من أدونيس إلى الأسد: كيف فكّك د. مراشدة الأنساق الثقافية في الشعر العربي؟
يُعدّ الناقد والشاعر والروائي الأردني والأكاديمي الدكتور عبد الرحيم مراشدة، من الأسماء الإبداعية والنقدية الإبداعية التي استطاعت عبر مسيرتها المتميزة، يرسم خيطا بيانيا موازيا بين النقد والإبداع إلى جانب عمله الأكاديمي، وتوجت مسيرته بمجموعة من الإصدارات النقدية والروائية والشعرية والتي تعد مرجعا مهما للباحثين والدارسين من طلبة الدراسات العليا في الجامعات الأردنية العربية، وقد مثل الأردن في المؤتمرات المحلية والعربية والدولية.
ضمن ما تقدم صدر للدكتور عبدالرحيم مراشدة كتاب نقدي وسمه بـ "شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر" عن دار الآن ناشرون وموزعون، وبدعم من وزارة الثقافة الأردنية.
ونطالع في مقدمة بقلم الدكتور مراشدة حول ماهية الأنساق يقول في مقدمه: تُعد الأنساق الثقافية موضوعة راحت تأخذ مساحة لافتة فيما يعرف بالنقد الثقافي، سواء أكان ذلك في الغرب على أيدي نقاد من أمثال: جاك دريدا من المؤسسين للمنهج التفكيكي، وماتياس هيرز، ورتشارد هوجارت وفنسنت ليتش...إلخ.
أما في الشرق، وبخاصة في الدراسات النقدية العربية، وفي مقدمتهم الناقد العربي عبدالله الغذامي، في مصنفاته، وقد ترك هذا الاتجاه أثرا لافتاً، وصل إلى حد ما يمكن أن نطلق عليه: (المهيمنات النصية) والتي يمكن أن تتجاوز الدلالات اللغوية والجمالية، عبر الأساليب المتبعة في بنية النص، شكلا وموضوعاً، والبحث في هذه المسائل يشكل حفريات معرفية يمكن أن تكشف عن دلالات عميقة فيما وراء النص، لا سيما مع تداخل الأجناس وحركيتها في النص، ومع تشرب النص الشعري لمهيمنات نصية قد تكون رافدة له من التاريخ والتراث والأحداث ...إلخ.
ويضيف د. مراشدة: هذا الكتاب كان نتاجاً لبحوث استغرق استكمالها وإعدادها سنوات، وجاءت الرغبة في نشرها لأمرين، الأول: أنها تتناول موضوعات يربط بينها "خيط جيني" عابر لها جميعاً، ويمثل سمة نقدية لافتة، تتعالق مع المناهج النقدية الحديثة، والمعاصرة، وبخاصة أن هذه الدراسات، موضوع الكتاب، غالبا ما تتجه إلى النقود التي تقع تحت مظلة النقد الثقافي، كما سلف، والأمر الثاني: كونها تتناول موضوعات شعرية معاصرة، وينسجم بعضها مع تحولات الشعر العربي الحديث، وفي الوقت نفسه، يمكن أن تشكل رافداً للدرس النقدي العربي، الذي يُعنى بالنقد الثقافي، وما ينطوي عليه من مرجعيات ومهيمنات، آملا أن يشكل هذا الكتاب خطوة على طريق الجهود النقدية العربية، ويتبعها خطوات في البحث العلمي، لاسيما أن في الكتاب مقاربات نقدية تطبيقية، حتى التي كتبت بطرائق أسلوبية قد تقترب من الكلاسيكية، ظاهرياً، لكن التناول لها من وجهة نظر الباحث الحالي تقع تحت مظلة النقد الحديث والمعاصر.
ومعايير واختياره للنصوص ومعاينتها ذكر: إن سبب اختيار هذه النصوص التي تم التعامل معها نقدياً لشعراء عرب ومحليين، شكلوا علامات فارقة في الشعر والنقد، ومنهم: الشاعر والناقد العربي (أدونيس) في مصنفه الموسوم بـ : (الكتاب) الذي جاء بمجلدات ثلاثة، لما فيه من طرائق وأساليب تحيل إلى المضمر والخفي، والمسكوت عنه... إلخ في الكتابة، وتلك القضايا الكامنة، العابرة للأجناس الأدبية والفنية، بحيث تشكل ملمحا مهماً يتعالق مع التاريخ، والحضارة، والوجود، والمجتمع... والتي قد تنطوي على المرجأ من الدلالات والمعاني، ولم تزل قيد البحث، ومن ذلك مرجعيات كثيفة في نقد التاريخ ونقد الفكر العربي المعاصر، إن جاز التعبير، كما تناول الكتاب الشاعر العربي الأردني (طاهررياض)، في مدونته الشعرية الموسومة بـ : (حلاج الوقت) التي لا يخفى على الباحثين، ومنذ العتبة العنوانية، تعالقها مع الفكر الفلسفي، الصوفي والوجودي، والديني، بشكل عام، إضافة إلى مرجعيات يجري تحويرها عبر ما يعرف بـ (الانزياح بمفهوم جان كوهن)، وشكلت هذه المدونة ملمحا فريدا في التناول؛ لكثافة الشعرية فيها، لما لها من محمولات ثقافية وفكرية تمتح من ثقافات عربية، وغير عربية، قديمها وحديثها.
أما عن الدراسة الثالثة يقول: تناولت شاعرين مهمين، هما: نزار قباني وأدونيس، في قصيدتين ينهلان- على غير العادة- من مشارب تاريخية وحضارية وفكرية عابرة للزمان والمكان، وهو ما يغاير ما اشتهر عنهما في الكتابة الشعرية التقليدية، فكان شعرهما ينحاز للصوفية المتداخلة مع الفكر الفلسفي الوجودي، وفي الوقت نفسه، تشكلان إشارة مهمة لفكر إيديولوجي له مرجعيات ثقافية عميقة، وتشير للمرحلة التي جرى فيها تحولات مفصلية في الأدب والنقد العربي عند العرب، والقصيدتان تحيلان إلى هذه المسائل الإشكالية التي جرى فيها جدل واسع، من حيث التجديد في الشعر العربي واللغة الشعرية، وأساليب التعبير، استنادا للثقافات العابرة للحضارات والمتنوعة، وفي محاولة منهما للربط بين الماضي والحاضر، عبورا للمستقبل.
وتناول في الدراسة الرابعة الدكتور مراشدة، الشاعر العربي من الأردن "عمر أبو الهيجاء" في مجموعته الموسومة بـ: "وأقبل التراب.." تلك المجموعة التي تداخلت شعريا مع "الأدب الرحلي" و الرحلي الوجداني المتعالق مع مسحة نفسية رومانسية لافتة، وكانت حافلة بسرديات تنهل من مسائل أيديولوجية، وفكرية، وجغرافية...إلخ؛ فشكلت ملمحاً لافتا في الشعر العربي الحديث، يستحق الدراسة، وهي مجموعة جاءت نتاج تجربة طويلة للشاعر، ولكونه ابن قضية عربية، وأصبحت كونية، وهي قضية فلسطين. وجاءت الدراسة الخامسة للشاعر الناقد العربي من الأردن، "ناصر الدين الأسد"، وهو العلامة، في الأدب والنقد، وصاحب مصنفات عديدة، وله مدونة شعرية، تمتح من الرومانسية كثيراً من الرؤى، ومن مرجعيات تحيل إلى منابع وجدانية، كما لو كانت رحلة مع الذات، مما يعرف بأدب الـ(السير ذاتي) وهي عابرة لجيل عاش في عصر تتزاحم فيه النظريات والأيديولوجيات، والمناهج، لكنه اشتق طريق الشعر بالمحافظة على الكلاسيكية، المحدّثة إن جاز التعبير، وفيها من القيم والعادات والألم، والطبيعة والغزل، والوجدانيات، والأبعاد الإنسانية ما يحمل على قراءة عابرة للأنساق الثقافية..
ويرى الدكتور عبد الرحيم مراشدة أن ما يجمع هذه الدراسات، التي نشرت في مجلات محكمة، عربية ودولية، هو النقد الثقافي، وما يحتضنه من رؤى معاصرة، عابرة لجماليات التلقي، والقراءات المعاصرة، وتسلط الضوء على شعراء لهم بصمتهم في السفر الأدبي والإبداعي، عربيا ودولياً.