ماذا وراء النكسة الأكبر لـ'نسور قرطاج' في تاريخهم المونديالي؟

المدرب صبري لموشي يقر بأخطاء تكتيكية وفردية كارثية ويدعو لاعبيه لانتفاضة سريعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه أمام هولندا واليابان.

تونس - تجرّع المنتخب التونسي مرارة هزيمة تاريخية غير مسبوقة في مسيرته المونديالية، بعدما انهار أمام نظيره السويدي بنتيجة ثقيلة استقرت عند خمسة أهداف مقابل هدف واحد، في مواجهة استضافتها مدينة مونتيري المكسيكية لحساب الجولة الافتتاحية من المجموعة السادسة لنهائيات كأس العالم 2026.

وتجاوزت هذه الخسارة المدوية انكسار "نسور قرطاج" السابق أمام بلجيكا بخمسة أهداف لثنين في نسخة روسيا 2018، ليتجمد الرصيد التاريخي للتونسيين في المحفل العالمي عند ثلاثة انتصارات وخمسة تعادلات مقابل عشر هزائم خلال 19 مباراة موزعة على سبع مشاركات.

ولم يجد الفرنسي صبري لموشي، المدير الفني للمنتخب التونسي، مفرا من الاعتراف بقسوة السقوط دون التماس أي أعذار، حيث حمّل لاعبيه المسؤولية المباشرة عن الهفوات البدائية التي كلفت الفريق غاليا.

وأوضح لموشي في مؤتمر صحفي اتسم بالصراحة والمكاشفة أن تجرع خسارة بهذا الحجم في المستهل يمثل ضربة موجعة وصدمة مؤلمة لطموحات الفريق، مؤكداً أن الاستسلام ليس خياراً وأن المجموعة مطالبة بالانتفاضة واستعادة كبريائها أمام هولندا واليابان للحفاظ على حظوظ العبور، مشددا في الوقت ذاته على أن تكرار مثل هذه الهفوات الفردية سيعجل بنهاية المشوار التونسي.

ويرى محللون ان هذا السقوط نتاج قراءة تكتيكية غير موفقة من المدرب، الذي فاجأ الجميع بالتخلي عن خطة الدفاع الرباعي التي اعتمدها في الوديات، ليتحول فجأة إلى رسم (5-3-2) بتشكيلة ضمت ثلاثي العمق منتصر الطالبي وعمر رقيق ووسام بن حميدة، إلى جانب يان فاليري وعلي العابدي على الرواقين، وفي الوسط إلياس السخيري وخضيرة وحنبعل المجبري، بينما قاد الهجوم ثنائي غير صريح يتألف من محمد علي بن سليمان وإلياس سعد، مع الإبقاء على المهاجم الكلاسيكي فراس شواط على مقاعد البدلاء رغم تألقه السابق.

هذا التحول المفاجئ أربك منظومة الانسجام لدى اللاعبين الذين افتقدوا للجاهزية والقدرة البدنية على تفعيل أدوار الأجنحة، في وقت طبقت فيه السويد نفس الرسم بنجاح معتمدة على ثنائي هجومي متكامل ومرعب قاده ألكسندر إيزاك وفيكتور غيوكيريس.

وعلاوة على ذلك، غابت الواقعية تماما عن الأداء التونسي، إذ فشلت الكثافة العددية في الخط الخلفي في غلق المساحات أو الحد من خطورة المنافس، وبدلاً من تراجع تونس لامتصاص المد السويدي، اندفع الفريق للاستحواذ العقيم دون محطة هجومية قادرة على استغلال الثلث الأخير، وتزامن ذلك مع غياب تام للضغط على حامل الكرة والضغط العكسي السريع عند فقدانها، مما منح السويديين كامل الحرية في التمرير والاختراق، لتتضاعف المأساة بهفوات فردية قاتلة شملت الحارس مهيب الشامخ وهفوة مباشرة من السخيري أسهمت في اتساع الفارق.

وفي المقابل، وثقت شبكة "أوبتا" للإحصائيات أرقاماً تاريخية استثنائية للمنتخب السويدي الذي سجل ثاني أكبر انتصار له في تاريخ كأس العالم منذ فوزه العريض على كوبا بثمانية أهداف نظيفة عام 1938، كاسراً في الوقت ذاته عقدة المباريات الافتتاحية للنسخة الثانية على التوالي بعد فترات عجاف امتدت بين عامي 1970 و2006.

ودخل السويديون قائمة النخبة بتسجيل ثلاثة أهداف من خارج منطقة الجزاء في مباراة واحدة وهو إنجاز لم يتكرر منذ ستينيات القرن الماضي، كما شهد اللقاء توهجا لافتا للبديل ماتياس سفانبيرغ الذي أحرز ثالث هدف لبديل سويدي في المونديال والأول منذ عام 1990، وجاء بعد 18 ثانية فقط من دخوله ليكون ثاني أسرع هدف للاعب بديل في تاريخ البطولة.

وعلى صعيد الإنجازات الفردية للسويد، دخل الشاب ياسين العياري ذي الاصول التونسية التاريخ كأصغر لاعب سويدي يسجل ثنائية مونديالية منذ عام 1974 وهو في عمر 22 عاما، في حين قدم ألكسندر إيزاك مباراة مثالية بهدف وتمريرتين حاسمتين مكرراً إنجاز الأسطورة توماس برولين عام 1994، وشكّل رفقة غيوكيريس ثنائياً ذهبياً نجح فيه كل لاعب في التسجيل والصناعة خلال اللقاء نفسه.

وفي خضم هذه الليلة المظلمة لنسور قرطاج، برزت ومضة مضيئة وحيدة تمثلت في هدف تقليص الفارق الذي أحرزه المدافع عمر رقيق في الشوط الأول، لينهي صياما تونسيا عن التهديف في النصف الأول من المباريات دام لأربع مواجهات متتالية منذ مونديال 2018، ويدخل التاريخ كأول لاعب ينشط في الدوري السلوفيني ينجح في زيارة الشباك خلال نهائيات كأس العالم.

السخرية سلاح التونسيين في مواجهة الصدمة

وصبّ قطاع واسع من الجماهير غضبهم على المدير الفني صبري لموشي، حيث علّق أحدهم: "تغيّر خطة كاملة لعبت بيها شهور وتجرب دفاع خماسي لأول مرة في ماتش رسمي في كأس العالم؟ هذي انتحار كروي وليس تكتيكا!"، وكتب آخر تهكماً: "لموشي اراد تقمص دور غوارديولا، لكنه وجد نفسه مع فريق اشبه بتشكيلات كرة الشارع".

وطالب معلقون على سبيل السخرية الرئيس قيس سعيد بسجن المدرب التونسي لانقاذ ما يمكن انقاذه.

وانتقد الكثيرون استبعاد فراس شواط واللعب بدون رأس حربة، وجاء في أحد التعليقات: "بدءنا المقابلة من غير مهاجم، ولعبنا بـ 5 مدافعين وقبلنا 5 أهداف.. حتى في البلايستيشن هذا لا يحصل".

ونالت الأخطاء الفردية قسطاً كبيرا من السخرية، حيث كتب مشجع: "دفاع تونس والشناخ اليوم كانوا عاملين ممر شرفي لإيزاك وغيوكيريس.. خذ وهات كأنهم في تدريبات"، ودون آخر: "إلياس السخيري اللي كنا نحلفوا براسه، اليوم ساعد للسويد.. ليلة كابوسية بكل المقاييس".

واستغل التونسيون كعادتهم الفكاهة في الأوقات الصعبة، ليربطوا بين الهزيمة وبين تنظيف الجمهور الياباني للمدرجات، وعلّق ناشط: "اليابانيين ينظفوا في المدارج، والسويديين نظفونا على التيران.. ربي يستر من اللقاء القادم ضد اليابان لا يمسحوا بينا ارضية الملعب".

واستحضر المشجعون ذكريات الهزائم السابقة، وكتب أحدهم بحسرة: "كنا نعتبر مقابلة بلجيكا 5-2 في 2018 فضيحة، الى ان جاء لموشي وكسر الرقم القياسي بـ 5-1 وضد من؟ ضد السويد مش البرازيل!".

الومضة الوحيدة التي شهدت تعليقات إيجابية ممزوجة بالتهكم كانت هدف عمر رقيق، حيث كتب مدون: "الحاجة الباهية الوحيدة أننا دخلنا التاريخ بـ أول هدف للاعب من الدوري السلوفيني في كأس العالم.. على الأقل روحنا برقم قياسي فريد من نوعه!".