بين إهانة الصحفي وفوضى المهنة.. أي عيد للصحافة العراقية
يحلّ عيد الصحافة العراقية هذا العام، فيما لا يزال الصحفي العراقي يواجه واقعاً مهنياً قاسياً، يجعله أبعد ما يكون عن أجواء الاحتفاء والطمأنينة التي يفترض أن ترافق هذه المناسبة.
فبعد أكثر من قرن ونصف على صدور أول صحيفة عراقية، ما زال كثير من الصحفيين أسرى لمؤسسات إعلامية تديرها عقليات وأفكار تجاوزها الزمن، ولم تستوعب حجم التحولات التي شهدها العالم في مجال الإعلام وحرية التعبير، مؤسسات ما زالت تنظر إلى الصحفي باعتباره موظفاً يمكن الاستغناء عنه في أي لحظة، لا شريكاً في صناعة الرأي العام والحقيقة.
في العراق، قد تنتهي خدمة الصحفي بشخطة قلم، أو باتصال هاتفي مقتضب، أو برسالة عبر الهاتف، وأحياناً بطريقة أكثر إهانة عبر إزالته من مجموعة تواصل إلكترونية دون سابق إنذار أو توضيح. أما العقود التي يُطلب من الصحفيين توقيعها، فكثير منها لا يحظى بأدنى درجات الالتزام من قبل المؤسسات التي وضعتها أصلاً.
وعلى مستوى العلاقة مع السلطة، لا تزال المؤسسات الحكومية والأحزاب المتنفذة تنظر إلى حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومة بوصفهما امتيازاً يمكن منحه أو منعه، لا حقاً دستورياً يجب احترامه، لذلك يجد الصحفي نفسه في مواجهة أبواب مغلقة ومعلومات محجوبة وضغوط متواصلة تعرقل أداءه المهني.
ولعلّ من أخطر ما يواجه المشهد الإعلامي اليوم، حالة الفوضى التي أصابت المهنة، فخلال السنوات الأخيرة توسعت ظاهرة منح الهويات الصحفية والألقاب الإعلامية لأشخاص لا يمتلكون الحد الأدنى من المؤهلات المهنية أو المعرفية، حتى باتت المهنة تعاني من استقطاب أعداد كبيرة من مدّعي الإعلام، الأمر الذي أسهم في تشويه صورة الصحفي الحقيقي وإضعاف مكانة المهنة في المجتمع.
ولم يكن العام الحالي أفضل حالاً، إذ شهد ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الصحفيين، في وقت تشير فيه المؤشرات إلى تراجع واضح في مستوى الحريات الإعلامية، الأمر الذي يعكس اتساع الفجوة بين الشعارات المرفوعة والواقع الفعلي الذي يعيشه العاملون في هذا القطاع.
في عيد الصحافة العراقية، لا يحتاج الصحفيون إلى كلمات التهنئة بقدر حاجتهم إلى بيئة عمل تحفظ كرامتهم، وقوانين تحميهم، ومؤسسات تحترم حقوقهم، وسلطات تؤمن بحق المجتمع في المعرفة، فالعيد الحقيقي للصحافة لن يكون بإقامة الاحتفالات وإلقاء الخطب، بل عندما يشعر الصحفي العراقي أن مهنته مصانة، وأن حريته محمية، وأن مستقبله المهني لا يمكن أن يُمحى بقرار مفاجئ أو رسالة هاتفية عابرة.