أيمن بدر كريم يرتحل فلسفيا بحثا عن 'المختصر في حب الحكمة'

الكاتب يسعى في مؤلفه إلى فهم الذات والحياة من خلال التفلسف الحر لا عبر الإجابات الجاهزة أو النمطية ويحرض بأسلوبٍ مشحون بالدهشة والحيرة القارئ على التفكير النقدي وتفكيك الوهم المعرفي.

هل أنت حر؟! بهذه الكلمات الثلاث اختتم الدكتور أيمن بدر كريم كتابه "المختصر في حب الحكمة"، عن دار مجاز في 190 صفحة من القطع الصغير، ولآن المؤلف مسكون بالدهشة مفتون بالفلسفة محبًا للحكمة، فهو يأبى أن يغادر قراءه دون أن يطرح عليهم آخر أسئلته في كتابه الذي اختار عنوانه بذكاء شديد، وقدم نفسه من خلاله، باحثًا عن الحقيقة وماكينة أسئلة لا تهدأ ولا تكف عن طرح علامات الاستفهام الجديرة بالتأمل، أسئلة المؤلف تبعث فينا القلق والأرق الذي برع في علاجه الدكتور أيمن استشاري أمراض الصدر واضطرابات النوم.

يقول المؤلف: "أنا لا أُحَاوِلُ الجدال، بِقَدْرِ ما أَطْرَحُ تَساؤلات.. أنا لا أَعْلَمُ، لذا، أَتَحرَّرُ مِن الصَّمتِ المُرهِقِ، وَأَتَداوَى بِالكَلامِ، أَنا أقول رأيي الَّذِي لَا أُفرِضُهُ ولا أُراهِنُ عَلَيهِ، وَأَعْلَمُ أَنَّ هُناكَ غَيْرِي يُعانُونَ كَمَا أُعَانِي، ويَشْعُرُونَ بِما أَشْعرُ بِهِ، أَنَا - ببساطةٍ - أتفلسف”.

في محاولة اقترابه من فهم الحقيقة؛ لا يركن المؤلف بطبعه إلى الإجابات الجاهزة ولا الأفكار النمطية، ويبدو أنه جاهد كثيرًا ليقتنع باللون الرمادي للحياة، لكنه يرفض ذلك، فهو لا يقبل أو يسلم بكل ما يعرف ويسمع، وبالقدر نفسه يرفض الأحكام المسبقة ويؤكد أن الذي يستطيع الاقتراب من الحقيقة، لا بد أن يكون له قلب كبير ونفس تواقة، وروح نقية، إننا لا نأخذ الحقيقة ولا نعرف الحكمة من أفواه الناس أو وعظهم وتجاربهم بالضرورة، إنما نبصرهما بقلوبنا.

الأفكار والأحلام

يرفض المؤلف الرضا والقبول بما هو جاهز من مقولات وأفكار، إن حالة عدم الرضا والتشكيك والسعي من أجل اكتساب المعرفة بحرية تامة من أية قيود مسبقة أو سلطات فوقية، هو أساس الفهم خاصة وأن الأَفكَارَ والقَنَاعَاتِ لا تفرض فَرْضًا، وكما كانت المُخترعات العلمية فِي يَوْمِ مِنَ الأَيَّامِ، مُجرَّدَ أَحْلامٍ بَعِيدَةٍ عَنِ التَّطبِيقِ، فالأمر كذلك بالنسبة للأفكار والرؤى، وكَما أنَّ المَعايير الأخلاقية والقيم الاجتماعية في تغير مُستَمرٍ وتَطوُّرٍ مُتواصل، وكذلك الأفكار والنظريات، وهنا مكمن صعوبة استيعابها، والاقتناع بها وتبنيها للتطبيق.

يحذر الكاتب من وهم الفهم ووهم المعرفة والمبالغة فِي تَقْدِيرِ حِجْمِ مَا نَعْرِفُهُ وَنَمْلِكُهُ مِن مَعْلُومَاتٍ حقيقية صحيحة. وبالمثل يحذر من الإغراق في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واعتمادها كمرجع ثقافي معلوماتي وحيد عند بعض النَّاسِ، مِمَّا تَسبَّبَ لَهُم فِي تَشتُتٍ فِكري، ولوثة عقلية، وارتفاع مُضطرد في مُستوياتِ الغَباء والبَلاهَةِ والبَلَادَةِ.

ويشير إلى مقولة كارل بوبر : "الجهل الحقيقي ليس في غياب المعرفة، بل في رفض اكتسابها"، في إشارة إلى الكسل المعرفي الراهن والتسليم بأطر فكرية جامدة ونمطية والركون إلى منصات التواصل الاجتماعي واعتبارها مصدرًا للمعرفة، وبوضوح يقول: إِنَّ الغالبيَّةَ العُظمَى مُقَلِّدُونَ ذائِبُونَ في تيار النمطية والتَّبعيَّة، غارقون في التفكير داخل الأطر الفكريَّةِ الجَامِدة، أمَّا الرُّوّادُ المُبدعون والعباقرة فهُم ثُلَّةٌ قليلة، ومُضَات نادرة في التاريخ العلمي والفكري والحضاري للبشرية، وإليهِم يُنسَبُ الفَضْلُ في التقدم والازدهار.

طوفان من التساؤلات!

ولأنه مسكون بالقلق، لا يكف المؤلف عن طرح التساؤلاتِ ولا يبدو أنه يقتنع بسهولة؛ إذ يولد من الإجابات تساؤلاتِ جديدة في سعيه للوصول إلى الحقيقة، فيقول: دَعُونِي أُخبِركُم بِشيءٍ مُهِمْ: إِنَّ أَعْظَمَ مَا يَدْفَعُنِي لِقِرَاءَةِ الفَلسَفَةِ، متعة تساؤلاتها، ولَذَّةُ أفكارها، وليْسَ ضَرُورَةَ الوُصُولِ إلى الحقيقة المُفْتَرَضَةِ. إِنَّ الفَلسَفَةَ لَيْسَتْ وسيلةً، بل غاية في حد ذاتها، وتكمن عظَمَتُها في طرح التساؤلاتِ خَلْفَ التَّسَاؤُلَاتِ والبَحْثِ فِيهَا، وَالتَّشجيع على التأمل والتفكير النقدي، مع استمرارِ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ ومُحاولات الوصول إلى اليقين، وهذا بالضبط ما يجعل الفلسفة "أم العلوم"، وما يجعل لمقولة أرسطو "إن الدهشة أول باعث على الفلسفة"، وزنها الكبير في محبة الحكمة والبحث عنها!

لم أعرف مؤلف الكتاب من قبل، والقليل المتوفر عنه يشير إلى جزء بسيط من الحقيقة، حقيقة أننا أمام فيلسوف بدرجة طبيب وطبيب يتفلسف ويطرح الأسئلة الجوهرية تباعًا: مَنْ أنا؟ أَينَ أنا؟ كيف أعرِفُ ذلِك؟ ماذا عليَّ أَنْ أَفعل؟.. تِلكَ أَسئِلَةٌ جوهرية تُلحٌ في عَقلِ كُلِّ إنسانٍ مَهما حاوَلَ تَجَاهُلها، واستنادًا على الإجابات التي يتلقاها أو يكتشفها، تتَحدَّدُ طبيعةُ انفِعَالَاتِهِ، وَطُمُوحَاتِهِ، ورغباته، وسُلوكاتِهِ، وعَلاقاتِهِ مَعَ الآخَرينَ، وتَتَشكَّلُ قَيَمُهُ وأفعالُهُ واختياراته ومَسارُ حَياتِهِ، وَيَجدُ فيها حُلُولًا لمُشكِلاتٍ حَيَاتِيَّةِ واقعية.

هل للحياةِ مَعنَى؟ وكيف نجعلُ لَها مَعنَى؟ وما هُو مَعناها؟ كيف يَستَمرُّ النَّاسُ هكذا في العمل والإنتاج والعيش والأمل بصورة يومية في مواجهة حتميَّةِ المَوتِ وحقيقتي الفَناءِ والعَدَمِ؟ ما هذه القوة العجيبة التي تدفعُ النَّاسَ دفعًا، أفرادًا وجماهير، لخوض الصراعاتِ والمَعارِكِ وتحمل الآلام والأخطار، وبناء الحضارات، والموت في سبيل معاني الأديان، والأوطان، والمثل، والقيم، وحتى الأشخاص؟

ورغم أنها جوهرية، إلا أن مُعظَمُ البَشَرِ يَتَهَرَّبُونَ مِن الإجابة عن تِلكَ الأسئلة، باستثناء قلة قليلة يمكن أن يقضي بعضهم كل حَياتَهُ بَحثًا عن إجاباتٍ لَها.

الفلسفة .. أُم العلوم!

خرجت مُعظم العُلومِ المَعْرُوفَةِ للإنسان مِن عَبَاءَةِ الفلسفة، التي تطرح الأسئلة الجوهرية للبحوث العلمية في محاولة لإيجَادِ إجاباتٍ مُحدَّدَةٍ في مجالاتها المُتخصصة، وبها تربط الفلسفَةُ مَعَارِفَها المُختلفة لتقديم نظرة شمولية ورؤية متكاملة للمَعرِفَةِ البَشَرِيَّةِ، كَمَا تَهْتَمُّ الفلسَفَةُ بالجوانب القِيَمِيَّةِ والأخلاقية للعلم، وهو ما لا تتناوله العلوم التجريبية مُباشرةً.

يرفض الفلاسفة التسليم بالآراء الشائعة وإن اتبعتها الجماهير الغفيرة أو القطيع، ولهذا فإن تفريغ العقلِ مِن أي أفكار وأحكامِ سَابِقَةِ، وَالتَّخَلُّصَ مِن طُغيانِ التسلط الفكري أيا كان نوعه، إضافةً إلى رفض الآراء الَّتِي يُصفُقُ لها القَطِيعِ، ثُمَّ الشَّكِّ في كل شيء وإعادة فحصه وتموضعه ومُحاوَلةِ إثباتِهِ أو نَقْضِهِ، أهم أُسس الوصول إلى الحق والمعرفةِ الصَّحيحَةِ، وهذا يتطلَّب قدْرًا كبيرًا من الشَّجَاعَةِ والصَّبرِ، والمُعاناة أيضًا.

يقول ديكارت: "لكي يتوصل المرء إلى الحقيقة، ينبغي عليه مرةً واحدةً في حَيَاتِهِ، أَنْ يَتَخَلَّصَ نِهائيًا مِن كُلِّ الآراءِ الشَّائِعةِ التي تَربَّى عليها وتَلقَّاهَا مِن مُحيطِهِ، وَيُعِيدَ بِناءَ أفكاره بشكل جذري من الأساس".

أعرف نفسك؟

وبحسب د. أيمن بدر يكمن جَمَالَ الفلسفة في مساعدتنا على تحويل الألم والضَّجَرِ، إلى معرفة ومتعة، والانتقالِ مِن حُبِّ الحِكْمَةِ، إِلى حُبِّ النَّاسِ، وَمِن فَهْمِ الذَّاتِ، إِلى فَهْمِ الحَياةِ، ومِن التَّشتَّتِ إلى الانسجام. الفلسَفَةُ تَرسم لنا مسار التفكيرِ الحُرِّ، وتُيسّرُ لَنَا النَّظر إلى العَالَمِ مِن رُؤى مُتَعَدِّدَةٍ مُشتَرَكَةٍ، تساعد على التعامل الإيجابي معَ الصّراعات الأيديولوجية المختلفة، واحتواء العنف الفكري، وتوجيهه نحو الانفتاح والتسامح.

ولَعَلَّ مِن أهم أهدافِ الفَلسَفَةِ مَعرفةَ الذَّاتِ، وعَلَاقَتَها مَعَ مُحِيطِها، وموضع الإنسان الطبيعي بالنسبة للكون، ومدى تأثيره فِيهِ وتَأْثَرِه بِه، وطرقَ تَناغُمِه مَعهُ، وتفعيله لدوره المَنُوطِ بِهِ، في انتِظَامٍ كامل وعادِل دُونَ فَوْضَى ولا شَطَطٍ، وهو ما أطلق عليهِ الفَلَاسِفَةُ اليونانيون اسم "كوزموس" أي النظام الكوني، الذي يُعطِي قِيمةً حَقِيقِيَّةً للفردِ الجُزءِ من الكمال الكُلِّي.

جدوى الحياة

يشير الكتاب إلى أن مِن أسوا مَا يُواجِهُ الفرد في المجتمعات العصرية التقنية الحديثة، تفَاقُمَ شُعوره باللاجدوى، فإضافةً إلى غيابِ إِحْسَاسِهِ بِمَعنى وهَدفٍ لِحَياتِهِ القَصيرَةِ، وتَغوُّلِ شُعوره بالعبثية أو العدمية، يعيش حياة هامشية تُجرِّدُهُ مِن أَيَّةِ قِيمَةٍ فَرِديَّةٍ، حَياةَ "اللاجدوى". وبحسب الدكتور (مصطفى محمود): "فإن قيمة الإنسان، هي ما يُضِيفُهُ إلى الحَياةِ بين ميلادِهِ وموته... وبهذا المبدأ، فَكَثِيرُونَ يَعيشُونَ وَيَمُوتُونَ دُونَ قِيمَةٍ تُذكَر.

الحَياةُ مِن غيرِ هَدفٍ، فارغة، وهيَ بِلا غايةٍ تُعدُّ غَيْرَ مُستسَاغَةٍ، لكنَّها حتى بعد تحقيق الإنسان أهدافه فيها، تُصبِحُ تِلكَ الأهداف أقل قيمةً في نظره، ثم لا تلبَثُ أن تكون مُجرَّدَ أوهام، فمعظمُ الغَايَاتِ غَيْرُ مُشْبِعَةٍ للنَّفس، وحتى الرغبات وإِنْ أُشبِعَتْ، تُسْلِمُنا مُباشرةً لِبرَائِنِ المَللِ.

الإنسان.. قلق بطبيعته، يبحث عن الطمأنينة النفسية والسكينة الروحية، وأساس كُل تلك الاضطراباتِ، هُمُومٌ ومَخَاوِفُ وَتَساؤُلَاتٌ وُجودِيَّةٌ. إِنَّ كونَ الإِنسانِ جُزءًا مِن شَيْءٍ أَكبَرَ مِنْهُ، يُشجّعهُ لِيكونَ مُرتبطًا بقيمة أعلى من مُجرَّدِ فردانيته، لذلك كان الاهتمام بالأديان، والفنون، والفضيلة، والأدب والفلسفة، والقيم الإنسانيَّةِ والحِرَفِ المِهْنِيَّة، أمورًا تضيف إلى الفرد قيمة وجودية، وتعينه على تقبُّلِ الحياة بجبروتها، والتعاطي مع ألغازها.

الوجودية والحرية

في موضع آخر من الكتاب يتناول المؤلف فكرة الوجودية وتأكيدها الحُريَّةِ المُطلقة للإنسان في اتخاذ قراراتِهِ وتوجِيهِ حَيَاتِهِ، لكن مع تحمُّلِهِ للمسؤولية الكاملة عن نتائج وعواقب هذه الحرية، كما ترى الوُجوديَّةُ أنَّ الحياة في جوهرها عبثية وخالية من المعنى، وبسبب ذلك يُواجِهُ الفردُ شُعُورًا بالقَلقِ وَالحَيْرَةِ أَمَامَ حُرِّيَّةِ الاختيار وعدم وجود معنى مُسبق للحياةِ يُمكنه الاستناد عليهِ وتَبنِّيهِ، وعلى الإنسان مُواجهة هذا العبَثِ والقَلقِ الوُجودي من خلال توليد معنى شخصي لحياته.

وعلى الرغمِ مِن أنْ عُمْرَ الإنسان بوصفه فردًا، مُجرد ومضة خاطفة، وهَبَاءَةٍ لا وزن لها في تاريخ البشرية الطويل.. إِلَّا أَنَّ مُعضِلَتَهُ الكُبرى، تكمنُ في رَعْبَتِهِ أَنْ يَكُونَ خالدًا في الحياة.. في حين أنَّ الحَياةَ بجبروتها وتسلطها وصيرورتها، لا تعبأُ بِهِ إطلاقا بوصفِهِ فَرْدًا عابرًا مثل ذرَّةٍ في غُبارِ الصَّحراء، أو نقطة ماء في مُحيط مُتلاطِمِ الأَمْوَاجِ.

الحقيقة والمصير

يقترب الكتاب من مفهوم الحقيقة، ويراها غير واضحة المعالِمِ على الدوام، والمحظوظ بحسب المؤلف هو من يعرف كيف وأينَ يبحثُ عنها، ويتقدم باتجاهها ولو خُطوات قليلة ثابتة. ولا داعي للتشنج والتعصب، فكلُّ شيءٍ قابل للشَّكَ، وليس هناك طريقة أكيدة لاكتشاف الحقيقةِ المُجرَّدة، وهنا يبرُزُ جَمالُ الفلسفة وأهمية التفلسف.

وبحسب الدكتور بدر؛ كلنا أغراب في هذا العالم الواسع وفوق هذا الكوكَبِ التَّافِهِ التَّائِهِ، ومهما ادَّعينا المَعرِفَةَ، فَنَحْنُ نشعر بالغُرْبَةِ الوجودية، ونتوق لأجوبة شافية، وفي خضم ذلكَ، نُحاولُ التَّقَارُبَ مَعَ بعضنا، لكنَّنا نشعر أيضًا بالغُرْبةِ، فالتقارب نفسُهُ يُشعرنا بالتوجس، بل قد يُسبِّب لنا الأذى والشَّقاء والألم، إِنَّ قسُوةَ الحَياةِ، تَجْعَلُنَا مُنشَغِلِينَ بِذواتِنا، مُفرِطين في التركيز على مَشاعِرِنا، وهذا يقودنا إلى القلق والانغماس في الأنا والإفراط في الأنانية، فَنَفَعُ فِي سُوءِ الفهم وإحساس الغُربة.

وللأسف نحنُ لا نَعْرِفُ قِيمَةَ الأشياء إلا بعْدَ فَقدِها، ونُقدِّرُ أهميَّةَ الآخرِينَ بعد موتهم، المَوتُ هُو الحقيقةُ المُطلَقَةُ الحَتْمِيَّةُ الَّتِي تُعمِّقُ المَعاني والغَايَاتِ، وتَصْفَعُنا على وجُوهِنا لنَنتَبِهَ.

حتى فكرة الموت بذاتها مثار جدل فلسفي، فالإنسانِ، - بِخِلافِ الحَيوان - يعي الموتَ ويَتَوقَّعُهُ، فهُو يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيمُوتُ لا مَحالَةَ، ويبحث بشكلٍ حَثِيثٍ عَنْ ديمومة لكينونتِهِ، إِنَّهُ يَخْشَى انطفاء وعيهِ الَّذِي يَعرفُهُ، وَمُواجَهَةَ فَلَقِ غُموض مرحلة ما وراء الموت، لهذا يَطرَحُ (ألبير كامو) فِكْرَةً جَدِيرَةً بِالتَّأْمُلِ: "إِنَّ الرُّعبَ الحَقِيقِيَّ فِي الوُجُودِ لَيْسَ الخَوفُ مِنَ المَوْتِ، بَلِ الخَوفَ مِنَ الحَيَاةِ، إِنَّهُ الخَوْفُ مِنَ الاسْتِيقَاطِ كُلَّ يَوْمٍ لِمُواجَهَةِ الصِّراعَاتِ والخَيْبَاتِ والآلام نفسها، إِنَّهُ الخَوفُ مِن أَلَّا يَتَغَيَّر أيُّ شيءٍ أَبَدًا، وأنْ نكونَ عَالِقِينَ فِي دَائِرَةٍ مِن المُعانَاةِ الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْهَا".

السعادة والألم

يتناول الكتاب فكرة السعادة ويذهب إلى أن المثابرة على البحْثِ عنِ السَّعادة قدر الإنسان ومصيره المحتوم، وهو لن يتوقف عن هذا البحثِ مادَامَ حَيًّا. وبحسب الفيلسوف الأخلاقي (إيمانويل كانط) فأن السعادة المثلى أو ما أَسْمَاهَا "الخَيْرَ الأَسْمَى"، لا تُوجد في هَذِهِ الحَياةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُرتَبِطةٌ بمكافأةِ الرَّبِّ بعْدَ الموتِ، وهي نتاج "الفَضِيلةِ" والأخْلاقِ الحَسَنةِ والخُضُوعِ لإرادةِ اللهِ ومُجاهَدَةِ الرَّغَباتِ، وتَأْدِيةِ "الواجب الأخلاقي" وتجنب توبيخ "الضمير"، وهو أَسَاسُ الحِكمَةِ.

يبين شوبنهاور أن الصحة هي " الشرط الأول للسعادة". أما براترند راسل فيرى أَنَّ غَالِبِيةَ النَّاسِ لِيسُوا سُعَداءَ، ويُرجِعُ ذلِكَ إلى النظام الاجتماعي، والحالة النفسية للفرد، والتي هي نتاج للنظام الاجتماعي والاقتصادي إلى حد كبير، إضافةً إلى النظرة الخاطئة للعالم والأخلاقيَّاتِ والعادات غير الصحية. ويؤكد راسل أن السعادة تتضمن فضيلتي العلم والعمل، ومن الواضح أنَّه كُلّما كان الإنسانُ أكثر حرية وفردانية واستقلالية، كان أكثر سعادةً.

الخوف والعبودية

ولأن الخَوْفَ في نظَرِ الفَلسَفَةِ، مَصدرُ الشَّقاء والعدو الأكبَرِ لِلحِكْمَةِ، فهو عند (نيتشه)و(هيجل): "منبع العبودية وأساسها "، لهذا يتفادى مُعظَمَ النَّاسِ الحُرِّيةَ ويتمسكون بالعُبُودِيَّة الفكرية والإذعانِ للشَّقاء والقهْرِ.

ومن الخلاصات المهمة للكتاب أنه لا يُمكنُ احتكار الحق والحَقِيقَةِ لدى شخص أو مجموعة أفْرَادٍ، إِنَّمَا يَنالُ كُلٌّ مِنْهُم مِن الحقيقةِ مِقدارًا يَسِيرًا أو كثيرًا، وَكَلَّمَا اجتمع بعضهم على البَحْثِ والتمحيص، صار الحق لديهم أوفر وأغْزِرَ، وكلَّما كثرت الآراء، وتَشعَبَتْ الأفكارُ، وتَحرَّر العقل، ازداد الحق كمالًا، وازدانت الحقيقة كاشفةً عن وجهِهَا الصَّادِمِ في الغَالِب. وأن عَدَمَ إدراكنا للحقيقة لا يعني أنها غير موجودة بالفعل، فمعظمُ النَّاسِ يَعتمدون على إدراكهم الشخصي في التَّيَقُنِ مِن عدَمِهِ، وَهُمْ - نتيجةً لذلِك - بعيدُونَ كُلَّ البعد عن جوهر الأشياء.

 آراء وأفكار الدكتور أيمن بدر كريم واهتمامه البالغ بالعلاقات الإنسانية، تحتضنها ثمانية كتب منها: "النوم رحمة"، و"اعترافات موظف فاسد"، و"الإنسان محاولة للفهم"، "متاهة الأفكار" و"كلام في الأخلاق والسلوك"، و"مهزلة الحب والزواج".