إفيه 'روح اشتغل رقَّاصة' ومواجهة الواقع
مسرحية "شاهد ماشفاش حاجة" (1976) إحدى كوميديات الفنان عادل إمام الراقية والهادفة. وهي تدور حول جريمة قتل غامضة، وجاء إفيه "روح اشتغل رقاصة" لكسر جمود أجواء المحكمة وبث حيوية كوميدية مذهلة. كتب المسرحية الفريد فرج (1929 – 2005) وأخرجها هاني مطاوع (1944 – 2015).
المشهد مبنيٌّ داخل قاعة محكمة (بنية صارمة، ولغة قانونية، وهيبة الدولة). ويقوم الإفيه بفك هذه البنية الصلبة وإعادة تركيبها كـ "كباريه" أو سوق عمل فني، مما يُحدث إرباكًا للمنظومة المؤسسية داخل المسرحية.
إن شخصية "سرحان عبد البصير" التي جسَّدها الفنان عادل إمام (1940) في مسرحية "شاهد ما شفش حاجة" (1976) ليست مجرد شخصية كوميدية عابرة، بل هي نموذج يمثل فئة اجتماعية كاملة في مرحلة تاريخية مفصلية من تاريخ مصر (فترة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات).
وقد لاحظنا أن الإفيه يقوم على تضاد بنيوي حاد: (رجل / شارب / حاجب محكمة) ضد (امرأة / أنوثة / راقصة). يلمس الإفيه مناطق الكبت الجندري والطبقي لدى الجمهور. فتحويل حاجب محكمة أو موظف سلطة إلى "راقصة" يمثل إشباعًا نفسيًّا غير واعٍ للجمهور الذي يرغب في رؤية تفتيت سلطوية الوظيفة الرسمية.
وتكمن السخرية في المقارنة بين هيئة الحاجب الصارمة، وبين مهنة الراقصة الاستعراضية الناعمة. وقد لاحظنا أن خروج عادل إمام عن النص ورّط الممثل (الحاجب) وجعله يضحك حقيقةً، مما نقل هذه الطاقة التلقائية للجمهور.
شخصية "سرحان" تعيش حالة رعب حقيقي من قسوة قاعة المحكمة والاتهام بالقتل. نفسيًّا، يلجأ سرحان إلى "الإنكار الهزلي" وتحويل مصدر التهديد إلى كائن مثير للضحك والبهجة لتقليل حدة خوفه الداخلي.
ولعل الضحك الحقيقي الذي غلب الممثل سامي جوهر كسر المسافة النفسية بين الممثل والجمهور، فتحوَّل الضحك من تفاعل مع نص إلى مشاركة في مأزق نفسي إنساني حي على المسرح. ويتجلَّى عبث المشهد في إعادة تعريف قيمة الإنسان. الفلسفة الكامنة هنا تقول: إن مظهرك الخارجي وتعديل بسيط في شعرك كفيل بنقلك من قاع السلم الاجتماعي (موظف مطحون) إلى قمته المادية (ثري)، مما يعكس عبثية القوانين والأنظمة التي تحكم المجتمعات الحديثة.
إن مبلغ "300 جنيه" في عام 1976 الذي من الممكن أن تحصل عليه الراقصة في ليلة واحدة، كان ثروة ضخمة (يوازي رواتب موظفين لعدة أشهر). ويطرح الإفيه مفارقة اجتماعية حول اختلال ميزان الأجور، حيث يتقاضى أصحاب المهن البسيطة ملاليم (7 جنيهات في الشهر)، بينما تجني الفنون الاستعراضية ومهنة الرقص مبالغ طائلة. مما يُضفى طابعًا واقعيًّا هزليًّا على العرض الوهمي.
ونستطيع أن نقول إن الإفيه يمارس كارنفالية فلسفية عبر تحويل "حارس القانون" إلى "راقصة"، وهو قمة قلب الهرم القيمي والطبقي.
نلاحظ أيضًا أن البدلة الميري والوشاح تعد علامة على السلطة، والانضباط، أما (الشعر الطويل، والسشوار، والـ 300 جنيه) فعلامات سيميائية ترمز إلى (الرفاهية، والتخلي عن الجدية، والليونة، والكسب السريع).
قاعة المحكمة في السيمياء الشعبية تمثل أيقونة العدالة والموت والجدية. وإدخال سيمياء الرقص والكباريه داخل هذا الفضاء خلق صدمة بصرية ودلالية، حيث تصادمت العلامات ببعضها البعض لينتج عنها شحنة كوميدية متفجرة.
تبدأ الجملة بفعل أمر (روح)، وهو صيغة تعجيزية (روح اشتغل)، لكنه ليس أمرًا حقيقيًّا، بل هو "أمر تهكمي" يقع في منطقة البلاغة الساخرة. الجملة تبدو كأنها نصيحة مهنية أو توجيه وظيفي، مما يمنحها طابع الجدية المفتعلة. ونلاحظ أن الإفيه كان قصيرًا جداً ومباشرًا (ثلاث كلمات فقط). هذا التكثيف اللغوي يعتمد على "صدمة التوصيل"، حيث لا توجد مقدمات لغوية تمهد للمستمع، مما يجعل الكلمة الأخيرة "رقاصة" تنفجر في وعي المتلقي فجأة.
بنية المفارقة الطباقية تقوم هنا على تضارب الهويات. لدينا بنية مرئية (رجل، شارب، حارس أو حاجب، ممثل للقانون) وبنية لغوية مقترحة (امرأة، راقصة، متميعة، مبهجة). الكوميديا تنشأ من محاولة العقل البشري تجسير الفجوة المستحيلة بين البنيتين.
كما لاحظنا أن المشهد بنيويًّا يسير في خط درامي يبحث عن "العدالة"، وفجأة يتم تغيير المسار بنسبة 180 درجة ليتحول إلى "سوق عمل استعراضي". هذا الانعطاف البنيوي الحاد يسمى في علم السرد بـ "التحول الهزلي الفجائي". وبحسب سيجموند فرويد، الضحك ينشأ من تفريغ طاقة نفسية مخزَّنة. الجمهور في المسرح يشعر بـ "التوتر" الناتج عن هيبة قاعة المحكمة والبدل الرسمية. وكلمة "روح اشتغل رقاصة" تفجّر هذا التوتر وتحوله إلى ضحك عبر إهانة هزلية مبطنة لرمز السلطة (الحاجب).
يرى الفيلسوف هنري برجسون أن "الضحك ينشأ عندما يكتسب البشري صفة ميكانيكية أو جامدة". ولاحظنا أن الحاجب كان يقف كالتماثيل (جسد ميكانيكي صارم). إفيه عادل إمام قام بـ "تسييل" هذا الجمود، وأعاد تعريف هذا الجسد الخشن بأنه جسد يصلح للرقص (المرونة القصوى)، وهو قلب فلسفي لمفهوم وظيفة الجسد في الفضاء العام.
كما يطرح الإفيه تساؤلاً فلسفيًّا ساخرًا حول الهوية: هل يصنع الإنسان وظيفته أم تصنعه وظيفته؟ الإفيه يقول إن هذا الرجل يرتدي ملابس حاجب "بالصدفة"، بينما حقيقته البيولوجية أو الاستعراضية (بحسب رؤية سرحان الساخرة) تنتمي لمكان آخر تمامًا.
إن بذلة الحاجب، وقاعة المحكمة، والمطرقة رموز للعدالة والجدية والسيادة. أما علامة "الرقَّاصة" فهي ترمز للمتعة، والليل، والهامش الاجتماعي، والليونة. وهنا نجد إزاحة للدلالة حيث أخذ الإفيه جسد الحاجب كـ "دال" ونزع عنه "مدلوله الأصلي" (الهيبة) وصدمه بـ "مدلول هجين" (الرقص). هذا التصادم السيميائي أدَّى إلى هدم مؤقت لأيقونة المحكمة، وتحوَّلت القاعة سيميائيًّا من فضاء لـ "محاكمة الجريمة" إلى فضاء لـ "تقييم المواهب الاستعراضية" والرقص.
لغويًّا "سرحان" اسم مشتق من "السرحان" والتوهان والشرود الذهني. هو اسم يعكس انفصاله التام عن الواقع الموضوعي وعيشه في عالم موازٍ من الخيال والبلادة الاختيارية. وعبد البصير: اسم يحمل مفارقة ساخرة. هو (الذي يرى ويبصر)، لكنه في الوقت نفسه "شاهد ما شفش حاجة"؛ أي أنه يملك حاسة البصر بيولوجيًّا، لكنه يعطلها معرفيًّا وسياسيًّا تجنبًا للمشاكل.
سرحان رجل بالغ يعمل في برامج الأطفال بالتلفزيون (يقدم شخصية الأرنب "سفروت"). نفسياً، هو يرفض النضج ومواجهة عالم البالغين القاسي (المليء بالجرائم، والقتل، والفساد، والراقصات)، ويفضل العيش في عالم الحيوانات الأليفة والعصافير. غرفته المليئة بالأرانب والعصافير هي "منطقة الراحة الخاصة به. الحيوانات هنا تمثل كائنات غير غادرة، مسالمة، لا تتكلم ولا تشي بأحد، وهي النقيض التام لجرائم البشر في الخارج.
يُظهر سرحان هلعًا طفوليًّا ورهابًا من رجال الشرطة والقضاء والمحامين. هذا الخوف ليس نابعًا من إجرامه، بل من قناعته التاريخية بأن المواطن البسيط يدفع الثمن دائمًا إذا اقترب من فلك السلطة.
يمثل سرحان شريحة "البرجوازية الصغيرة" أو موظفي الطبقة المتوسطة المطحونة في السبعينيات، الذين تبنوا شعار "امشي جنب الحيط" و"أنا مالي". الشخصية هنا تطرح تساؤلاً حول مسؤولية الفرد تجاه المجتمع. سرحان يسكن بجوار راقصة تُقتل لكنه يغلق بابه ويقول: "أنا كنت نايم". هو يمثل ذروة الأنانية الاجتماعية المدفوعة بالخوف من بطش الواقع.
سرحان يمارس "الوجودية العفوية". هو لا يعبأ بالقوانين الكبرى، أو العدالة، أو الحقيقة المطلقة، أو الأبيض والأسود. القيمة الوحيدة لديه هي "البقاء بسلام" وتأمين قوت يومه وكوب الشاي الخاص به.
وتكمن القيمة الفلسفية للمسرحية في رحلة انقشاع الوهم؛ إنها تبدأ بسرحان "الذي لا يرى شيئًا"، وتنتهي بإجباره على مواجهة الواقع والشهادة بالحق. إنها رحلة تحول الكائن البيولوجي الخائف إلى "إنسان مواطن" يملك موقفًا ويميز بين الخير والشر.
الملابس البسيطة وغير المتناسقة لسرحان عبدالبصير تعكس العشوائية، والبراءة، والفقر المادي للموظف الحكومي الذي لا تهمه المظاهر، في مقابل بدل المحامين والقضاة الأنيقة والمهيبة سيميائيًّا.
ويُعد توحد سرحان مع الأرنب "سفروت" توَّحدًا علاماتيًّا كاملا مع صفة الجبن الإنساني. فالأرنب في السيمياء الشعبية يرمز إلى الخوف، والجبن، والوداعة، والتكاثر بلا مقاومة.
لا شك أن إفيه "روح اشتغل رقاصة" يُعتبر أحد أذكى الارتجالات الكوميدية للفنان عادل إمام، وتحليله يبرز عبقرية البناء الدرامي والاجتماعي للمشهد من خلال شخصية "سرحان عبد البصير" التي تُدلي بشهادتها في المحكمة في قضية قتل جارته الراقصة "عنايات".