أرقام مفزعة تُعيد ظاهرة ختان البنات إلى قلب الجدل المجتمعي

تعيش أكثر من 230 مليون فتاة وامرأة حول العالم مع الآثار الجسدية والنفسية لظاهرة الختان التي لا تزال تُمارس تحت مسميات اجتماعية أو ثقافية أو دينية رغم افتقارها لأي سند ديني أو أخلاقي أو طبي.

نيويورك - حذر قادة منظمات أممية يتقدمهم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية والمدير العام لمنظمة اليونسكو والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان والمديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان والمديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، والمديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، من تفاقم واستمرار ظاهرة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وذلك بمناسبة اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقاً مع هذه الظاهرة (ختان الإناث)، فيما تشير بيانات تلك المنظمات إلى أرقام مفزعة.

وفي وقتٍ يظن فيه كثيرون أن الممارسات الضارة بحق النساء والفتيات أصبحت من الماضي، تعود ظاهرة ختان الإناث لتفرض نفسها كجرحٍ مفتوح في الضمير الإنساني، مهددة ملايين الطفلات حول العالم وبينهن عدد مفزع في بعض البلدان العربية، بينما لا يبدو تحذير الأمم المتحدة الأخير ليس مجرد أرقام أو بيان بروتوكولي، بل إنذار صريح بأن الزمن لا يعمل لصالح الضحايا، وأن أي تراجع في الالتزام قد يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 4.5 ملايين فتاة يواجهن خطر تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية في عام 2026 وحده، كثيرات منهن لم يتجاوزن سن الخامسة. وفي المقابل، يعيش أكثر من 230 مليون فتاة وامرأة حول العالم مع الآثار الجسدية والنفسية لهذه الممارسة، التي لا تزال تُمارس تحت مسميات اجتماعية أو ثقافية أو دينية، رغم افتقارها لأي سند ديني أو أخلاقي أو طبي.

وختان الإناث ليس "تقليدا" ولا "طقس عبور"، بل انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، واعتداء مباشر على حق الفتاة في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية. وتخلف هذه الممارسة مضاعفات صحية خطيرة، من نزيف حاد والتهابات مزمنة، إلى مشكلات في الولادة وصدمات نفسية طويلة الأمد، فضلا عن تأثيرها العميق على حياة المرأة الاجتماعية والعاطفية. وتُقدّر كلفة علاج هذه المضاعفات بنحو 1.4 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يعكس عبئاً صحياً واقتصادياً يمكن تجنبه بالكامل.

ورغم أن هذه الظاهرة ترتبط في الوعي العام ببعض دول أفريقيا جنوب الصحراء، فإنها لا تغيب تماماً عن المشهد العربي، ففي بعض المجتمعات العربية، لا تزال الممارسة قائمة بشكل معلن أو سري، أحياناً في الأرياف والمناطق المهمشة، وأحياناً تحت غطاء "التدخل الطبي"، وهو ما تحذّر منه الأمم المتحدة بشدة، فالختان، مهما تغيّر شكله أو مكان إجرائه، يظل تشويها وانتهاكا، ولا يصبح "أقل ضرراً" عندما يُنفذ على يد طبيب.

وقد يكون الخبر الإيجابي أن العقود الثلاثة الماضية شهدت تقدما ملموسا، فقد أظهرت البيانات أن ما يقرب من ثلثي السكان في البلدان التي ينتشر فيها ختان الإناث باتوا يؤيدون القضاء عليه. كما تحقق نصف التقدم المسجّل منذ عام 1990 خلال العقد الأخير فقط، ما خفّض نسبة الفتيات المعرضات للخطر من واحدة من كل اثنتين إلى واحدة من كل ثلاث. وهذا التحول يثبت أن التغيير ممكن، لكنه ليس مضموناً.

ويتمثل الخطر الحقيقي اليوم في تراجع الاستثمارات والدعم الدولي، فمع اقتراب عام 2030، الموعد المحدد لتحقيق هدف التنمية المستدامة بإنهاء ختان الإناث، تتعرض البرامج الوقائية لضغوط مالية حادة. وتعني تخفيضات التمويل في مجالات الصحة والتعليم وحماية الطفل حملات توعية أقل وخدمات أضعف للناجيات، ومساحات أوسع لعودة الممارسات الضارة في الخفاء.

وتزداد الصورة تعقيدا مع تصاعد خطاب مقاوم لجهود الحماية، يحاول تبرير الختان أو "تطبيعه" تحت ذرائع ثقافية أو طبية. وهذا الخطاب لا يهدد فقط الفتيات، بل ينسف سنوات من العمل التراكمي، ويُعيد إنتاج العنف ضد النساء بأدوات جديدة.

وتؤكد الأمم المتحدة أن الحلول معروفة ومجربة: التثقيف الصحي، إشراك القيادات الدينية والمجتمعية، تمكين الآباء والأمهات بالمعرفة، إدماج القضية في المناهج التعليمية، والاستفادة من الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي لتغيير السلوكيات. كما أن دعم الناجيات عبر رعاية صحية شاملة، ومساندة نفسية واجتماعية، وحماية قانونية، ليس عملاً إنسانياً فحسب، بل التزام أخلاقي.

وتوضح الأرقام أن الاستثمار في القضاء على ختان الإناث ليس عبئا، بل فرصة، فكل دولار يُستثمر يحقق عائداً يعادل عشرة أضعافه. واستثمار 2.8 مليار دولار يمكن أن يمنع 20 مليون حالة، ويوفر عائدا اقتصادياً يُقدّر بـ28 مليار دولار، ناهيك عن العائد الإنساني الذي لا يُقاس بالأرقام.

ويعتبر التحذير الأممي اليوم دعوة مفتوحة للحكومات والمجتمعات ووسائل الإعلام، خصوصا في العالم العربي، لكسر الصمت وتسليط الضوء على هذه الظاهرة دون مواربة، فالقضاء على ختان الإناث ليس قضية "الآخر"، بل مسؤولية جماعية، تبدأ بالاعتراف وتستمر بالفعل وتنتهي بحماية كل فتاة من أن يُكتب الألم على جسدها باسم العادة أو الخوف أو الجهل.