوة هذا السحر النابع من المحبوبة.

تبدأ التجربة من عمق الشاعر، من عقله الباطن وخياله الذي يصنع الأفكار والصلوات متجهًا بها نحو المحبوبة. ثم تسقط عليه الأشعة السحرية لعين المحبوبة ''دنيا الجمال''، فيتحول أمله الداخلي إلى كائن مأسور ومسحور ومسير لا مخير.

هنا يمزج الشاعر بين القداسة الروحية ''التسابيح'' والغموض الميتافيزيقي ''السحر''. ونرى أن هذا الحب تجاوز حدود العلاقات البشرية اليومية؛ فهو مزيج من ابتهال ديني وطلاسم سحرية لا فكاك منها، مما يبرر حالة الشجن والبكاء في كلمة "عبرات" ''الدموع''.

وقد لاحظنا التناغم اللفظي والموسيقي ''أو السين المشتركة'' بين التسابيح والسحر، وهو رابط موسيقي خفي اختاره الشاعر بذكاء. فهذا الحرف الهامس يمنح الأبيات رقة بالغة تتماشى مع طبيعة "النجوى" والهمس العاطفي، وهو ما جسده لحن السنباطي وصوت أسمهان بدقة شديدة، حيث نُطقت الكلمتان بنبرة خاشعة وحالمة في آن واحد.

لا شك أن النص يمتلئ بألفاظ ذات حمولة صوفية تم تدويرها لصالح العشق الإنساني مثل: ''تسابيح، جلال، وحي، وصال، روح''. وقد لاحظنا أن الكلمات تتكامل مع اللحن والأداء لتشكيل معمار فني متماسك، فالنص يتبع البناء التتابعي ''المونولوج الدرامي'' وليس القصيدة الدائرية المعتادة. هناك خط زمني شعوري يبدأ بالانبهار بالعينين، يمر بالصراع والحيرة، وينتهي بالاستسلام لسطوتهما.

تطرح الأغنية رؤية فلسفية حول الوجود من خلال الآخر، والمحبوب في الأغنية ليس جسدًا حاضرًا، بل هو وهم ممتد أو خيال. الوجود الحقيقي للمحبوب يتحقق في وعي الذات الشاعرة فقط ''من تسابيح خيالي''.

العين هنا ليست أداة بصرية، بل هي نافذة الميتافيزيقيا. الرؤية في القصيدة تصبح أداة للمعرفة المطلقة، حيث تختزل العينان كلَّ أسرار الكون والوجود. ويتوقف الزمن الخارجي ''الفيزيائي'' تمامًا، ليحل محله الزمن النفسي / الداخلي. واللحظة التي تلتقي فيها العيون تصبح سرمدية ''خارج حدود الوقت والزمن المادي''.

يعبر النص عن رغبة الذات في الذوبان الكامل داخل الآخر ''المحبوب'' كمحاولة للعودة إلى حالة الأمان الأول أو التخلص من وطأة الأنا الفردية المعذَّبة.

هنا نلاحظ المازوخية العاطفية، فالشاعر يتلذَّذ ويستعذب الألم النفسي والدموع باعتبارها المقياس الوحيد لصدق الوجود العاطفي. وصوت أسمهان بنبرته الأوبرالية الشجية والغامضة يعكس اللاوعي المشروخ. والارتجافات أو الارتعاشات الصوتية التي تؤديها ليست مجرد حليات تقنية، بل هي تجسيد صوتي للقلق النفسي، والرهبة، والتأرجح بين الرغبة والخوف.

ونلاحظ أن العين هي الدال الحركي والمركزي في العمل. ومدلولها ليس البصر، بل هو: ''القدر، الكتاب المحتوم، الغيب، والمحكمة العاطفية التي تحكم على الذات بالسهد أو النعيم''. أما "الصمت" في الأغنية فهو علامة مشحونة بالدلالات. إنه ليس غيابًا للكلام، بل هو امتلاء بالمعنى. الصمتُ سيميائيًّا يصبح لغة بديلة وأكثر كفاءة من الكلمات المنطوقة لتفسير الغموض الإنساني.

وهنا نرى أن الجواب ''الطبقات العالية للصوت'' يرمز لوعود الأمل الشاهقة، والسمو، والتحليق في عالم الخيال. أما القرار ''الطبقات المنخفضة الدافئة'' فيرمز للواقع، والانكسار، والجاذبية الأرضية التي تُعيد الذات إلى معاناتها المادية بعد رحلة التسامي.

وقد لاحظنا أن العمل يستهل بنداء استغاثي يدمج العينين بالخيال، مستخدماً "تسابيح" كجمع تعظيم يُضفي قدسية، مع دخول صوتي يرتفع من القرار للجواب، ناقلاً إحساسًا بالرهبة والتحليق، مدعومًا بمقام العجم. وهو ما يمثل حالة من "المثالية الذاتية" حيث يتقلب المحبوب في خيال العاشق، مما يعكس إنكارًا إيجابيًّا للواقع، والهروب نحو نرجسية عاطفية آمنة.

كلمات أغنية "حديث عينين" لأسمهان:

يا لعينـيـكِ ويالي .. مــن تسابـيـحِ خيالي

فيهما ذكـرى من الحبِّ ومن سُهد الليالي

عبراتُ الأمـلِ المسحورِ في دنـيا الجمالِ

وفتـورٌ مـن ضنـا اللوعـة والسُّقْـمِ بـدا لي

وذهولُ الشاعر الهارب من حلمِ الوصالِ

وسؤالٌ يعبرُ الأفقَ إلي رد السؤالِ

وشقاءُ الروح يسمو نحوها طيفُ مَلالِ

وحديثٌ طالَ في صحبة أيامٍ طوالِ

وصراعٌ في هدوءٍ، وعتابٌ في دلالِ

وعذابٌ كعذابي.. يا لعينيك ويالي

يا لعينيك ويالي من تسابيح خيالي"