مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران هواجس اتفاق السلام

مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، رغم كونها خطوة هامة لوقف الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، تظل اتفاقاً مرحلياً محفوفاً بالهزات والتعقيدات.

تتداخل الحسابات الإقليمية والدولية بشكل وثيق مع دخول الصراع الأميركي الإيراني مرحلة بالغة الحساسية، متمثلة في الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم تهدف إلى احتواء مواجهة كبرى دامت أسابيع طوال. هذا الحراك الدبلوماسي، الذي يأتي في أعقاب حرب استنزاف بحرية وعسكرية قاسية شملت إغلاق مضيق هرمز وفرض حصار متبادل، يضع المنطقة أمام واقع سياسي جديد يحكمه "القبول على مضض" وصراع السرديات حول من يمتلك القدرة على كتابة السطر الأخير وفرض شروطه الإستراتيجية.

وتكشف كواليس هذه المرحلة عن هوة عميقة في التوقعات والجداول الزمنية بين الطرفين؛ فبينما يصر الجانب الأميركي على صيغة اتفاق صارمة تسعى لتقييد الطموح النووي الإيراني عبر تجميد تخصيب اليورانيوم لمدد زمنية طويلة قد تصل إلى عشرين عاماً، وإخراج المخزون المخصب خارج البلاد كشرط أساسي لإنهاء الحصار، تتمسك طهران بسقف زمني لا يتجاوز خمسة أعوام، معتبرة أن قدراتها السيادية في التخصيب والتطوير التكنولوجي هي أوراق قوة انتزعتها بفضل صمودها الميداني، ولن تقبل بالتفريط فيها مقابل وعود شفوية أو رفع جزئي للحصار البحري.

وتتحرك الدبلوماسية الأميركية في هذا المسار مدفوعة برغبة القيادة في واشنطن في إبراز فائض القوة وإحراز انتصار سياسي فريد يتفوق على إنجازات الإدارات السابقة، من خلال إظهار أن الضغط الاقتصادي والعسكري المكثف هو الذي أجبر طهران على تقديم التنازلات وفتح مضيق هرمز جزئياً أمام حركة الملاحة وسفن الشحن العالمية.

 في المقابل، يرتكز الموقف الإيراني على قراءة مغايرة ترى أن قنوات التواصل المفتوحة، والوساطات الإقليمية المستمرة، لم تكن لتثمر لولا عجز الطرف الآخر عن حسم المعركة عسكرياً بالكامل، واصطدامه بحقيقة أن الاقتصاد العالمي لم يعد قادراً على تحمل الكلفة الباهظة لانسداد الممرات المائية الحيوية وارتفاع أسعار الطاقة؛ مما جعل من إغلاق المضيق أداة تفاوضية بالغة الأثر رفعت الكلفة على واشنطن وحلفائها في المنطقة.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة هذه التفاهمات بمعزل عن الجبهة اللبنانية، التي باتت تشكل العقدة الأبرز والاختبار الحقيقي لمدى تماسك المذكرة ومصداقيتها، فثمة تباين حاد يسود الأوساط السياسية حول ما إذا كانت مذكرة التفاهم تتضمن ضمانات فعلية لوقف العدوان الإسرائيلي والانسحاب من جنوب لبنان، أم أنها تعزل المسارين لتترك الساحة اللبنانية تواجه مصيراً منفصلاً.

وتنطلق المقاربة السياسية المدافعة عن شمولية الاتفاق من فرضية بنيوية تؤكد أن طهران تركز على ربط الملفات ببعضها، بحيث تعتبر الولايات المتحدة هي الضامن الفعلي والوحيد القادر على إلزام تل أبيب بوقف الحرب والانسحاب إلى ما وراء الحدود الرسمية في آن واحد.

ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى أي تهدئة في مياه الخليج على أنها خطوة أولى غير مكتملة ما لم تترجم إلى تراجع عسكري إسرائيلي على الأرض اللبنانية، نظراً للتنسيق الإستراتيجي العالي والالتزام الأخلاقي والعقائدي بدعم قوى المقاومة التي تخوض معركة دفاعية عن أرضها وبيوتها.

وتستند هذه الرؤية المتشائمة إلى واقع الميدان الذي يظهر أن القيادة الإسرائيلية، رغم ما تتكبده من خسائر فادحة في أرواح الجنود والآليات ورغم تصاعد الغضب الداخلي، تحاول استيعاب هذه الضغوط من خلال التصعيد جغرافياً وتدمير البنى التحتية والديموغرافية لإيجاد منطقة عازلة تفرض واقعاً أمنياً جديداً.

ووفقاً لهذا المنظور، فإن التحركات السياسية والمحاولات الدبلوماسية التي تقودها أطراف أميركية مقربة من البيت الأبيض لإقناع تل أبيب بالتوقف، لن تفضي في أحسن الأحوال إلا إلى هدنة مرحلية ومؤقتة، لكون الأهداف الإسرائيلية المعلنة ترتبط بإنهاء الوجود المسلح على حدودها الشمالية بشكل جذري.

ويخلق هذا التباين معضلة كبرى داخل الساحة اللبنانية، حيث تفرض الحرب تداعيات ديموغرافية واجتماعية هائلة جراء القصف المستمر وانهيار مقومات الحياة في مناطق واسعة. وفي ظل العجز الواضح للدولة اللبنانية عن فرض شروطها أو التأثير في مسار المفاوضات الدولية، يزداد الشرخ الداخلي حول مستقبل إدارة الصراع ومصير السلاح؛ إذ يخشى مراقبون أن يؤدي استمرار الانسداد الميداني إلى تصادم سياسي واجتماعي بين المؤسسات الرسمية والقوى الموالية لها من جهة، وبين القوى المسلحة التي ترى في التخلي عن ترسانتها استسلاماً مجانياً للاحتلال في وقت لا يمكن فيه الثقة بوعود المجتمع الدولي أو الضمانات الأمريكية المعطاة للحكومة اللبنانية.

وفي سياق البحث عن مخارج لهذه الأزمة المركبة، تبرز أطروحات تنادي بضرورة صياغة معادلة وطنية داخلية ترتكز على إطلاق حوار لبناني-لبناني عاجل، بحيث لا يبقى ملف الحرب والسلم رهينة للتجاذبات والصفقات الخارجية التي قد تتم على حساب المصالح اللبنانية.

وتقترح هذه الأطروحات فتح مسار تفاوضي داخلي يمنح المفاوض اللبناني الرسمي مرونة أكبر للتحرك باتجاه القوى العربية والإقليمية والدولية المؤثرة، شريطة أن يربط أي نقاش حول الترتيبات الأمنية المستقبلية بضمانات حقيقية تحقق انسحاباً إسرائيلياً كاملاً، وعودة آمنة للنازحين، وإعادة إعمار الشاملة، وتحرير الأسرى. ورغم صعوبة تحقيق هذه المعادلة في ظل موازين القوى الراهنة، إلا أنها تُطرح كبديل عقلاني لإنهاء حالة الارتباط الميكانيكي بالملف الإيراني وتجنب كلفة الاستنزاف المفتوح.

دوليًا، يظهر الحراك الدبلوماسي الأوروبي، ولا سيما المقترحات الفرنسية والبريطانية، كمحاولة لإيجاد دور مكمل لمذكرة التفاهم عبر تفعيل أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وإبداء الجاهزية للمساهمة في تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز فور استقرار الأوضاع؛ وهي تحركات تعكس رغبة القوى الكبرى في حجز مقعد لها على طاولة الترتيبات الإقليمية المقبلة وضمان عدم تفرد واشنطن بصياغة المشهد.

بالنهاية، يمكن القول إن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، رغم كونها خطوة هامة لوقف الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، تظل اتفاقاً مرحلياً محفوفاً بالهزات والتعقيدات؛ فالصراع على الجداول الزمنية وشروط التخصيب من جهة، والارتباط الوثيق والمشتعل بالجبهة اللبنانية من جهة أخرى، يبرهنان على أن السير نحو تسوية مستدامة يتطلب ما هو أكثر من مجرد إعلان نوايا، في وقت لا يزال فيه المشهد الإقليمي معلقاً بين جمود تفاوضي تحكمه النيران وصراع وجودي تسعى فيه كافة الأطراف لفرض توازناتها الجديدة.