هل ينجح الانتقالي الجنوبي في فرض الأمر الواقع؟

رئيس الوفد السعودي الذي زار حضر موت بعد موجة اضطرابات، شدد على أن المعركة الرئيسية للجميع هي مواجهة ميليشيا الحوثي الانقلابية.

خاضت قوات المجلس الانتقالي اشتباكات عسكرية مع قوات الشرعية في محافظة أبين جنوبي البلاد، مدّعية عدم تطبيق بنود "اتفاق الرياض" الذي وقّعه الطرفان في نوفمبر 2019.

وتمت دعوة المجلس إلى الرياض ضمن إطار التواصل والتشاور المستمر بين قيادة المجلس الانتقالي وقيادة التحالف العربي ممثلاً بالسعودية، مؤكداً التزامه بالشراكة مع التحالف العربي لمواجهة المشاريع التخريبية التي تستهدف الأمن القومي العربي. كما جرى تعيين محافظ ومدير أمن جديدين لمحافظة عدن، إلى جانب إعادة تموضع القوات العسكرية وسحب الأسلحة الثقيلة وتسليمها للتحالف.

هناك أزمة عميقة وصراع داخل المجلس الرئاسي الهش، فقد واجه المجلس الانتقالي خلال السنوات الثلاث الماضية هجمات شرسة على الأرض وفي الإعلام كادت أن تقوّض شعبيته في الجنوب وتحدّ من قدرته على المبادرة، وهو يبحث عن نقطة انطلاق لإعادة ترتيب الأولويات وصياغة التحالفات بما يتناسب مع واقع أكثر تعقيداً. وقاد معركة سياسية من نوع آخر بعد نفاد صبره أمام العراقيل والتحديات التي قيدته لسنوات، وأجبرته سابقاً على التراجع عن إعلان الإدارة الذاتية للجنوب. ويرغب المجلس في الاستفادة من مكتسبات اتفاق الرياض وشرعية المشاركة، لكن الاجتماع الذي عُقد في الرياض وجمع أعضاء المجلس الرئاسي في سبتمبر 2025 كشف عن عمق الأزمة بين طرفي اتفاق الرياض. فقد انعقد الاجتماع في أجواء متوترة، ونصّ البيان الختامي على العودة إلى اللجنة القانونية للفصل في القرارات التي اتخذها رئيس المجلس وكذلك قرارات الرئيس عيدروس الزبيدي. ومن الواضح أن المجلس الانتقالي تعرّض في الرياض لضغوط كبيرة ظهرت علاماتها على وجوه ممثليه خلال لقائهم بسفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

وقبل هذا الاجتماع، كانت السعودية قد بحثت في مارس 2025 عن طرف وازن وذي حضور فاعل على الأرض لاتخاذه محاوراً موثوقاً بشأن شؤون محافظة حضرموت، ويبدو أنها وجدت في "حلف القبائل الحضرمية" بقيادة عمرو بن حبريش الشريك المنشود، بديلاً عن "مجلس حضرموت الوطني" الذي ساهمت أصلاً في تأسيسه لكنه لم يقم بالدور المطلوب منه. لذلك وُجّهت الدعوة إلى عمرو بن حبريش، وتم نقله إلى الرياض عبر طائرة عسكرية إلى جانب اللواء مبارك العوبثاني، وهو ما لقي صدى واسعاً لدى قبائل حضرموت عند عودته، حيث نُظّم له استقبال حافل.

أتت الزيارة في ظروف دالة على اشتداد الصراع حول حضرموت وموقعها وثرواتها، خصوصاً بعد الزيارة التي قام بها الرئيس عيدروس الزبيدي إلى المحافظة، والتي أطلق خلالها تصريحات وُصفت بـ"النارية" وأغضبت الحلفاء وأنصاره، واتهم فيها بن حبريش بتصرفات تعيد حضرموت إلى "باب اليمن". وأشار الزبيدي إلى وجود توازنات خفية في الأزمة اليمنية يتعيّن ضبطها بحذر كي لا يشعر أي طرف بأن البساط يسحب من تحته لصالح طرف آخر، متهماً حلف القبائل بعدم الاستجابة للحوار، ومبالغاً في التصعيد باستخدام مطالب أبناء المحافظة ومحذراً من أي محاولات لتسليح الميليشيات أو خلق مظاهر مسلحة غير قانونية داخلها.

شعر الزبيدي أن دعوة السعودية لبن حبريش في تلك الأجواء المشحونة تمثل انحيازاً سعودياً إلى صف "مؤتمر حضرموت" وحلف القبائل على حساب المجلس الانتقالي الجنوبي، باعتبار أن مشروع الانتقالي لا ينسجم مع مصالح السعودية في حضرموت.

وشكّل عيدروس مجلساً لمشايخ وسلاطين الجنوب تحت مسمى "مجلس التلاحم القبلي" لمنازلة حلف قبائل حضرموت على ذات الأرضية القبلية الصلبة التي يقف عليها. وكانت السعودية قد شكّلت سابقاً قوات "درع الوطن"، وهي تشكيل عسكري يمني جديد خاضع لسلطة العليمي في 2023.

يأتي اهتمام السعودية بحضرموت من موقعها الاستراتيجي المهم المحاذي لأراضيها، بالإضافة إلى العلاقات التاريخية المتجذرة بين حضرموت والسعودية. وقد اكتست زيارة بن حبريش أهمية كبيرة في سياق صراع النفوذ المحتدم على المحافظة الغنية بالثروات الطبيعية، وعكست المكانة المتنامية لحلف القبائل الصاعد بسرعة كقوة وازنة ذات عمق شعبي وحضور فعلي على الأرض.

وقد سعت قيادات الحلف إلى تدعيم موقعه بإنشاء قوة مسلحة خاصة به، الأمر الذي أثار امتعاض المنافس الرئيسي على النفوذ في حضرموت، أي المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يعتبر المحافظة جزءاً رئيسياً غير قابل للتنازل من دولة الجنوب المستقلة التي يسعى لتأسيسها.

وأرسلت السعودية وفداً أمنياً رفيع المستوى برئاسة اللواء الدكتور محمد القحطاني إلى حضرموت للوقوف على تطورات الأوضاع في 3/12/2025، حيث أُعلن عن توقيع اتفاق تهدئة برعاية لجنة وساطة حضرمية وإشراف وفد من اللجنة الخاصة السعودية، عقب التطورات التي شهدتها المحافظة، ولا سيما مناطق الوادي شرقي اليمن. وأفاد بيان صادر عن حلف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش بالتوصل إلى اتفاق مع قيادة السلطة المحلية ممثلة بالمحافظ سالم الخنبشي، وبحضور الوفد السعودي، يقضي بوقف فوري للتصعيد العسكري والأمني والإعلامي، واستمرار الهدنة إلى حين استكمال عمل لجنة الوساطة والتوصل إلى تسوية شاملة.

وينص الاتفاق على انسحاب قوات حلف القبائل إلى مسافة لا تقل عن كيلومتر واحد من محيط شركات النفط في المسيلة، وإعادة تموضع قوات حماية الشركات إلى مواقعها السابقة، وعودة موظفي "بترو مسيلة" إلى أعمالهم، مع انسحاب قوات النخبة ثلاثة كيلومترات من مواقعها الحالية عند استكمال الاتفاق، ومنع أي تعزيزات عسكرية للطرفين أثناء التنفيذ، ودمج أفراد وضباط "حماية حضرموت" في قوات حماية الشركات النفطية، على أن يتولى العميد أحمد المعاري قيادة القوة الموحدة، مع بقاء بن حبريش في موقعه في "الكامب" بحراسته الشخصية، والتزام الطرفين بتنفيذ بنود الاتفاق تحت إشراف لجنة الوساطة.

وأكد رئيس الوفد السعودي الدكتور محمد القحطاني أن زيارة الوفد جاءت بتوجيهات من القيادة السعودية للوقوف على أوضاع حضرموت، مشدداً على حرص بلاده على منع انزلاق الأوضاع إلى أي مسار لا يخدم أمن المحافظة واستقرارها، وعلى ما يجمع الطرفين من علاقات أخوية واجتماعية وروابط ممتدة وحدود مشتركة. وأوضح أن الوفد جاء دعماً للشرعية في اليمن وتحقيقاً لتطلعات الشعب اليمني، مؤكداً الوقوف إلى جانب السلطة المحلية في حضرموت، وتجديد الدعم للشرعية، ورفض ما حدث، ومطالباً بخروج أي قوات عسكرية أو عناصر أمنية وصلت من خارج حضرموت، مشدداً على أن المعركة الرئيسية للجميع هي مواجهة ميليشيا الحوثي الانقلابية.