عمر أوغوش وذاكرة الأمكنة حين تهب ذاتها لريشته
منذ وُلد عمر أوغوش في ديار بكر/آمد بتركيا عام 1989، وحب هذه المدينة معشّش في خلاياه، ينبض فيه، ويجري في شرايينه، منحدراً معه إلى الغرف المعتمة كلّها التي في دواخله لينيرها بشعاعاته. ومهما كان قلبه صغيراً ورقيقاً، لا بدّ لذلك الحب الذي تسلّل إليه ولادةً أن يلتصق كرقائق على جدرانه وجدران قلبه، ويصدّ كلّ ضجيج قد ينبعث من الخارج ويتناهى إليه بهدوء، وكأنه يأوي إلى سريره لينعم بغفوة صغيرة تنعش ذلك القلب بذلك الحب. فحبل الحب متين لا يستطيع أحد أن يقطعه، فما دام القلب ينبض يبقى حبل الحب متيناً، لا يجرؤ أحد على العبث به.
وهذه المدينة هي التي أغرته، لا بحبها فقط، بل بالرسم والألوان التي أغدقت عليه بعطفها وحنانها، جعلته يراقصها في أحاديثه وأعماله استجلاباً لمزيد من العطف والرأفة. فأبدى في سنّ مبكرة عشقاً في الرسم والألوان، العشق الذي أثْرى في ألوانه وخياله حتى باتت مدينته المفضّلة. فقلبه بقي معلّقاً بها، يقضي في حضنها جلّ أوقاته، ولا توجد قوّة يمكن أن تقصيه من ذلك الحضن، حيث شهد أفراحه وأتراحه، شهقاته وآهاته، وبدأ برسم كلّ ذلك بكلّ تفاصيله، وعيناه الذكيتان معلّقتان بالألحان التي تصدر من كلّ حجر، من كلّ زقاق، من كلّ عرق جرى على جباه أبنائها، مندغماً بها حتى يتألق بألف شعاع داخلي.
فكان قلبه يتوهّج قبل وجهه، لتجعل منه إنساناً ذا شخصية مشحونة بالحب الذي يسري في أوردته قطرات نبيلة تنعَم بها روحه وقسمات وجهه التي تشي بعشقه لمدينته الفاضلة. فكان لا بدّ لريشه وألوانه أن تخطّ ما يشعر به وما يرى، حيث رهافة الذوق تكون في شغفها الأعلى، فتتجاذب الألوان بين أصابعه مشكّلةً الفصول العشرة. فيبدو لون هنا قوياً ظاهراً، ويخفّ هناك، أو يكاد يُمحى ليغلب لون آخر بدلاً منه، وتترادف جميعاً على هذا النسق دون أن تعتزم إحداها مغادرة المشهد، فتعطي درساً في التناغم والتآلف، فتبدو في حالة من التماثل بتقسيماتها وتقطيعاتها المختلفة، باحثة عن حالة من الذهول برعشاتها الحلوة التي تُبعد عنها كلّ سُؤم وندب.
وتنفرج الأبواب الأربعة للمدينة: باب الجبل، باب رها، باب ماردين، الباب الجديد، فتطلّ على حين غرّة مدينة ديار بكر/آمد بابتسامة ساحرة، قادمة من عبق التاريخ، بعيون يقظة، قاسية، ثاقبة للزمن، تمدّ يدها الخشنة المعروفة لضيوفها، يدها المعبرة والملأى بقوّة خلاّقة تستطيع أن تنهض بأي عبء. وتغيم صور متخيّلة في أطوار مختلفة على المشهد وكأنها لوحات رسمها كبار الفنانين إلى جانب الرب.
ففي هذه المدينة التي تقع على ضفاف نهر دجلة، ويعود تاريخها إلى أكثر من ثمانية آلاف سنة، وُلد فناننا عمر أوغوش، ودرس الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارسها، وتخرّج من جامعتها، جامعة دجلة، يتنعّم بالمشي في أزقتها، وبالنزهة على ضفاف نهرها، وتسلق سورها مراراً منذ كان في منبلج العمر إلى يفاعته وشبابه، وما يزال. فكيف لا نراه غارقاً في حبها؟ وكيف لا يُسخّر ريشته في رسم مفاتنها وهي التي بثّت الروح في كيانه والجمال في قلبه؟
يشقّ شوارعها التي تستسلم له، ويَروق له أن يزاول الحب في محرابها، كما يحلو له أن ينطلق في منبسط سهلها الرحيب، وفي علوّ سورها الذي يعصف به الريح على مدى التاريخ، السور الذي يُعدّ ثالث أهمّ أسوار العالم بعد سور الصين العظيم وسور إستانبول الشهير. يمتدّ على أكثر من خمسة كيلومترات، وبارتفاع يبلغ ما بين 10 و12 متراً، ويحتوي على اثنين وثمانين برجاً. وفي عام 2015 أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث الإنساني.
ألا يكفي كلّ ذلك ليتعهّد عمر أوغوش، وبمحبّة مخلصة، أن يعيد الحياة فيها، في مفاصلها الدقيقة والكثيرة، بذاكرة قوية يستمسك بأوهى حوادثها وهي ما تزال طرية، ليستعيدها حيّة، فيجنح إليها بريشه وألوانه وكأنه يقول: ألستُ ابن هذه المدينة، هذا السور، هذه الحجارة؟ فكلّ شيء يشدّني إليها. ألم تتفتح موهبتي بين أحضانها؟ فكيف لا أقبل غوايتها لي، وكلي يتجاذب إليها، بل وكأنه يحمل الناس جميعاً على محبتها وهو المنشغل بها أبداً.
لا نريد أن نسهب ونستفيض في المكان الذي أنجب الفنان عمر أوغوش، وما يحمله هذا المكان من خصائص لكلّ منها أهميتها، لكننا أشرنا إليه من باب إطلاع القارئ على الحاضنة الأهمّ له، من جهة، ومن جهة أخرى كونه، أقصد المكان، يشكّل الجزء الأهمّ من طروحاته الفنية التي يشتغل عليها. فله الأولوية التي يعطيها له كنصّ إبداعي يحمل الثقل كلّه من جانبه الجمالي، وهو يراهن عليه، مبلوراً أفكاره الجديدة حوله كرديف يتلقّفه ويقوده إلى بعض التفاصيل الضائعة التي ستُغريه ليستجلبها ويحييها في هذا المعبد المقدّس.
قد لا تكفيه إشراقات صغيرة توميء له منها ليملأها بألوانه الأصيلة الأولى التي ألفت أن يراها لصيقة به، وهو لا يُهمل أشياء مكرورة، فلا يلبث أن يرجع إليها في جزء تالٍ وقد اكتسبت أشياء جديدة. وفي مقدوره أن يقدّر الزمن المديد الذي استهلكه في التفكير والبحث حتى اتسق لديه خطّه وأسلوبه الخاصّ به. فهو يحلّل كلّ الإشارات الغامضة التي تملأ أعماق الأمكنة، ويحاور مغالقها، فكلّ ما يلفت انتباهه يقرأه بعمق، يراود مجاهلها منقباً، باحثاً كغوّاص ينحدر إلى عمق البحر عسى أن يجد في قلب صدفة لؤلؤته المنشودة.
وما يساعده في ذلك الانطباعية التي لم تكن ضئيلة، فتهديه إلى الحقيقة التي يبحث عنها، يتلقّفها ليقودها إلى كمال أسمى وأبهى، لها فرحتها المميزة ومتعتها الخاصة، فينفسح المنظر عن المعالم التي يحبّ أن يغازلها بألوانه. فيتحرك الطيف بأحلامه، وهو الشغوف بالزمن الذي يسعفه حين تكون الأيام رتيبة وبطيئة، حتى لا تتململ النغمة الموسيقية التي تصافح سمعه وقلبه وتنطفئ، بل تعود على نحو دائم مكسوّة بزغب من الذكريات الدافئة التي تمتزج بمفارقات مجتمعة يجد الزمن متعة في ضمّها إليه.
الأشياء، والبيوت، والحدائق، والدروب، والزمن الضائع، والعابث، والحجارة، والأشخاص، والعواطف كلّها، تظلّ كامنة في أعماق كيانه، فهي لا تموت ولا تفنى، بل تبقى متحفّزة، متربّصة كنبع ماء حبيس بين ضلوع الحجر، ينتظر أن ينفجر فجأة هادراً مزمجراً مشعشعاً بالنور.
وللتعبير تشكيلياً عن معالم ديار بكر/آمد الكثيرة، بدءاً من سورها الذي بات المعلم الأهمّ لها، بل بات عنواناً للمدينة التي لا يمكن أن تذكرها إلا وتذكر سورها، أو أن تزورها دون أن تزور سورها وتعتليه، وليس انتهاءً بجسري الأقواس العشرة ومالابادي، ومروراً بجوامعها وكنائسها التاريخية كالجامع الكبير، ومسجد بهرام باشا، وكنيسة مار بيتيون الكلدانية، وكنيسة جرجيس الأرمنية الأرثوذكسية، والكنيسة السريانية، إضافة إلى مدارسها وقصورها الكثيرة والقديمة التي تمضي في التاريخ بعبقها، وغيرها الكثير.
أقول: للتعبير تشكيلياً عن هذه المعالم لا بدّ من الحاجة إلى ريشة فنان مترعة بصور أخّاذة، نابضة بنسغ خفيّ، بدمٍ حار، تترادف الألوان كسمفونية دافئة يسودها الألق والإشراق. لا بدّ من ريشة خصبة تبسط عالماً متميّزاً خاصاً بها، يقبس ألوانه من الواقع وإن كانت خطوط المأساة فيه مكثفة، موشّاة بالصور الخلّابة.
ولا شكّ أنّ ريشة عمر أوغوش تحمل من تلك الصفات الكثير، وقادرة أن تمتدّ في تلك المعالم كالناي، تلهج الفضاء بنغماتها، مخترقة الأماكن وحجارتها السوداء، هادئة، مواكبة أنغاماً حزينة تسافر فيها. فللتعبير تشكيلياً عن هذه المعالم كان لا بدّ لفنان انطباعي كأوغوش من معرفة ظاهرة اللون وعلاقتها بالضوء بانطباع وإحساس يتوالدان على الفضاءات.
فالإحساس باللون يبقى إحساساً إنسانياً، ورؤية الأشياء تبقى هي أيضاً في نطاق المعرفة المكتسبة، وإدراكها يعني معرفتها وتمييزها بقدر ما تسترعي مظاهرها العامة الانتباه كاللون الناصع والإضاءة الساطعة والحركة. وفي جميع الحالات يبقى اللون كمصطلح لا يتحدّد إلا باجتماع ثلاثة عناصر: العين الإنسانية، والشيء المرئي، والضوء الذي ينيره. أي أنه ليس ثابتاً، بل يتبدّل بتبدّل الضوء والظروف المناخية، فلا وجود للّون مستقلاً عن الضوء.
فأوغوش ينطلق من هذه المعطيات العامة في تمثيله للعالم المرئي، مستبعداً اللون الأبيض الصافي والألوان القاتمة، مكتفياً بألوان المنشور الصافية المتألقة، وهي مجموعة الألوان التي يتكوّن منها الطيف الضوئي كما نراها في قوس قزح.
ما يجدر الإشارة إليه هنا هو اهتمام عمر أوغوش بتلك الحساسيات والرهافات الجمالية اللافتة في مدرّجات اللون المختلفة، فيعزّ عليه استخدام اللون لمقاربة السرد البصري وما يتيحه له الصوت المفقود فيه، إن كان من ولادة قيم جمالية وتعبيرية جديدة أو من جملة مسارات خاضعة لنطاقات أخرى له التفاتات دائمة نحوها، ويرى فيها أنماطاً مفتوحة لكسر أقفال مخيلة القارئ وإطلاقها على نصّ مفتوح على تفسيرات لا نهائية تبعاً لذائقة هذا القارئ ومشاربه.
يفجّر فيها كلّ ما سيلعب ككاشف جمالي يجدر الالتفات إليه. ويسعى أوغوش في هذا الاتجاه فيقف عند نقطة مهمة ملائمة لإبداع خصيب، فيستثمره في خلق جديد يتجاوز الواقع الراهن إلى خلق مشاهد معادلة لها. فالمناظر الطبيعية التي يرسمها أوغوش، وكذلك اقتناصه والتقاطه لأجزاء حميمية من أمكنة تاريخية لها ذاكرة نشطة حيّة تتحدى الأزمنة وترفض رفضاً قاطعاً أي نوع من النسيان، ترهن ذاتها لريشة الفنان فقط، لمخيلته المتقدة، لا لتتيح له تشكيل نصّه البصري فحسب، بل لتأخذ المسألة أبعاداً مغايرة تماماً وفق معطيات كثيرة، كإبرازه لموضوعات لها أحجامها في المساحات التي تمنح القارئ/المتلقي هداباً من المعاني.
ولتعدّد وجوه عطاءاته كأشكال مهمة في الحقل الجمالي، إن كان من زاوية تعدّد الرؤية وتفاعلها عبر حوار بعضها مع بعض، أو مما ينتج عنه من إخصاب الرؤية الإبداعية. وبغضّ النظر عمّا يقدّمه للمشهد التشكيلي على نحو عام، فهو مكسب حقيقي لهذا المشهد وللمبدعين فيه، ويرفع من اتساع قاعدته في الوسط الفني وشيوع تداول ما ينتجه، لا كاختزال لحالات ومشاهد تحمل قدراً مهماً من القيمة التاريخية والفنية، ولا لتوثيق الأمكنة والإشارة إليها بعين فنان قنّاص ماهر، ولا لتوضيح حالاتها كالتزام أخلاقي نحو ما تحمله من قيم معرفية وفنية وتاريخية، بل لتقديم صيغ ورؤى سينضوي تحتها تجربته إبداعاً وتنظيراً.
وكأنه يقول عبرها: ليس من العبث أن نثور ونغضب لما يحدث لها من خفض قدرها، وتساوره الرغبة في معرفة الأصل ليدعمه لوناً وتفكيراً. وبإيجاز نقول: كي يصبح الفن جديراً بهكذا أمكنة، هكذا ناس، وكي يصبح الفنان رمزاً كاسحاً ينشّط المشهد بمدلولات كثيرة ودائمة.
عمر أوغوش لم يكتفِ دراسياً حين تخرّج من كلية الفنون بديار بكر عام 2015، بل التحق بجامعة شرنق ونال منها درجة ماجستير عبر أطروحته التي تناول فيها التطور المعماري والثقافي لأسوار ديار بكر. ولهذا لم تبتعد أعماله عن تلك الأطروحة، فهي تجمع بين فنّ العمارة التاريخية والفنّ المعاصر.
فهذا التزاوج بينهما يمنح تلك الأعمال أهمية تاريخية ومعرفية إلى جانب الأهمية الفنية الجمالية، فهو يحافظ على تقاليدها من جهة، ومن جهة أخرى يبذل جهداً لا بأس به كي يتخطّاها بدراية ذكية، لا كحالات استثنائية بل كاختيارات مميّزة. فلا يقتصر هاجسه كفنان معاصر على المفهوم العام للأشكال والتكوينات كما صيغت منذ عصور داخل فضاء محدود، بل يمتدّ إلى ما هو أوسع من ذلك باعتماده الحركة والفضاء المفتوح مع إضافة مفردات جديدة لاستكشاف فضاء تشكيلي جديد.
وبذلك نقرّ بأن الحركة الفنية شهدت مؤخراً تحوّلات مقبولة في مجال التصوير، فالصورة الإنسانية وما تنسجه من أعمال ترسّخت كأداة جمالية للتعبير، لم تعد نسخة مطابقة للواقع، بل باتت أكثر ميلاً إلى التأويل والتحوير. وتلتقي في هذا المناخ مجمل ما صاغه أوغوش بملامحها وبمميّزاتها الأساسية المرتبطة بطبيعة البنى التأليفية للّوحة. فأعماله شاهدة على ذلك، وعلى بروز الوجه الجديد للمشهد التشكيلي على نحو عام، فالاختزال الشكلي لم يُغِب عن أعماله العنصر العاطفي والعنصر الوصفي، ولا طرق معالجته لها، فهو يضفي عليها صفة التأمل ويكسبها دلالات خاصة تلتقي مع العوالم التي تعكسها بفعل المقاربة مع الواقع ذات الصفات الخاصة والجديدة.







