هل تحقق محاكمات رموز الأسد العدالة في سوريا

حقوقيون يعربون عن مخاوف من أن تكون المحاكمات مدفوعة بالرغبة في الانتقام السياسي أكثر من سعيها لتحقيق العدالة القانونية.

دمشق - قررت محكمة سورية تأجيل محاكمة مفتي سوريا السابق أحمد حسون إلى 16يوليو/تموز المقبل لاستكمال سماع شهود الحق العام، وهي واحدة من سلسلة محاكمات علنية لرموز بارزة في نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وتشكل منعطفاً نوعياً في مسار المحاسبة التي تعتبر المطلب الشعبي الأول اليوم في سوريا.

ومحاكمة حسون التي تجري بالتوازي مع محاكمات لرموز أخرى من بينهم أقرباء الرئيس السابق وسيم الأسد وعاطف نجيب وضباط آخرون، أعادت الجدل حول مسار محاسبة رموز النظام السابق في سوريا إلى واجهة النقاش العام، في وقت تعتبر فيه قطاعات واسعة من السوريين أن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية يمثلان أولوية وطنية لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار أو تحقيق الاستقرار السياسي، بينما يثير آخرون تساؤلات بشأن طبيعة هذه المحاكمات ومدى قدرتها على تحقيق العدالة المنشودة.

وذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا" أنه في ختام الجلسة الأولى التي بدأتها محكمة الجنايات الرابعة بدمشق بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، ومنظمات حقوقية محلية، ودولية. قال حسون "موقعي من بشار الأسد كان كموقع موسى من فرعون".

ونقل بعض من حضر الجلسة على مواقع التواصل أن القاضي قال لأحمد حسون ما تعليقك على التهم، فانطلق حسون بخطبة دينية. فقال له القاضي "جاوب جاوب لكن ليس بخطبة جمعة"، وتابع "إن كانت لديك مداخلات مطولة تواصل مع محاميك ليقدمها مكتوبة للمحكمة".

وزعم حسون أن الفتاوى كانت تصله "مغلّفة وجاهزة"، وما كان عليه سوى إعلانها، وإلقائها أمام الجماهير لتشريع العمليات العسكرية، والسياسية، كما زعم أنه تعرض لضغوط هائلة من رئيس النظام السابق بشار الأسد، وعدد من الرموز الأمنية.

وكان قد تم توقيف حسون في مطار دمشق الدولي أثناء محاولته مغادرة سوريا، عقب صدور مذكرة توقيف بحقه من النائب العام.

كما عقدت الثلاثاء، الجلسة الرابعة لمحاكمة المتهم عاطف نجيب، أحد عناصر النظام السابق، في محكمة الجنايات الرابعة بالقصر العدلي بدمشق، بحضور ممثلين عن منظمات دولية وحقوقية.

والأربعاء انطلقت أول جلسة لمحاكمة وسيم الأسد، قريب الرئيس السابق، الذي ألقي القبض عليه في 21 يونيو/حزيران 2025. وكشف المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أن العملية الأمنية التي أسفرت عن اعتقاله استمرت لمدة ستة أشهر كاملة، نفذها جهاز الاستخبارات العامة بالتعاون مع الجهات المختصة في الوزارة، وتمكن خلالها من "استدراج" المتهم في عملية أمنية محكمة.

ويأتي هذا الزخم القضائي تزامناً مع خطوات عملية لوزارة العدل لتسريع ملف العدالة الانتقالية، استجابة لمطالب شعبية تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة مطالبة بمحاسبة سريعة لمرتكبي الانتهاكات.

ومنذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا، برزت مطالب شعبية واسعة بضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الحرب، باعتبار أن أي عملية سياسية أو مصالحة وطنية لا يمكن أن تنجح من دون إقرار مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

ويعتبر هؤلاء أن إخضاع شخصيات بارزة من النظام السابق لإجراءات قضائية علنية يشكل رسالة مهمة مفادها أن المرحلة الجديدة تقوم على سيادة القانون، وأن النفوذ السياسي أو الأمني السابق لن يحول دون محاسبة المسؤولين عن أفعالهم.

في المقابل، يثير بعض الحقوقيين والسياسيين مخاوف من أن تتحول هذه المحاكمات إلى ما يعرف بـ"عدالة المنتصر"، أي أن تكون مدفوعة بالرغبة في الانتقام السياسي أكثر من سعيها لتحقيق العدالة القانونية.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن نجاح أي عملية محاسبة يتطلب توافر ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك حق الدفاع، واستقلال القضاء، وعلنية الإجراءات، والاعتماد على أدلة قانونية واضحة، بعيداً عن الضغوط السياسية أو الشعبية.

كما يحذرون من أن الاقتصار على محاكمة شخصيات محددة دون فتح ملفات جميع الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الصراع قد يؤدي إلى تكريس مفهوم العدالة الانتقائية.

وتحظى محاكمة أحمد حسون باهتمام خاص، نظراً إلى مكانته الدينية والسياسية خلال فترة حكم الأسد، حيث ارتبط اسمه بخطابات وتصريحات أثارت جدلاً واسعاً داخل سوريا وخارجها. ولذلك، فإن محاكمته لا تُقرأ فقط من زاوية المسؤولية القانونية، بل أيضاً باعتبارها محاكمة رمزية لشخصيات كانت تمثل الغطاء السياسي أو الديني للنظام السابق.

ويعتبر مراقبون أن هذه المحاكمات تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة السلطات السورية الجديدة على الفصل بين الرغبة الشعبية في المحاسبة وضرورة الالتزام بالمعايير القانونية والحقوقية المعترف بها دولياً.

وأعاد مسار محاكمة رموز النظام السابق إحياء الجدل التقليدي الذي تواجهه الدول الخارجة من النزاعات، والمتمثل في كيفية الموازنة بين تحقيق العدالة والحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فبينما يرى فريق أن العدالة الصارمة شرط أساسي لتحقيق المصالحة الوطنية، يعتقد آخرون أن المبالغة في المحاكمات قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات المجتمعية وإعاقة جهود إعادة بناء الدولة.

وفي هذا السياق، تبرز الدعوات إلى تبني نموذج متكامل للعدالة الانتقالية يجمع بين المحاسبة القضائية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وتحقيق المصالحة المجتمعية. فنجاح هذه المحاكمات في تحقيق العدالة وفق معايير قانونية شفافة قد يعزز ثقة السوريين بمؤسسات الدولة الجديدة، بينما قد يؤدي أي إخفاق أو تسييس إلى إثارة مزيد من الجدل حول طبيعة المرحلة الانتقالية ومستقبل المصالحة الوطنية.