أوبك: رؤية واقعية لاستقرار سوق النفط العالمية

السعودية ترى أن أي تحول في الطاقة لا يسهم في خفض معدلات الفقر أو تحسين الوصول إلى الطاقة في الدول النامية سيفشل.

تعد منظمة أوبك مزودًا رئيسيًا للمعلومات حول سوق النفط العالمية، وليست مسؤولة فقط عن تنسيق السياسات البترولية للدول الأعضاء وتحديد أفضل السبل لحماية مصالحها الفردية والجماعية، بل تسعى أيضًا إلى إيجاد الوسائل الكفيلة باستقرار الأسعار في أسواق النفط العالمية، بهدف الحد من التقلبات السلبية وغير الضرورية، لتعود بالنفع على المنتجين والمستهلكين على حد السواء. لقد أصبح الاقتصاديون يستشهدون بمنظمة أوبك كنموذج مثالي لاتفاق تعاون يقلل المنافسة في السوق، ومنصة عالمية مسؤولة تعمل باستمرار للحفاظ على استقرار أسواق النفط.

عوضًا عن “الأخوات السبع” في منتصف القرن الماضي، التي كانت تحتكر إنتاج وتصدير النفط لتحقيق مصالحها وكان هدفها تقاسم السيطرة على النفط العالمي، متجاهلة قوى السوق، بهدف السيطرة على العالم من خلال النفط، سُمي هذا الاتفاق بـ”مؤامرة اتفاق أشناكاري” باسم الأخوات السبع (إيسو، رويال داتش شل، بي بي، موبيل، شيفرون، جولف أويل، تكساسكو). لم يكن هذا الاتفاق قانونيًا، ولم تعلم به حكومات الدول التي تنتمي إليها هذه الشركات حتى الخمسينات، أي بعد أكثر من عشرين عامًا من إبرامه عام 1928 في قلعة على المرتفعات الأسكتلندية بين إكسون موبيل وبي بي ورويال داتش شل. وبعد الحرب العالمية الثانية تطورت “مؤامرة الثلاث” إلى “مؤامرة السبع”، وكانت هذه الشركات تعارض التأميم ونشأة شركات نفط جديدة. وعند تأسيس أوبك عام 1960، شكلت تهديدًا كبيرًا لهيمنة الأخوات السبع على سوق النفط، خاصة بعد تراجع الاحتياطيات العالمية وتركزها لدى أوبك بنسبة تزيد على 80 في المئة. تقلصت هيمنة الأخوات السبع على الإنتاج العالمي من 90 في المئة إلى 10 في المئة حاليًا، مع انخفاض احتياطياتها من الخام إلى أقل من 3 في المئة. وبحلول عام 2017 لم يبقَ على قيد الحياة من الأخوات السبع سوى بي بي وإكسون موبيل ورويال داتش شل وشيفرون. وأشارت صحيفة فاينانشيال تايمز إلى ظهور “الأخوات السبع الجديدة”، وهي: أرامكو السعودية، غازبروم الروسية، مؤسسة البترول الصينية، الشركة الوطنية الإيرانية، بترول دي فنزويلا، بتروبراس البرازيلية، وبتروناس الماليزية. لكن هذه شركات وطنية، وليس بينها اتفاق غير معلن لتحقيق أطماع تتجاوز حدود أوطانها.

تثبت أوبك+، بقيادة السعودية، صحة توقعاتها وقوة أساسيات سوق النفط. فقد استطاعت الأسواق امتصاص الزيادة التي أقرتها أوبك+ بنحو 548 ألف برميل يوميًا لشهر يوليو 2025، حيث ارتفعت الأسعار إلى مستويات 70 دولارًا للبرميل. وسترفع زيادة في سبتمبر إجمالي الزيادات التي أقرتها أوبك+ منذ أبريل/نيسان 2025 إلى 2.47 مليون برميل يوميًا، وهي نسبة تمثل أقل من 2.5 في المئة من إجمالي الطلب العالمي. وتشير البيانات إلى أن أوبك+ رفعت الإنتاج بـ1.37 مليون برميل يوميًا بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز، ما يمثل 62 في المئة من الخفض الجاري التراجع عنه. وتتوقع شركة أرامكو أن تستوعب السوق هذا العام 1.3 مليون برميل يوميًا إضافية.

تخالف هذه السياسات السيناريوهات الخيالية التي سادت في السنوات الماضية، والتي دعت إلى تحول شامل نحو الطاقة النظيفة دون مراعاة 1.2 مليار إنسان يعانون من فقر الطاقة وفق إحصاءات الأمم المتحدة. لكن وزير الطاقة السعودي، الأمير عبدالعزيز بن سلمان، يشكك في هذا الرقم، معتبرًا أنه قد يكون ضعفا أو ثلاثة أضعاف، حيث يعاني ما لا يقل عن ملياري إنسان من فقر الطاقة، ويعتمدون على الطاقة التقليدية، خاصة في الطهي. هذه الأرقام ليست اعتباطية، بل نتيجة جهود فريق سعودي شاب يعمل بجد في أفريقيا وجنوب شرق آسيا لجمع المعلومات وتطوير برامج للتعاون مع الحكومات لمعالجة هذه القضية، بغض النظر عن مصدر المعلومات. وما تحتاجه السعودية هو التعاون، بصرف النظر عن الجهة أو المنظمة.

وأكد الأمير عبدالعزيز في الندوة الدولية التاسعة لمنظمة أوبك في فيينا بتاريخ 10 يوليو/تموز 2025، أن السيناريوهات الخيالية التي سادت سابقًا، والتي دعت إلى الحياد الصفري والتحول نحو الطاقة النظيفة، لم تكن واقعية. وفي يونيو/حزيران 2021 طرحت السعودية مبادرة “نهج الاقتصاد الدائري للكربون” أثناء رئاستها لمجموعة العشرين في 2020. وقد قُدمت هذه المبادرة في مؤتمر صناعي في طنجة بالمغرب، بالتزامن مع مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ في شرم الشيخ في نوفمبر 2022. لكن العالم لم يصغِ إليها، وكعادته نظر بشكٍ إلى المبادرات السعودية حول الطاقة، مفضلاً طريق الأحلام. تلقت السعودية انتقادات كثيرة لرؤيتها ومبادرتها، لكن اليوم يؤمن الجميع بصحتها. وفي ندوة فيينا قدّم وزير الطاقة السعودي درسًا للحاضرين، مؤكدًا أن الجميع يفتخر بآرائه، لكن عليهم ألا يكونوا منحازين ضد آراء الآخرين. هذا الدرس السعودي جعل المملكة مرجعًا لاتخاذ قرارات عالمية مهمة.

تتميز الرؤية السعودية بواقعيتها، انطلاقًا من مكانتها الدينية والسياسية، وبفضل إدارتها لهذا القطاع الحيوي. تمتلك المملكة فرقًا تعمل في أفريقيا وآسيا لجمع معلومات دقيقة، معتبرة أن إدارة هذا الملف تتطلب نهجًا حقوقيّا وإنسانيّا، بعيدًا عن النظرة الضيقة للسوق. هذا النهج يجعل الإنسان أولوية في حساباتها، وهو ما يميزها عن غيرها من الأطراف التي تركز على مصالحها الضيقة. هذه الرؤية تدعمها روسيا، أكبر منتج خارج أوبك، التي تؤكد صحة النهج السعودي. فالسعودية ترى أن أي تحول في الطاقة لا يسهم في خفض معدلات الفقر أو تحسين الوصول إلى الطاقة في الدول النامية سيفشل. ولطالما كانت المملكة ثابتة، ليس فقط في رسائلها، بل في تنفيذ السياسات وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.