جماليات السرد النفسي وترميم الجسد المعنّف في 'مرايا عمياء'
انعكست عوالم الشخصيات في رواية "مرايا عمياء" لعفيفة سميطي الصادرة عن دار الأمينة للنشر والتوزيع بتونس من خلال مرايا متشظية، حادة، تجرح، تؤذي الشخصيات والقارئ على حد السواء. الرواية لم تكن قط فرصة للمتعة ولملمة أنفاس القارئ، وكأن قوى الشر اجتمعت جميعها من أجل تنبيهنا ان الأمور ليست على ما يرام.
رواية "مرايا عمياء" نسج لقصص خيالية، وسرديات متشابكة تفضح إيديولوجيات العنف. إذ تحمل آثارا عميقة لبيئات اجتماعية متنوعة، تعد عناصر مؤثرة في الشخصيات ولغتهم وأفعالهم، تعبر جميعها عن مجتمع متشدد، يراقب، يضطهد، يستغل، يقمع.. فالرواية نقد إيديولوجي يحمل كثافة تخييلية للبنى الاجتماعية التي تشكل خطرا على الجسد وتعيق الوعي بالذات.
عتبة الغلاف
لوحة الغلاف بألوانها الأصلية وألوان ممزوجة الأحمر تشير إلى سجلات الذاكرة، ورغبات ساطعة. الأزرق لون صاف خربشات في الوعي يعبر عن الظل الظلام والضعف والبرودة، الأرجواني تحولات في الوعي الرمادي وانبثاق الضوء من الظلام، الوردي أحلام معلنة.
الأشكال والخطوط الجمالية التعبيرية مستطيلة احيانا متدرجة، تجسم الرفوف، الأبواب، الخزانة المنسوجات: مرايا أشكال تدل على الجانب الدنيوي.
خطوط مستقيمة عمودية تدل على الانضباط والعمل الشاق، وأفقية تدل على الراحة والخشوع.
خطوط منكسرة تشكل زوايا حادة: تشير الى المحرمات والقسوة والخطر والرعب. وتغيب الخطوط المنحنية المعبرة عن المرونة والرحمة والقوة.
عتبة العنوان
منذ البداية نبهتنا الساردة ان المرايا عمياء، لا ترى الحقيقة، تحجب الصور من حولها، ولكن السرد يساعد على رؤية صور هذا العالم.
عتبة التصدير
"من ينظر إلى الخارج يحلم ومن ينظر إلى الداخل يستيقظ" كارل جوستاف يانغ.
ورد التصدير من خلال مقولة لعالم النفس السويسري ومؤسس علم النفس التحليلي يانغ، وما يعبر عنه بداخل النفس هو "النفس الخفية" المظلم المكون من الشقوق والتصدعات جراء الصدمات وسوء المعاملة. وما اليقظة إلا تحرر من من تلك الهالات القاتمة التي تؤثر على الإنسان سلبيا، تحتاج إلى معالج نفساني لشخصيات تعاني من الهستيريا والصرع والاضطراب في الذاكرة، فاليقظة تتطلب العلاج..
استرجاع الحكايات يتم من خلال التذكر، إضاءة المناطق المظلمة، ومواجهة الصدمات، لذلك التقت شخصيات الرواية من جنوب البلاد وشمالها في مستشفى الأمراض النفسية، محورها الطبيبة النفسية "رنيم"، لتصبح "رنيم" جزءا من الحكاية والمأساة فقد تعرضت بدورها للأذى الجسدي والنفسي.
النظر للداخل/السرد النفسي
توجه الساردة عفيفة سموطي السرد للنظر إلى دواخل الشخصيات: كاشفة الخيال النفسي، الدوافع، أفكارها الداخلية، ومشاعرها، متوخية تيار الوعي.
لغة الشخصيات داخل مصحة نفسية تطغى عليها الاستهيمات، والهذيان، الهلوسات، تستوجب البحث في ما وراء خطابها من أسباب وخلفيات وأحداث، فالخطاب شفرات الثقافة حسب فوكو، وخطاب الجنون، هو خطاب كبت اجتماعي: مشكل من أفكار وصور وذكريات عالقة في الذهن ما قبل الصدمة الاستغلال/ مسخ الجسد واقصائه من خلال ممارسات اجتماعية.. وأخرى افقدت أصحابها الذاكرة.. مما أدى إلى التشنج الجسدي والاضطرابات.
تستعين المعالجة "رنيم" بالفنون لتسليط الضوء على تجارب الشخصيات الحياتية من خلال سرديات مؤثرة تستخدم الفنون البصرية، والشعر، والكتابة الإبداعية، والتصوير. فهي توفر للشخصيات أوراق وأقلام للتصوير، الخربشة، الكتابة. كما تستعمل المحفزات، العطور التي تصل "رؤيا" كهدايا تخلص الروائح العالقة في انفاسها إذ كانت تعمل عند محام في مكتب عفن في عمارة قديمة آيلة للسقوط، رائحة العطر المستخلصة من الصنوبر تحفز هورمون الاندروفين وتعيد أنور إلى الشمال الغربي والطبيعة الساحرة، تلك الجنة العالقة في الغيوم بعدما فصله والده من الشمال الغربي وانتقل للمدينة، وتنتشله من روائح الجثث من شقة لا يدخلها نور الشمس، وهو طبيب التشريح، دمية لزينة تلك الدمية التي حرمت منها أيام طفولتها جدتها حطمت دميتها التي خاطتها أمها وحولتها إلى أن تبوح لها بأوجاعها.
السرد المنظم
السرد في الرواية منظم رغم الفراغات والحلقات المفقودة: سرد زينة لقصص متماسكة ومنسجمة، انطلاقا من ليلة عرسها. الأحداث مترابطة تنفتح على ذكريات وتجارب.. وهو سرد غير خطي يربط بين الحاضر والماضي.. سرد لأحداث قابلة للتصديق حتى أن القارئ يتجاوز التخييل إلى حقائق ملموسة.. يتعطل السرد تحت تأثير النوبات النفسية، ولكن السرد علاج: بداية استرجاع الذاكرة، رؤية زينة لشريط أضواء، فوانيس صغيرة ملونة تصل إلى نخلة، أشخاص تتبعهم ظلالهم، استرجاع ليلة الحناء بكل تفاصيلها، حناء، قلادة من العنبر روايح المحلب، بخور الجدة العطن مثل روحها، الخلالة المنسج، الجدة تمنعها من القيام بمعرض تفتك منسوجاتها، تهدد بسبابتها، الوشم نول قديم رموز معقدة/ تراث للمشاركة في المعارض ونيل جائزة وبيع المنسوجات، حياة كالجدار دقت فيها الجدة مسامير صدئة، الجدة الرقابة لا يمكن الخروج إلا في غيابها، جروح راحة مدمية، حمامة في مخلب عجوز، روح في قاع البحيرة جسدها تجلده جدتها، في مدينة "أم العرايس" صوت الغسالات العملاقة يطرق الرأس، الغناء يتلاشى، ويستمر الوجع وألم الجسد، الجدة تطرق رأسها بعكازها لتجلب لها طست الوضوء، روائح اللاقمي المخمر، عرق الإبطين، اللباس العطن، الجلود المجففة القرب والأشياء القديمة البخور صور الصوف بعد المرض، روائح قذرة.. تذكرت زينة الحريق وشرعت تخبط بيديها البحر..وتغوص في ظلمة الصدمة، ودخول النساء في حلقة نواح..
تنتقد الرواية العنف الذي يسلط على المرأة:
الجدة/ الحماة: جدة زينة تعنفها وتعنف أمها رقية، الجسد للاستغلال والعنف في القرية في الجنوب.
العقاب المسلط على الأطفال: تعذيب جسدي يومي بعصا زيتون والهروس في أماكن من الجسد، الكي، حرمانهم من اللعب، تحطيم الدمية، استغلالهم في العمل المنزلي الشاق، الكي بالسيخ المتوهج، في المستشفى قيل أنها سقطت في الكانون، النسج وافتكاك المنسوجات لبيعها، وأد الحلم: لا مجال لعرض المنسوجات في المعارض..لغة التعامل من خلال ركل الجسد.. الرقابة..
العقاب المسلط على الكنة: جدة قاسية كالصخرة تركل كنة تجثو عند قدميها، تجلد جسدها وتسخرها للأعمال الشاقة، الأم أمام مواقد الحطب، داخل الزرايب والاقنان وتحت قدمي الجدة، تعنف الأم بعصا غليظة تجرح جسدها. وحين يغيب الجسد في حالات اللاوعي تدعي أنها مسكونة..وتأخذها للشيخ..
الجدة تعنف ابنتها نفسيا وجسديا تدعي أنها منحوسة. تبدو مثل شبح يصارع الوحش في أعماق الظلمة، تعنفها وتكاد تسقطها من السلم..
عصا الجدة مسلطة لضرب الكنة والحفيدة والحمار رمز للقوة والبطش.
القيم مكتوبة على جسد المرأة:
لعجائز في القرية من معنّفات إلى معنِّفات يكشفن عن بقايا حرق، دفع فوق الحطب، الضرب بالعصي الفلفل الأحمر و يتندرن بذلك، الجدة نفسها تحمل آثار الكي والضرب بالسلاسل والتقييد بالحبال، وضربة منجل أخرست ابنتها في سن صغير.
الجدة تشد شعر رقية بقوة وتدفعها، رأسها يحترق على الموقد، حكاية رشيدة في المدينة يرويها زوجها، هي عاقر وأمه تريده الزواج بأخرى لإنجاب طفل، تأخذها للعلاج الرعواني، تضربها، حولتها إلى خادمة للعائلة.
العنف المسلط على جسد المرأة من الرجال:
الاعتداءات الجنسية على النساء الممسوسات من طرف الشيوخ والدراويش..
أم السعد السوداء صوت عذب حاد استغلال جسدي وجنسي من طرف الشمالي، بيع ابنها ثمرة الخطيئة.
اعتداءات الرجال على الزوجات بالضرب المبرح مثل والد زينة على زوجته رقية، ووالد انور على زوجته ريحانة..
الجسد الأنثوي المعنف، الموشوم بعادات العنف والتنكيل، هو جسد يكاد يفقد علاقته بذاكرته وهوية صاحبه.
ذكورية المرأة
العمة المتخشبة النحيلة..
سعدية سيقان طويلة عجفاء.. سعدية جسد دون تضاريس قادر على العمل والإنجاب ورغم سخرية زوجها منها فهو لم يطلقها، رمزية عناصر الصورة رؤية المرأة على أنها الذكر نفسه فهي التي تعمل وتنفق.
تصوير الشيخة الحادة مزرية قذرة رغم أنها على بركة ..
من تقتطع من الواقع هي العمة البكماء تشاهد المشهد وترد عليه بطريقتها: قطع الرأس المستبد.
تداخل وتشابك في الحكي
في البداية تبدو الحكايات منفرطة تروى بالتداول، أي لا علاقة بين شخصية وأخرى، وبالتدريج هناك خيوط علنية تكشف، وخيوط سرية ضمنية تستدعي يقظة القارئ وفهمه رغم أنه جزء من تلك الشخصيات فهو بشر بدوره يتأذى من سلسلة حكايات صادمة مرهقة تطيح بصفائه الذهني..
رغم أن الشخصيات من جهات مختلفة اجتمعت في مصحة نفسية إلا أن علاقتها متشابكة، متداخلة ..
الرسالة الضمنية من وراء هذه الرواية
الذي قيل بين السطور أن الجسد على ملك صاحبه وليس موضوعا لسادية الآخرين والقيم الاجتماعية المعنفة للجسد. نعم انه الظلم، ومقاومته تتم من خلال ترميم تصدعات النفس. وهو مطية للنقد الاجتماعي منشأه اليأس من مجتمع لا يغير عاداته البالية: فالآثار العميقة للماضي لا ترتبط بزمن الماضي فحسب، بل هي متواصلة. والقصة لا تخرج عن أنساق المجتمع.
هكذا بدا لنا فهم الساردة للعالم من حولها في تناولها لبيئة بل بيئات متعددة تتنازعها قوى الشر، تقوض الطمأنينة، تؤذي جسديا ونفسيا تستنزف الحلم. لذلك يجب مراجعة هذه القيم البالية. حسب غالتون "يمكن أن يصبح الأدب شكلا من أشكال المقاومة"..