أوركسترا أكاديمية الفجيرة للفنون مشروع ثقافي بُني ليبقى
تبدو الموسيقى، في المعنى العميق لوجودها، أكثر من مجرد أصوات تتردد في فضاء صالة المسرح أو خلف الجدران المبطّنة بعوازل الصوت؛ إنها طاقة تستدعي الذاكرة، وتوقظ الحواس، وتفتح منافذ للخيال. حين وُلدت أوركسترا أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة، لم تُخلق لتكون مجرد فرقة موسيقية تؤدي مقطوعات محفوظة، بل جاءت بوصفها مشروعًا ثقافيًا، حيث أكدت انطلاقتها وما تلى ذلك من فعاليات أنها ـ الأوركسترا ـ في جوهرها ثمرة رؤية تعتمد على تمكين المواهب، وصقل قدرات العازفين، ودعم التعلّم الموسيقي المستدام، وربط الفنون بالهوية والمجتمع. في الفجيرة، لم تكن الموسيقى حدثًا عابرًا، بل مشروعًا يُبنى لبقاء طويل.
هذه الأوركسترا التي أحيت حفل تكريم الفائزين بجوائز مؤسسة العويس الثقافية في دورتها في دورته التاسعة عشرة ليست مجرد فرقة موسيقية تتجمع على خشبة المسرح، بل مساحة تتشكّل فيها علاقة بين الإنسان وصوته الداخلي، بين الفرد والمجموعة، بين الحلم والقدرة على الإنصات. وقد حملت أوركسترا الأكاديمية، منذ ظهورها الأول، هذا الشغف تجاه الجمهور المحلي الإماراتي والخارجي الدولي. وهي في جميع حفلاتها الداخلية والخارجية تمزج بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية والتراث الموسيقى العربي الأصيل بأسلوب متميز يعكس هوية الإمارة خاصة والإمارات عامة.
يقف خلف الأوركسترا علي عبيد الحفيتي، المدير العام لأكاديمية الفجيرة للفنون، الذي آمن منذ اللحظة الأولى بأن وجود أوركسترا محلية حقيقية ليس ترفًا ثقافيًا، بل خطوة ضرورية لصناعة ذاكرة فنية وأفق جديد للتعليم، فالموهبة تحتاج إلى مساحة، والمهارة تحتاج إلى تدريب، والحلم يحتاج إلى جهة تؤمن به، والحفيتي كان ذلك الجسر بين الطموح والتنفيذ. ومن موقعه الإداري والفني، لم يكتف بأن تكون الأكاديمية مكانًا لتعليم العزف، بل انتقل بها إلى مساحة الأداء العام، حيث تخرج الموسيقى من القاعات المغلقة إلى المسرح، ومن المستوى المحلي إلى منصات تُسمع فيها الفجيرة في الخارج. وإلى جانب دوره الإداري، يظهر أثره الفني في صياغة رؤية الأوركسترا وانفتاحها على الموسيقى العربية والهوية الإماراتية، فلا يكتفي بوضع خطط التنظيم، بل يشارك في اختيار البرنامج الموسيقي ويوجه مسار الموسيقيين نحو احتراف الأداء.
أما في الجانب الفني الأكاديمي، فيبرز اسم محمد الدوري، عازف الكمان ورئيس قسم الموسيقى، الذي يقود التدريب اليومي مع العازفين، ويرتب الفقرات الموسيقية، ويشرف على الأداء في البروفات العامة والخاصة، ويمثل مع فريق من المدرسين والعازفين نواةً أساسيةً لنهج الأوركسترا في الانضباط والدقة والتدرج من التدريب إلى الاحتراف. ومع تداخل الأدوار بين الحفيتي والدوري وعدد من خبراء الموسيقى، يظهر ملمحٌ مهم: الأوركسترا ليست مجرد نشاط موسيقي، بل ورشة مستمرة لتكوين جيل موسيقي جديد يؤمن بأن الموسيقى فعل ثقافي بامتياز، وأن الفن ليس رفاهية بل أحد أشكال البدء من جديد.
يتوزع العازفون داخل الأوركسترا إلى مقاطع موسيقية متعددة، كل مقطع منها له خصوصيته ودوره وحضوره داخل البناء الأوركسترالي. ففي قسم الوتريات، نجد الكمان والفيولا والتشيللو والكونترباص، وهي الآلات التي تمنح الأوركسترا أرضها الصوتية الأولى، وتخلق الطبقات التي تتأسس عليها الانفعالات الموسيقية. أما قسم النفخ الخشبي فيضم الفلوت والكلارينيت والسكسفون والأبوا حين يتوفر في البرنامج، وهو القسم الذي يمنح الموسيقى نفَسها العاطفي الحالم، بينما يشكل قسم النفخ النحاسي حضورًا دراميًا واضحًا عبر الترومبيت والترومبون والهورن الفرنسي، إذ يضخ الطاقة ويرفع التوتر ويقود اللحظات الموسيقية الختامية نحو الذروة. وفي قسم الإيقاع، يظهر الطبول والدفوف والبونغو والآلات الإيقاعية الخاصة بالحفلات التراثية، وهي التي تمنح الإيقاع الداخلي للمقطوعة وتضبط التنفس الموسيقي الجماعي. وتأتي الآلات الشرقية مثل العود والقانون والربابة حين يتطلب البرنامج ذلك، فارضة حضورها على النسيج الأوركسترالي الغربي، لتقول إن الموسيقى العربية قادرة على الحوار والاندماج لا على البقاء في معزل عن الآخر الثقافي. هذا المزيج ليس شائعًا في كل الأوركسترات العربية، إذ غالبًا ما تُفصل الموسيقى الشرقية عن الغربية، بينما اختارت أوركسترا أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة أن تكسر الحواجز بوعي، فخلقت حوارًا موسيقيًا بين الثقافتين، وأثبتت أن الموسيقى قادرة على ردم الهوّة بين الشكلين، وأن الفن لا يعرف الانفصال إلا حين نفرض عليه ذلك.
وقد قدّمت الأوركسترا خلال حفلاتها أعمالًا متنوعة تتراوح بين الموسيقى الكلاسيكية والمقطوعات العربية والأغنيات الوطنية. ومن بين الأعمال التي ظهرت في حفلات الأكاديمية أو نُشرت عبر منصاتها معزوفة وطن التي قدمت بنسخة أوركسترالية جديدة في مناسبة وطنية عام 2024، ومقطوعات كلاسيكية قصيرة لبيتهوفن وموزارت وتشايكوفسكي تُستخدم للتدريب وتُعزف أحيانًا أمام الجمهور. كما أعادت الأوركسترا تقديم أغانٍ عربية بتوزيع أوركسترالي مثل "موطني" وأغانٍ من التراث الإماراتي مثل "يا دار زايد"، إضافة إلى وصلات غنائية يؤديها طلاب الأكاديمية بمرافقة الأوركسترا. وفي بعض الحفلات، قدمت الأوركسترا مقاطع من أعمال عربية عاطفية مثل "أنت عمري" و"سواح" وألحان فريد الأطرش، مما جعل الجمهور يعيش لحظة اندماج بين الذائقة الكلاسيكية الغربية والذاكرة العربية.
وعند مشاهدة تسجيلات حفلات الأكاديمية، يلاحظ المتلقي أن العلاقة بين قائد الأوركسترا والعازفين ليست علاقة أوامر وإيقاع، بل تواصل بصري عميق، القائد هنا لا يلوّح بالعصا فحسب، بل يقود إحساس المجموعة، يطمئن المتردد، ويضبط الحماسة إن زادت، ويرفع الطاقة حين يحتاج الجمهور إلى نبضة جديدة. ولعل أجمل ما يميز أسلوب قيادة الأوركسترا في حفلات الفجيرة هو الاحترام الكامل لمبدأ الموسيقى الجماعية لا الفردية، حتى في المقاطع التي تتضمن عزفًا منفردًا (صولو)، تظهر قيمة المشاركة، فلا يشعر العازف أنه يستعرض مهارته، بل يندمج ضمن نسيج موسيقي تحكمه الروح الجماعية.
إن الأوركسترا، في حفلاتها العامة، حققت ثلاث قفزات مهمة؛ الأولى تمثلت في الحضور في المناسبات الرسمية كحفلات توزيع الجوائز والفعاليات الثقافية، حيث لا تكون الموسيقى هدفًا بذاتها فقط بل لغة تمثّل الفجيرة أمام جمهور متنوع. أما القفزة الثانية فهي الأمسيات التعليمية المفتوحة للجمهور، والتي تُظهر للآباء والجمهور مخرجات العمل داخل الصفوف الموسيقية، مما يمنح الثقة ويثبت قيمة المشروع. أما الثالثة فهي المشاركات الخارجية، ومنها مشاركتها في مهرجان فني في جمهورية قيرغيزستان، مما يدل على أن الأوركسترا لم تُنشأ لتبقى داخل حدود الإمارة، بل لتكون جزءًا من حركة الموسيقى العالمية. ومن الناحية الفنية، تتسم الأوركسترا بثلاث خصائص واضحة: وضوح البنية الموسيقية، استخدام اللون الشرقي داخل قالب غربي، وتنمية الشخصيات الموسيقية الفردية داخل المجموعة. ففي تدريبات الأكاديمية، لا يكتفي المدرسون بتعليم العزف، بل يعملون على صناعة ثقة، وتشجيع الجرأة، وتعليم الطلاب كيف يعبّرون موسيقيًا عن عاطفتهم.
إن ما يثير الإعجاب في حفلات الأوركسترا أن الجمهور لا يشعر بأن العازفين طلاب، بل موسيقيون حقيقيون، وهذا يعني أن الأداء لا يعتمد على مستوى العمر أو الخبرة، بل على مستوى الاحتراف الذي يفرضه التدريب، وحين تكون الأوركسترا على المسرح، يختفي الشعور بالفروق بين الطالب والمحترف، فهناك موسيقى، وهناك جمهور، وهناك اتصال إنساني. ومع كل حفلة، تكسب الأوركسترا جمهورًا جديدًا، وهذا بحد ذاته إنجاز، لأن صناعة الجمهور الموسيقي في العالم العربي ليست مهمة سهلة، فالجمهور لا يأتي إلى الموسيقى تلقائيًا، بل يُصنع. وفي الفجيرة، نجحت الأكاديمية في بناء جمهور يتذوق الموسيقى.
لقد استطاعت الأوركسترا أن تغيّر ثلاث صور شائعة في الوعي العام: الأولى أن الأوركسترا فن للنخبة، بينما حفلات الأوركسترا في الفجيرة كسرت هذا الاعتقاد، فالجمهور يأتي من عائلات وأطفال وشباب. والثانية أن الموسيقى الكلاسيكية لا تحاور الهوية العربية، لكن في حفلات الفجيرة يتجاور العود مع الكمان، والدف مع التشيللو، مما يتحدى الفصل التقليدي بين الشرقي والغربي. أما الصورة الثالثة فهي أن المواهب المحلية لا تستطيع الوصول إلى الاحتراف، لكن الأداء على المسرح وفي الخارج، والقدرة على تقديم حفلات متقنة، دليل على أن الموهبة حين تُمنح فرصة حقيقية تقف على منصة وتقدّم شيئًا استثنائيًا. في المحصلة، أوركسترا أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة ليست مجرد فرقة موسيقية، بل مشروع ثقافي وتربوي وجمالي، مشروع يصنع ذاكرة صوتية للإمارة، ويقدم نموذجًا لما يمكن للمؤسسات التعليمية أن تفعله حين تؤمن بالطلاب، وتمنحهم المسرح، وتثق بأن الفن جزء من التنمية.


