75 عاماً على صك الحماية.. عندما تتحول أوراق اللجوء إلى أكفان!

بينما يحيي العالم اليوم العالمي للاجئين، تقف المنظومة الدولية عاجزة أمام تسييس القضية وتحويل القوانين الإنسانية إلى صفقات أمنية وورقة ضغط انتخابية، وسط تمييز عنصري وتخاذل أممي يزيد من بيئات اليأس.

تطل علينا اليوم ذكرى اليوم العالمي للاجئين 20 يونيو/حزيران وهو المناسبة التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 55/76 الصادر في ديسمبر عام 2000، ليتزامن تاريخياً مع الرمزية القانونية والأخلاقية الأبرز: الذكرى الخمسين لصياغة اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. لقد كان الهدف الاستراتيجي من هذا اليوم هو تكريم صمود الإنسان المطارد والضغط على المنظومة الدولية للوفاء بالتزاماتها.

​لكن المفارقة الصارخة والصادمة أننا اليوم نشهد الذكرى الـ 75 لتلك الاتفاقية التاريخية بينما يرفع العالم وشعارات الأمم المتحدة شعاراً يقطر إدانةً للواقع: لن نكون في أمان حتى يصبح الجميع في أمان. إنه اعتراف بنيوي بعجز المنظومة الدولية؛ فكيف تحول حجر الزاوية القانوني لحماية الإنسان إلى نص ميت على أرصفة المصالح الأمنية؟ وكيف نقرأ مآل العالم في ظل هذه التناقضات؟

​عندما نضع القوانين الدولية في كفة، والممارسات الجيوسياسية في كفة أخرى، تظهر الفجوة الأخلاقية الشاسعة التي تقسم ظهر المجتمع الدولي وتكشف سياسة الكيل بمكيالين:

​سلاح اتفاقية 1951 المفكك

تنص المادة (33) من الاتفاقية صراحة على مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر طرد اللاجئ أو رده إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددة فيها كما تعفيه المادة (31) من عقوبة الدخول غير القانوني. ومع ذلك، تشهد الحدود ممارسات تلتف على هذه النصوص، حيث تُدفع قوارب الموت قسراً إلى عرض البحر وتُبنى جدران الأسلاك الشائكة وتُبتكر قوانين لـ خصخصة اللجوء عبر ترحيل طالبي الحق الإنساني إلى دول ثالثة فقيرة لقاء صفقات مالية وأمنية مما يمثل تراجعاً ديبلوماسياً مخزياً.

​الفرز العنصري والتمييز العقائدي.. تعامل المجتمع الدولي مع الأزمات يثبت أن بشرة اللاجئ وعقيدته هما جواز مروره السريع نحو الأمان، فرأينا كيف رُفعت القيود وفُتحت البيوت في أسابيع معدودة لأزمات معينة، بينما يقبع لاجئو الشرق الأوسط وأفريقيا، مثل مآسي لاجئي السودان فلسطين، سوريا، وأفغانستان في مخيمات بائسة ويواجهون اتهامات مسبقة وتُغلق دونهم الأبواب بذريعة الحفاظ على الهوية الثقافية للدول المضيفة.

​تواطؤ الدول الأصلية وعجزها

في ملمح شديد القسوة، نجد أن الأنظمة القمعية التي تسببت في تهجير مواطنيها لا تكتفي بغض الطرف عن الانتهاكات التي يتعرضون لها في الخارج بل تعتبر هذا التهجير أداة لمعاقبة المعارضين وتخفيف الضغط الاقتصادي والسياسي الداخلي، بل وتقتات على الحوالات المالية التي يرسلها هؤلاء الضحايا لإنعاش اقتصادات تلك الأنظمة المنهارة دون تقديم أي حماية قانونية أو ديبلوماسية لهم.

​إن القراءة السياسية المعاصرة لأزمة اللجوء تكشف عن أزمة موازية لا تقل خطورة وهي تخليق فجوة مصطنعة بين اللاجئ والمواطن داخل المجتمعات المضيفة، حيث تحولت القضية إلى الوقود الأكثر فعالية في المواسم الانتخابية:

​اللاجئ كـ ورقة انتخابية

تلجأ تيارات سياسية معينة ، تحديداً اليمين المتطرف إلى اتخاذ اللاجئ كبش فداء عبر سرديات تضخيم الخوف لتبرير الإخفاقات الاقتصادية الداخلية مثل التضخم أو ارتفاع معدلات البطالة أو الضغط على قطاعات الصحة والتعليم. يُصوَّر اللاجئ للمواطن البسيط على أنه منافس يزاحمه على لقمة عيشه ومقدرات بلده مما يمنح هذه التيارات صعوداً سريعاً في صناديق الاقتراع بناءً على إذكاء خطاب الكراهية والانقسام.

​الفرز الطبقي والثقافي المستحدث
 

هذا الشحن المستمر يولد جيلين متوازيين في المجتمع الواحد مواطن يشعر بالتهديد والغبْن تجاه هويته وموارده ولاجئ يعيش عزلة اجتماعية وشعوراً بالدونية القانونية والاجتماعية، هذا الشرخ البنيوي يضرب مفهوم السلم الأهلي في مقتل ويحول المدن المستضيفة إلى بؤر قابلة للانفجار عند أول احتكاك بسيط.  تحول اللجوء في عصر الرقمنة إلى ملاحقة سيبرانية عابرة للحدود، تُستغل فيها بيانات اللاجئين وتُخترق هواتفهم وسط صمت دولي وفشل في توفير الحماية الرقمية لهم.

​ المخاطر الأمنية للجوء ليست اتهاماً للضحية بل تشريح للتطرف، فالإرهاب ليس صفة جينية، بل هو منتج الخذلان والانتهاك الدولي الممنهج الذي يحوّل اللجوء إلى قنبلة موقوتة:

​ يواجه أكثر من 120 مليون نازح قسرياً انسداداً للأفق وحرماناً من العمل والكرامة، مما يغلق أمام الشباب النوافذ الشرعية للمستقبل. هذا الفراغ تستغله شبكات التطرف كبديل نظامي يعيد للشباب كرامتهم المسلوبة عبر السلاح، وتحويل معاناتهم إلى صدام حضارات. وتخطئ الدول الكبرى استراتيجياً بالاعتماد على الأسوار؛ فبيئات اليأس هي مصانع للعنف الذي لن يظل حبيس المخيمات، بل سيتحول إلى تهديدات عابرة للحدود تضرب عمق تلك الدول ولن توقفه الرادارات.​ معالجة أزمة اللجوء لا تتم بالمقاربات الأمنية المجتزأة، بل بدبلوماسية شجاعة تتوقف عن الدجل السياسي وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم:

إلى الدول الكبرى والمضيفة.. الأمن لا تحميه الجدران بل الاستقرار والتزام اتفاقية 1951، كرامة اللاجئ ليست منحة إنسانية، بل ضرورة استراتيجية ودرع أمان لأمنكم القومي العابر للحدود.

إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.. كفاكم إحصاءً للجثث وبياناتٍ للقلق؛ السلم الدولي يتطلب اجتثاث النزاعات ومحاسبة منتهكي مبدأ عدم الإعادة القسرية، حتى لا يصبح "اليوم العالمي للاجئ" تواطؤاً سنوياً يغسل أيدي الجلادين بدموع الضحايا​.

وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، تظل الرسالة الأهم والأكثر قوة هي الموجهة إلى الإنسان ذاته:

​إلى كل من يتمسك بأرضه، وإلى كل من أُجبر على الرحي.. إن أسمى قيم الإنسانية تتجسد في قدرتك على الصمود، إن التمسك بالأرض، ومقاومة سياسات التهجير القسري بالوعي والعلم هو خط الدفاع الأول عن الهوية والوجود. وحتى بالنسبة لأولئك الذين غادروا أوطانهم بحثاً عن الأمان، فإن صمودهم لا ينتهي بالوصول إلى بلد جديد، بل يستمر عبر الحفاظ على هويتهم الأصيلة وتحويل المعاناة إلى نجاح معرفي وعلمي وإيصال صوت قضيتهم إلى المحافل الدولية برقيّ وعزيمة.

إن اللجوء قد يسلب الإنسان منزله لكنه أبداً لا يسلب كرامته أو حقه التاريخي في وطنه الصمود في الأرض أو الصمود بالحق في المنفى هو المحرك الأساسي الذي سيجبر العالم  طال الزمن أو قصر  على الانصياع لمنطق العدالة وقوة القانون بدلاً من قانون القوة.

​إن اليوم العالمي للاجئين يضع العالم أمام مرآة الحقيقة: إما تفعيل حقيقي لشعار لن نكون في أمان حتى يصبح الجميع في أمان عبر سياسات ديبلوماسية عادلة تحمي الإنسان وتصون صموده، أو الاستعداد لمستقبل من الاضطراب والتبعات الأمنية التي لن تفلح أي حدود في احتوائها.