من هيرجيسا إلى القدس: لماذا قررت أرض الصومال أن تطرق باب إسرائيل
لم يكن خبر وصول رئيس أرض الصومال عبدالرحمن محمد عبدالله إلى إسرائيل حدثًا دبلوماسيًا عابرًا في منطقةٍ اعتادت العيش على إيقاع المفاجآت، فبالنسبة إلى كثيرين في العالم العربي، بدا المشهد وكأنه خروج مفاجئ لكيانٍ أفريقي مسلم من دائرة الانتظار الطويل إلى دائرة الخيارات الجديدة.
غير أنّ الحقيقة ربما تكون مختلفة قليلًا عن نمط السرديات الشائعة في زماننا الراهن لا سيما أنّ أرض الصومال لا تنتقل اليوم من موقعٍ إلى آخر، بقدر ما تعبّر عن حصيلة ثلاثة عقودٍ من الانتظار أمام أبوابٍ ظلّت موصدة في وجهها، الأمر الذي تجلّى بوضوحٍ في كلام الرئيس الصومالندي لدى اجتماعه في القدس مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عندما قال إنّ بلاده "على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها".
والمعروف أنّ في أواخر ديسمبر/كانون الأول العام الفائت، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرفٍ واحد عن الصومال في العام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية والمعروف أيضًا أنّ أرض الصومال عيّنت في فبراير/شباط الماضي محمد حاجي سفيرًا لها في القدس كما عيّنت إسرائيل في أبريل/نيسان مايكل لوتم سفيرًا لها في هيرجيسا.
التاريخ وخبايا الذاكرة
زيارة الرئيس الصومالندي الحالية إلى إسرائيل سرعان ما أعادتني إلى شهر يناير/كانون الثاني عام 2002 عندما وصلتُ إلى هيرجيسا بعد رحلةٍ ميدانية شاقة في الصومال، في أعقاب انتهاء مهمتي الميدانية في أفغانستان، والتقيتُ الرئيس الراحل محمد إبراهيم عقال.
يومها لم يكن اسم أرض الصومال يحضر كثيرًا في نشرات الأخبار العالمية ولم تكن القوى الدولية قد حسمت بعد كيفية التعامل مع هذا الكيان الذي أعلن انفصاله عن مقديشو، لكنه نجح في بناء مؤسسات مستقرة في وقت كانت بقية الأراضي الصومالية تغرق في الفوضى والحروب الأهلية.
كان عقال يومذاك يحمل عتبًا واضحًا على العالم العربي، علمًا أنه لم يكن يتحدث بلغة الخصومة أو القطيعة، بل بلغة من يشعر بأنّ محيطه الطبيعي اختار تجاهله. وكان يعتبر أنّ هيرجيسا دفعت ثمنًا باهظًا دفاعًا عن خيارها السياسي، ثم وجدت نفسها محاصرة بالعزلة الدولية، فيما امتنعت العواصم العربية عن مدّ الجسور معها خوفًا من أن يُفهم ذلك بوصفه تشجيعًا للنزعات الانفصالية في أماكن أخرى من العالم.
لغة المصالح المشتركة
غير أنّ الزمن لا يتوقف عادةً عند حسابات الماضي. فالدول والكيانات السياسية التي تُترك طويلًا خارج منظومة الاعتراف تبحث تدريجيًا عن منافذ أخرى للحركة. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم، لا سيما أنّ القيادة الصومالندية تنظر إلى نفسها باعتبارها دولة قائمة منذ أكثر من ثلاثة عقود، لا مجرد إقليم متمرّد ينتظر التسوية. ومن هذا المنطلق، فإنّ انفتاحها على إسرائيل لا يبدو خطوة أيديولوجية بقدر ما هو محاولة لكسر طوق العزلة والبحث عن شريك قادر على توفير الاعتراف والدعم السياسي والاستثماري والدبلوماسي.
علاوة على ذلك، فإنّ الجانب الإسرائيلي من القصة لا يقل أهمية. فإسرائيل لا تنظر إلى أرض الصومال من زاويةٍ رمزية فقط، بل من زاوية جيوسياسية بالغة الحساسية. إذ تقع أرض الصومال على واحد من أهم المواقع الاستراتيجية في العالم، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وعلى مقربة مباشرة من مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية.
وفي زمن تتزايد فيه أهمية أمن الممرات البحرية، وتتصاعد فيه التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن، يصبح أي شريك يتمتع بموقع كهذا محل اهتمام طبيعي للقوى الإقليمية والدولية... وهنا تتجلى أهمية المصالح الاستراتيجية بين القدس وهيرجيسا.
العودة إلى نقاط الارتكاز
لعل مدينة بربرة الصومالندية تمثل التعبير الأوضح عن حقيقة نقاط الارتكاز في الحسابات الاستراتيجية للدول في القرن الأفريقي، فقد تنافست القوى الكبرى على هذه المدينة منذ عقود طويلة، وتعاقب على الاهتمام بها السوفييت والأميركيون وغيرهم بسبب موقعها الفريد على خطوط الملاحة الدولية.
ولذلك فإنّ الحديث عن تقارب بين هيرجيسا وتل أبيب لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي يشهدها القرن الأفريقي، ولا عن التنافس الدولي المتزايد على الموانئ والممرات البحرية الممتدة من خليج عدن إلى البحر الأحمر.
غير أنّ ما يلفت النظر أكثر من الاعتبارات الجيوسياسية هو الدرس السياسي الكامن خلف الزيارة الحالية لرئيس أرض الصومال إلى إسرائيل، فعلى امتداد سنوات طويلة، تعامل كثيرون مع أرض الصومال باعتبارها مشكلة ينبغي تجنبها، لا واقعًا ينبغي فهمه. وظل الاعتقاد السائد أنّ تجاهلها سيؤدي في النهاية إلى اختفائها أو عودتها تلقائيًا إلى أحضان الدولة الصومالية.
لكن الوقائع سارت في اتجاه مختلف تمامًا، فالإقليم الذي افتقر إلى الاعتراف الدولي استطاع بناء مؤسسات سياسية وإدارية وأمنية مستقرة نسبيًا، بينما بقيت الدولة التي يُفترض أنه انفصل عنها تكافح لاستعادة الحد الأدنى من السيطرة على كامل أراضيها.
عبرة التاريخ في الحاضر الراهن
من هنا ربما تكمن المفارقة الكبرى. فزيارة رئيس أرض الصومال إلى إسرائيل ليست فقط قصة تقارب بين طرفين. إنها أيضًا شهادة على فشل مقاربة دولية وعربية استمرت سنوات طويلة، وقامت على تجاهل واقع سياسي قائم على الأرض.
والأرجح أنّ السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه الزيارة ليس: لماذا ذهبت أرض الصومال إلى إسرائيل؟ بل: لماذا انتظرت كل هذا الوقت قبل أن تبحث عن أبواب أخرى بعدما بقيت الأبواب العربية موصدة في وجهها لعقود؟
ربما تكون هيرجيسا قد وجدت أخيرًا من يصغي إليها. أما العالم العربي، فقد يجد نفسه مضطرًا اليوم إلى إعادة النظر في سياسة طويلة من التجاهل، بعدما بدأ الآخرون يملأون الفراغ الذي تركه بنفسه على الضفة المقابلة من خليج عدن... وهنا يكمن البيت في القصيد.