ما هو أكبر من 'الدهابة' بين مصر والسودان
شنت مجموعات سودانية حملة شبه منظمة على مصر قبل أيام. اتهمت فيها القاهرة بأنها قصفت مئات من المواطنين داخل الأراضي السودانية، كانوا يبحثون عن الذهب في الجبال الواقعة على الحدود بين البلدين. يسمى هؤلاء "الدهابة". وأصبحت هذه الكلمة مرادفا لكل من يبحث عن الذهب دون غطاء قانوني. حيث تشكلت عصابات وجماعات داخل كل من مصر والسودان تعمل وسط الجبال، وتقوم بهذه المهمة التي تحقق مالا وفيرا لهم، ولمن يقفون خلف عملهم المضني.
بعد اشتعال الفضاء الإلكتروني بين مواطنين وسياسيين وباحثين وإعلاميين من البلدين، أصدرت القوات المسلحة المصرية بيانا، تحدث عن استهداف آلاف ممن يطلق عليهم "دهابة" داخل حدود البلاد، وبحوزتهم أموالا طائلة.
وجدت أجهزة الأمن وسط هؤلاء تشكيلة متنوعة من المجرمين: إرهابيون ومهربو بشر ولاجئون وتجار مخدرات. تم إلقاء القبض على المئات، في روايات أخرى (غير رسمية) آلاف. بدت العملية أكبر من مطاردة "دهابة" أو اعتداء على حدود السودان.
لم تصدر حكومة الخرطوم بيانا توضيحيا للأمر، وهل هناك تنسيق مع نظيرتها في القاهرة أم لا؟ لكن محسوبين ومؤيدين لحكومة "تأسيس" ومقرها مدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور، وتقودها قوات الدعم السريع، استغلوا صورا نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر هائمين في الصحراء، لا أحد يعلم متى وأين ألتقطت، وقيل إنها تؤكد أن الطيران المصري قصف مواطنين داخل الأراضي السودانية.
اتخذت هذه الصور ذريعة لتوجيه انتقادات واتهامات للحكومتين في الخرطوم والقاهرة. تم استغلال الدعم المصري الواضح للمؤسسة العسكرية في السودان لتأكيد وجود شبهة تعاون من جانب الثانية، وجرى تسييس الموقف برمته. خرجت المطاردة المصرية لمجرمين على الحدود من مجال "الدهابة" إلى الاعتداء السافر على مواطنين سودانيين. أخذت المسألة تكبر وتتدحرج مثل كرة الثلج، بما أزعج أطرافا حريصة على أمن واستقرار السودان، وتسعى للحفاظ على علاقة جيدة بين البلدين.
لا يخلو تاريخ العلاقة بين مصر والسودان من منغصات، تراكمت عبر عقود. ربما تكون القاعدة هي التوتر، والهدوء استثناء. ما إن تستقر العلاقات على وتيرة إيجابية لفترة إلا وتلحقها نقيصة. في الحالتين تلعب الأهداف السياسية دورا في تفكيك أي بوادر للتلاحم الشعبي. في زمن الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وبعده بقليل، لعب منتمون لجماعة الإخوان المسلمين دورا مهما في توتير العلاقات مع القاهرة.
بعضها كان أقرب إلى المكايدة السياسية بسبب خشونة النظام المصري في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك في تعامله مع جماعة الإخوان، والتي ازدادت في عهد الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي. البعض الآخر له علاقة بتوازنات القوى داخل النظام السوداني بعد الثورة على البشير، حيث جرت محاولات لجذب القادة الجدد بعيدا عن القاهرة، خوفا من البطش بالحركة الإسلامية، وفي مقدمتها الإخوان، أو "الكيزان" كما يطلق عليهم في السودان. القاهرة تضعهم على لائحة الإرهاب.
هدأ الكيزان نسبيا حيال القاهرة بعد أن تغلغلوا داخل الجيش السوداني. وجدوا من مصلحتهم عدم تصعيد الخصومة مع النظام المصري، الذي يعلم بالطبع خريطة تسللهم داخل الدولة وقبضهم على مفاتيح مهمة بالسودان. في هذه اللحظة اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. ووجدت الأخيرة خطورة في التعاون والتنسيق بين القاهرة والخرطوم في الملفات الأمنية. وكانت الحكومة انتقلت إلى بورتسودان بعد الحرب، ثم عادت تدريجيا إلى الخرطوم عقب انسحاب قوات الدعم السريع منها.
القصد من العرض السابق أن قوات الدعم السريع ليس من مصلحتها تطوير العلاقات الرسمية والشعبية بين مصر والسودان. جزء كبير من الحملة التي شنت على القاهرة في ملف تجاوزات بعض المقيمين، وقف خلفه نشطاء قريبون ومستفيدون من حكومة "تأسيس" الموازية. وهو ما تكرر بشأن ملف الدهابة مؤخرا.
عدد كبير ممن ساعدوا في تغذية الحملة على السوشيال ميديا ضد الاستهداف المصري للدهابة، كان هدفهم الإيحاء بأن رئيس المجلس الانتقالي السوداني عبدالفتاح البرهان "متواطؤ" على شعبه. وهو من سمح للطيران المصري بالقصف داخل الأراضي السودانية، بالتالي يبدو ضعيفا وهشا وراضخا لحسابات تاريخية سلبية تضمرها القاهرة نحو بلدهم. يخدم ترسيخ هذه السردية رؤية حكومة "تأسيس" في المطالبة بسلطة مدنية وخروج الجيش تماما من الحياة السياسية حفاظا على مقدرات السودان.
تفيد الانتقادات والاتهامات الموجهة إلى مصر في إحراجها سودانيا وأفريقيا. كي تظهر كأنها دولة "معتدية"، طامعة وطامحة في الاستيلاء على موارد السودان المعدنية. يصب هذا الاتجاه في خانة محاولة عدم تكرار العمليات العسكرية على الحدود، سواء داخل السودان أو حتى داخل مصر. ما يسمح بحرية تنقل مجرمين يريدون ايقاع الضرر بمصر مستقبلا، وجعل المنطقة الجغرافية الجنوبية رخوة أمنيا، ومن السهل انتقال عناصر متطرفة من خلالها إلى العمق المصري.
انتبهت القاهرة إلى هذه الخطة، خاصة مع ظهور معلومات قالت إن من أرادوا عبور الحدود تحت لافتة الدهابة قدر عددهم بنحو مئة ألف شخص من جنسيات مختلفة، اندس وسطهم جهاديون إسلاميون من غرب أفريقيا التي تعج بالمتطرفين. بغرض التمركز في جنوب مصر، ومحاولة تكرار سيناريو سيناء الإرهابي في شرق البلاد، والذي تمكنت قوات الأمن المصرية من قطع الطريق على اكتماله ومنعه من الوصول إلى هدفه في عزل منطقة سيناء عن باقي الأراضي المصرية.
استخدم القصف الجوي ضد "الدهابة"، لأنهم كانوا طليعة لإرهابيين يريدون التمركز داخل بقعة جديدة في مصر. يسعون إلى طرد شركات عالمية من الاستثمار في المعادن بجنوب مصر. الفوضى بيئة صالحة لعبور المتطرفين، واشاعة الخوف في عقول المستثمرين. الأمر الذي انتبهت إليه القاهرة مبكرا، واللجوء إلى القسوة في التعامل مع هؤلاء يعبر عن خطورة بالغة، إذا تمكنوا من الوصول إلى هدفهم التهائي.
ما حدث في جنوب مصر من قصف لما يطلق عليهم "دهابة" أكبر من قطع أرجل وأيادي من يعملون في هذا المجال. يرمي إلى الحفاظ على الهدوء على الحدود بلا مساس بسيادة السودان. ضمن خطة تتبناها قوات الأمن المصرية، شرقا وغربا، وشمال وجنوبا، لتجفيف منابع الإرهابيين ومهربي البشر والمخدرات والعاملين في مجال الهجرة غير الشرعية. جاء اضفاء طابع سياسي على التحركات بغرض تخريب العلاقات بين القاهرة والخرطوم، ضمن تقديرات تتعلق بالأزمة المحتدمة في السودان.