نحو جامعة عربية أكثر ديناميكية

لدى نبيل فهمي مروحة سياسية واسعة وتجربة دبلوماسية طويلة، قد تساعداه على عدم الوقوع في فخ التناقضات العربية المتكررة والخلافات العميقة بين دول عدة.

بدأ العد التنازلي لتولي الأمين العام للجامعة العربية الجديد نبيل فهمي مهام منصبه ومواجهة مشكلات تبحث عن حلول عاجلة لها، فقد اعتمده مجلس الجامعة العربية يوم الاثنين، وسيتولى منصبه رسميا بدءا من أول يوليو/تموز المقبل بعد أن مرّت الموافقة بهدوء ولم يسبقها ضجيج، على عكس مرات سابقة صاحبتها خلافات متجذرة حول اسم الشخص المرشح لهذا المنصب وتوجهاته والبلد الذي ينحدر منه.

لا تعني السلاسة التي جرى بها اختيار وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي وطموحاته الكبيرة، أن هناك اتفاقا على تعظيم دور الجامعة العربية خلال الفترة المقبلة، إذ جاء التوافق وسط أجواء لا تحتمل مناكفات على منصب كان محل خلاف بين بعض الدول الأعضاء، أو تصميم على تدويره وكسر احتكار دولة واحدة له، بحجة أن دولة المقر (مصر) لا يجب أن تستحوذ على هذا المنصب. في النهاية الأداء سيكون محكوما بحاصل جمع المواقف العربية والتباينات والتفاهمات التي تخيّم عليها.

يفتح تجاوز اشكالية التعيين في هدوء أفقا أمام السفير نبيل فهمي، وبدء عمله سريعا وبقليل من الحساسية السياسية المعروفة التي رافقت أسلافه. الأوضاع الحرجة التي تمر بها المنطقة العربية تستلزم القيام بتحركات عاجلة لإيجاد درجة عالية من الديناميكية لتحجيم خلافات تحيط بجملة من القضايا المحورية. وكلما زادت التحركات الإيجابية، ارتفعت فرص تطويق بعض الأزمات التي تعصف بالمنطقة العربية.

يمكن للسيد نبيل فهمي استثمار خبراته الطويلة وتوظيف علاقاته الشخصية الجيدة مع غالبية القيادات العربية. لعل التوافق الذي حصده يساعده على رفع مستوى التفاهمات في عدد من القضايا العربية الساخنة، وتقزيم الخلافات حولها، خاصة تلك التي بحاجة إلى التوصل لقواسم مشتركة كي يتسنى أن يكون للجامعة دورا مؤثرا يتجاوز الاجتماعات الدورية الشكلية، والطارئة التي لا تضيف شيئا وقد تزيد الأزمات تعقيدا.

كما أن بيانات الشجب والادانة والرفض والتحفظ المعتادة يصعب التعويل عليها في تغيير مسار أزمة، وحل مشكلة وتخطي خلاف مزمن. تتجاوز المرونة المطلوبة القدرة على التكيف وتصل إلى تقديم حلول لصراعات أخذت تملأ الفضاء العربي، واعتاد عدد من الأمناء العامين السابقين التكيف معها وكأنها قدر محتوم، ما فوّت فرصا حقيقية لتسويتها، وأوجد واقعا دراميا في استمرارها.

ربما لم ينجح غالبية أسلاف نبيل فهمي في حل أزمة واحدة مستعصية. في أحسن الأحوال، جرى الاستسلام إلى تأتي أزمة أشد ضراوة تشغل بال العرب، ويظهر ما قبلها أقل وطأة.

لدى نبيل فهمي مروحة سياسية واسعة وتجربة دبلوماسية طويلة، قد تساعداه على عدم الوقوع في فخ التناقضات العربية المتكررة، والخلافات العميقة بين دول عدة، والتركيز على المساحة الرمادية التي تمكّن الجامعة من الاقتراب من كبوتها الراهنة، واقناع الشعوب بأن حراكا حلّ على أهم وأقدم مؤسسة عربية للعمل الشترك، وأن الأمين العام الجديد يعتزم إجراء تحولات تعيد الثقة فيها، وتنقذها من كبوتها، وتشعر من نعوها وفقدوا الأمل في دورها أنهم أساءوا التقدير. ثمة هامش ضيّق يمكن النفاد منه لتجديد نسبة من الدماء المتجلطة في شرايين الجامعة العربية.

نقطة القوة التي تولد الشعور بالأمل تأتي من رحم العمل على الانخراط في ترتيبات إقليمية يتم تجهيز لها للمنطقة من قبل قوى كبرى، بمشاركة دول عربية أو بدونها. في الحالتين، تبدو الحاجة ماسة للتفكير في منظومة عربية- عربية أو عربية- إقليمية تتخطى محرمات وضعها آخرون، أو ضغوط أرادوا منها السيطرة على مفاتيح الحل والعقد في المنطقة العربية. تعمدوا تفشيل أي محاولة للقيام بالمهمة الأمنية عربيا. ودور الجامعة العربية هو إحياء مشروعات سابقة وتجديد هياكلها وتقديم أخرى تتواءم مع التطورات الحالية وهي واحدة من المهام التي يجب أن تعكسها ديناميكية فهمي.

إذا نجح نبيل فهمي في الحصول على رؤية عربية متقاربة بشأن الترتيبات الأمنية وتصدت الجامعة للرؤى المناهضة سيتم تخطي واحدة من أعقد التحديات، وتجاوز عقبة لم يستطع أمناء عامون سابقون التعامل معها بالتصدي لها أو تقديم مشروعات بديلة ناجحة، ما تسبب في هز مفاصل الأمن القومي العربي، ووضع جزء مهم منه في يد قوى دولية طامعة في الهيمنة على المنطقة.

تثبت تجربة الحرب الإيرانية أن الهيمنة على مفاصل الأمن لم تحقق الأهداف المرجوة منها عربيا. تحتاج هذه المسألة إلى مراجعة عملية، تفسح المجال لظهور شكل جديد يكون قادرا على التعاطي مع المستجدات.

ما كان سائدا قبل هذه الحرب سوف تدخل عليه تعديلات وربما تحولات، من الضروري أن تظهر الإسهامات العربية فيها.

من المرجح أن تركز أولويات نبيل فهمي على القضايا الجماعية، والبحث عن رؤية جادة للتعامل مع تداعيات الحرب الإيرانية وتناقضاتها الإقليمية وارتداداتها الاستراتيجية. لن يستغرق الرجل وقتا طويلا في البحث عن أدوات تسعفه في تفكيك الأزمات الداخلية المتناثرة، التي تعصف بدول مثل السودان وليبيا واليمن والصومال وسوريا ولبنان، أو الاشتباك في عملية ممتدة للبحث عن تسويات مناسبة لأزمات ثنائية عربية، ظاهرة ومكتومة، أثّرت عل دور الجامعة العربية.

من الصعب أن يبدأ نبيل فهمي مهمته بالدخول في حقل مليء بالألغام بسبب التشابكات العربية والدولية التي تحيط بغالبية الأزمات الداخلية والثنائية والخلافات البينية، وعليه يصب تركيزه على إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي، وتخفيض مستوى التجاذبات بين الرؤى المتضاربة، والسعي من أجل الوصول إلى قناعة بأن زيادة التعاون والتنسيق تحت مظلة الجامعة العربية خيار يوفر حماية للجميع. ورقة للانعتاق من حسابات قوى خارجية كافحت لتخريب مشروعات عربية أرادت تكوين مظلة للدفاع المشترك عن مقدراتها الذاتية، وارتاحت هذه القوى إلى حالة الخمول التي وصلت إليها الجامعة باعتبارها وسيلة كفيلة بتشتيت الجهود العربية.

تنطلق ديناميكة الجامعة العربية من مدى قدرتها على تخفيف حدة التحديات المصيرية الجماعية، التي تعد مدخلا للالتفات إلى الأزمات الداخلية. من الحكمة أن يستثمر نبيل فهمي دبلوماسيته في تقزيم الخلافات العربية الشائعة، لأنها مفتاح حيوي سوف يمكنه من العمل في أجواء أقل سُمّية سياسية، والوسيلة التي سوف تساعده على عدم تكرار أخطاء أسلافه، ممن استسلموا لواقع مليء بالتجاذبات والتراشقات، ما جعل نجاح أي منهم في توفير حد أدنى من التوافق البناء في الأزمات الكبرى عملية مستحيلة.