إقبال قارصلي الفنانة التي أكلتها الألوان

إذا كانت الصدفة قادت إقبال إلى هذا الحقل الجميل، فإنها استطاعت أن تزرع فيه اسمها.

إقبال قارصلي قيل عنها بأنها أول امرأة كفنانة تشكيلية سورية تقيم معرضا فنيا فرديا، كان ذلك في عام 1964، فالزمن بحد ذاته يشير إلى أن ذلك كان تحديا وإنجازا، أن تقترب امرأة من عالم كان صعبا على الرجل هو تحد آخر.

وقد تكون الصدفة هي التي قادت إقبال قارصلي (1925-1969) إلى دوائر الفن حين انتقلت مع زوجها إلى تدمر حيث وظيفته، فسكنت بيتاً يبدو أنه كان يعود لضابط فرنسي مولع بالرسم والذي كان قد جعل من بيته متحفا، يزين جدرانه برسومات جميلة.

ورغم انبهار إقبال بتلك الرسومات، إلا أن الحالة الوظيفية لزوجها تحتم عليه إزالتها، على أن إقبال لم تزلها بل قامت بإضافة بصمات شرقية محافظة عليها ونجحت في كل تلك التحويرات، ومن هنا بدأت خطواتها الأولى.

أقول قد تكون هذه الصدفة هي التي حركت موهبة إقبال إلا أن اكتناز دواخلها بحب الإنسان وكل إبداعاته رسخت خطوتها في هذا الطريق، وجعلتها تكون إحدى الرائدات للفن التشكيلي السوري.

إقبال التي ولدت بين بتلات ياسمين الشام وترعرعت في جنات الزبداني وعاشت بين أوابد تدمر وحرارته، أقول التي تتنفس هواء الشام والزبداني وتدمر، لا بد أن يكون لشهيقها وزفيرها نكهة الجمال والتاريخ والحضارة، نكهة سنتذوقها ونحن نبحر في أعمالها، تلك الأعمال التي ستلخص سيرة عطرها الخفي وهي تفوح جمالاً ورونقا.

ومن الطبيعي جدا أن تتأثر إقبال بمظاهر الطبيعة تلك وما يتبعها من ملحقات وتفاصيل والتي ستبرز في طاقاتها الإبداعية بتدفق متفاوت من عمل إلى آخر، فالمسألة عندها تسجيلية حينا، وسعي إلى إبراز الوقائع وإحالتها إلى الأصول حينا آخر تمهيداً للانخراط بتعبيرية حكائية في منعرجات الحياة والتي محركها الأهم الاحتجاج ومقاضاة الطبيعة لاسترداد الحياة من موتها المكتظ بالآهات والأوجاع.

إن كل ما كانت تخشاه إقبال من غوصها في لحظات الإبداع والاستمتاع فيها باتت تسكن ظلها، فهي التي تستعين بتعاويذ الذهاب مع اللون إلى متن المقولات التي تبنتها، تلك المقولات التي تستدعي شخصيتها بتأمل في خطابها الواقعي بمستواه الإدراكي، حتى تعود عليها بقوة في الذهاب بها إلى دائرة دورانها في أنبل مداراتها.

إذا كانت الصدفة هي التي قادت إقبال إلى هذا الحقل الجميل، فإنها استطاعت أن تزرع فيه اسمها، وبقوس قزح يشار إليها من بعيد، ولم تستطع أن تبرح هذا الحقل ولو برهة، بل أصبح هاجسها وموطنها وسيرومها، أي حتى وهي في أحلك حالاتها.

وإذا كان رحيلها قبل نصف قرن ومازالت أعمالها حاضرة في ذاكرتنا، فذلك مؤشر على جماليتها، فالعمل الفني يدوم على قدر ما فيه من جمال، وأعمال إقبال بانطباعيتها الواقعية تحمل الكثير من الأبعاد الجمالية وتقنياتها، والتي جعلتها تختصر المسافة بين مكامن إحساسها البصري، ومكنونات تجربتها من خلال رؤيتها في الكشف والبحث، رؤيتها التي ستجر متلقيها إلى حلبة حوار لا تنتهي، فهي التي تعمل في إثراء وعي متلقيها بقدرتها على بث ظروفها الذاتية وكذلك ظروف البلاد في منتجها الذي يحمل كل مؤثرات المرحلة حينها، وهي التي تخلق نوعا من التصالح بين الزمان والمكان كتوافق لإدانة المرحلة، أي أنها تستجيب على نحو كبير لقضايا وطنية وإن كانت تعشق الطبيعة ومفرداتها.

جميل جدا أن يعشق المرء الفن ويعيشه خلقا وممارسة ونشرا، ولكن أن يتحول هذا العشق إلى حبل يلف روح المرء، فوالله هذه مأساة ما بعدها مأساة، حتى وإن قيل كثيرا "ومن الحب ما قتل"، هذا كان حال عمر حمدي (مالفا)، وكذلك حال مبدعتنا إقبال قارصلي حين كانت ألوانها سببا في مرضها الذي قال عنها أطباءها بأن سببه يعود إلى تسمم أعصابها بالرصاص الناتج من استخدامها للألوان الزيتية، والتي كانت سببا في موتها المبكر.

هذا الموت الذي قال عنه ابنها السينمائي محمد قارصلي "إن الرسم الذي انتشلها من الجهل والاستسلام لمصير المرأة التقليدي، إن الرسم الذي أعطى لحياتها معنى هو الذي قد يأخذ هذه الحياة وينهيها". رحلت إقبال وهي لما تزل ترسم حلمها، بل ترسم روحها التي لم تشبع من النبض والحب والألوان قط.