إعادة تدوير الفاشلين في الدولة العراقية
لم يكن الفساد في العراق منذ الاحتلال إلى اليوم مفاجأة، ولا الاعتراف به صدمة سياسية وأخلاقية. إن الصدمة الحقيقية تكمن في تحوّل الفشل من تهمة سياسية وأخلاقية إلى بطاقة يانصيب رابحة، ومن سبب للإقصاء والإبعاد عن موقع سياسي إلى شهادة للعودة إلى المنصب نفسه أو غيره.
فحين قال نوري المالكي في لقاء تلفزيوني "بالحقيقة، المتصدّين من السياسيين، والشعب يعلم، وأنا أعتقد، أن هذه الطبقة السياسية، وأنا منهم، ينبغي ألا يكون لها دور في رسم خارطة العملية السياسية في العراق، لأنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وأنا منهم، ينبغي أن يبرز جيل آخر بخلفية الوعي لما حصل وبخلفية الأخطاء التي ارتكبوها"،
فإنه لم يحمل وقتها موقفاً أخلاقياً، ولم تكن شجاعة منه، بل في الحقيقة كان اعترافاً بأن الجرائم السياسية في بلد كالعراق تمرّ دوماً بلا عقاب، هذا إن لم يُكافأ الفاشل. ويبقى الخطر الأكبر هو ترشّح الفاشل والفاسد من جديد، وكأن ما قاله لم يكن إلا زلّة لسان.
فشل المالكي في قيادة البلاد لدورتين كاملتين ليس رأياً سياسياً مختلفاً عليه، بل حقيقة رأيناها وقتها، وآثارها مستمرة إلى اليوم، في انهيار أمني، وتفكك مؤسسات الدولة، وتفشّي الفساد، وتمهيد الطريق لكوارث ما زال العراقيون يدفعون ثمنها حتى اليوم. ومع ذلك، يعود الرجل الفاشل إلى المشهد السياسي من جديد، لا معتذراً، ولا خاضعاً للمساءلة، بل مرشّحاً واثقاً بأن الذاكرة السياسية في العراق قصيرة أو غائبة.
لكننا لو توخّينا الدقة، فإن هذا الأمر لا يعود إلى شخص المالكي بعينه، بل إلى منظومة كاملة لا ترى في الفشل مشكلة بالمطلق، بل تعتبره جزءاً طبيعياً من "الخبرة السياسية"!! في نظام المحاصصة الفاسد، والذي يقود العراق إلى الخراب، لا يُسأل الحاكم عمّا أنجزه وقدّمه "لشعبه"، بل عمّا قدّمه ويقدّمه لحزبه وحاشيته، ولا يُحاسَب على ما دمّره، بل يُكافأ بفرصة جديدة من خلال ترشيح جديد!! وهكذا نعيش بعد كل انتخابات في حلقة مغلقة، تدور فيها الأسماء ذاتها، وتُعاد فيها الأخطاء نفسها، بينما يُطلب من الشعب في كل مرة أن يعود ليمنح الثقة لهم، وشعبنا للأسف فعلها ويفعلها، من خلال تصويته لهم مقابل بضع دنانير، أو مقاطعة الانتخابات.
المأساة أن الاعتراف بالفشل والفساد لم يعد طريقاً للإصلاح، بل صار وسيلة لترسيخ الجريمة. فحين يقول سياسي إنه فاشل، ثم يُسمح له بالعودة إلى السلطة، فذلك يعني أن الفساد لم يعد خللاً في النظام، بل عموداً من أعمدته الخرسانية.
وحين يفشل رئيس حكومة لمرتين متتاليتين كالمالكي، ثم يُعاد تقديمه كـ"خيار سياسي ورجل مرحلة"، فهذا إعلان صريح عن إفلاس المعايير السياسية والأخلاقية، وانهيار فكرة المحاسبة من أساسها.
إن إعادة ترشيح الوجوه الفاشلة لتولي منصب كمنصب رئيس وزراء العراق لا تعني أن الفاشل كسب ثقة الناس، بل تعني استخفاف هؤلاء "القادة" بالمجتمع، وهي رسالة تقول للعراقيين، وبوضوح: لا بدائل لديكم، ولا إرادة حقيقية للتغيير، وما عليكم إلا الاختيار بين نسخ مختلفة من الفشل نفسه، وعلى طريقة "تريد أرنب هذا أرنب.. تريد غزال هذا أرنب". وفي ظل هذا المنطق، تصبح الانتخابات مجرّد آلية لإعادة إنتاج السلطة، لا أداة لتجديدها، ويغدو التغيير شعاراً فارغاً يرفعه المتحاصصون، وكلهم فاشلون قبل الانتخابات ليُقبر بعدها.
الواضح من خلال الصراع على منصب رئاسة البرلمان، وانتخاب من بإمكانه شراء المنصب، والعراك المستمر على منصب رئاسة الجمهورية، وترشيح شخصية قالت عن نفسها فاشلة كالمالكي، هو أن العراق لا يعاني نقصاً في الكفاءات، بل فائضاً في الفاشلين المتشبثين بالسلطة. ولا يفتقر إلى البرامج، بل إلى نظام يربط السلطة بالمسؤولية، وقيادة البلاد وشعبنا بالإنجاز، لا بالولاء والسلاح والمال.
إذا بقي هذا المنطق هو من يتحكّم بالسياسة العراقية ولم يتم تغييره بقبر نظام المحاصصة، وما لم يُحاسَب الفاشلون بدل تدويرهم كما اليوم، فإن العراق سيبقى رهينة حلقة مغلقة، يتبدّل فيها الخطاب السياسي، لكن النتائج واحدة ومتشابهة.
العراق لا يحتاج مزيداً من الوجوه المستهلكة التي خبرها شعبنا وأثبتت فشلها، بل عقولا استراتيجية قادرة على التفكير خارج منطق الطائفية، وإدارة الأزمات بالعقلانية. ما تعانيه البلاد اليوم ليس أزمة موارد ولا نقصاً في الطاقات العلمية، بل غياب رؤية شاملة تفهم الدولة بوصفها مشروعاً لا غنيمة. وهي وحدها القادرة على وضع حلول لتجاوز الكمّ الهائل من الخراب الذي خلّفه الفاشلون منذ الاحتلال إلى اليوم. ومن دون تفكير استراتيجي ووطني وعابر للطائفة والقومية، ستظل الأزمات دون حل، ويُعاد إنتاج الفاشلين أنفسهم بأسماء جديدة، أو العودة إلى الفاشلين الأوائل. ويبقى المالكي وحزبه ونهجه الإسلامي، كما صدام حسين وحزبه ونهجه القومي، أسوأ تجربتين سياسيتين كارثيتين مرّ بهما شعبنا طيلة تاريخه الحديث.
مصيبة كبرى: عندما لا يُفرّق السياسي بين الخيار الاستراتيجي والخيار بـ"اللبن".. عندها لن ترى أي فرق بين السُلطة والسَلَطة "الجاجيك"... (محمد الماغوط).