إقصاء الأم السورية من الوصاية رمزية لاستبدال الدولة الحديثة بدولة الطاعة
دمشق – "قريب للأب من الدرجة العاشرة أحق من الأم في الوصاية على أبنائها" هو مختصر تعميم أصدرته وزارة العدل السورية للمحاكم يحرم الأم من إدارة شؤون أبنائها بأي حال من الأحوال ومهما كانت الظروف، في قرار شكل صدمة للمجتمع السوري وللنساء اللواتي اعتبرنه مجحفا ومهينا لهن بعد معاناة من ويلات الحرب لأربعة عشر عاما كانت الكثيرات منهن المعيلات لأبنائهن وأسرهن، ما دفعهن لإطلاق صرخة ضده واعتبره حقوقيون ترسيخا للنظام الذكوري في دولة الطاعة ونسفا للدولة الحديثة.
وألغى القرار الموقع من وزير العدل مظهر الويس، حق الأم من الوصاية على القاصرين في المسائل التي تتعلق بالولاية على المال والنفس، وحصرت الولاية على النفس بالأب، ثم بسلسلة طويلة من الأقارب الذكور (الجد، الأخ، العم، أبناء العم…)، وأقصى الأم إقصاء تاما من ممارسة هذه الولاية، ومنع القاضي الشرعي من تعيين وصي على النفس في حال وجود أي قريب ذكر، مهما بَعُدت صلته بالقاصر.
وتجاهل القرار حقوق الأم والطفل معا، فحتى وإن كانت الحاضنة والمسؤولة الفعلية عن الطفل وتنفق عليه بشكل كامل، فإنها لا تحمل أي صفة قانونية مباشرة في مراجعة شؤون ابنها المتعلقة بالسفر أو جوازات السفر أو تأشيرات الخروج أو المعاملات المرتبطة بالهجرة والجوازات.
وتمادى في سلب الأم حقوقها بمنح الوصاية لأبعد ذكر في عائلة الأب في حال لم يكن هناك ذكر قريب، فالأولياء على نفس القاصر هم الأب، فإن لم يكن فالجد العصبي، فإن لم يكن فالأخ الشقيق، فإن لم يكن فالأخ لأب، فإن لم يكن فابن الأخ الشقيق، فإن لم يكن فابن الأخ لأب؛ مهما نزل، فإن لم يكن فالعم الشقيق، فإن لم يكن فالعم لأب، فإن لم يكن فعم الأب الشقيق، فإن لم يكن فعم الأب لأب، فإن لم يكن فعم الجد العصبي الشقيق، فإن لم يكن فعم الجد العصبي لأب؛ مهما علا، فإن لم يكن فابن العم الشقيق، فإن لم يكن فابن العم لأب، فإن لم يكن فابن عم الأب الشقيق، فإن لم يكن فابن عم الأب لأب، فإن لم يكن فابن عم الجد العصبي الشقيق، فإن لم يكن فابن عم الجد العصبي لأب؛ مهما نزل.
واكتفى البعض في التعليق على القرار بمطالب خجولة بمراجعته والعودة الى واقع المجتمع السوري الذي تتحمل فيه الكثير من النساء المسؤولية الكاملة عن أطفالهن بموت الأب أو اختفاءه أو سفره وغياب التواصل مع عائلته في كثير من الأحيان. لكن الكثير من النساء وجهن صرخة استنكار ضد هذا القرار ونددن بمكافأة المرأة السورية بهذا الشكل بعد التضحيات التي قدمتها لسنين طويلة.
وعكست التعليقات إجماعا على أن القرار لا يستند الى أي شريعة أو مبادئ إنسانية تحترم كرامة المرأة:
وتوجهت أصوات نسائية الى الرئيس أحمد الشرع وزوجته لطيفة يطالبن برفع الظلم عن الأمهات السوريات وإصدار قرار رئاسي يضمن حقوقهن وحق أولادهن ومحاسبة من يصدر تعميمات عشوائية دون التفكير ودراسة تبعياتها.
واعتبر ناشطون أن القرار إعلان رسمي عن نكوص الدولة إلى ما قبل مفهوم الدولة وتحويل القضاء من مؤسسة عامة إلى سلسلة شجر عائلي. وأضاف ناشط أن القرار ليس خطأ إداريّاً، ولا زلّة مرحلة انتقالية بل خيار أيديولوجيا واضحا باستبدال الدولة الحديثة بدولة الطاعة، والقانون بالولاية والمواطنة بـالرَّحم.
وتساءلت ناشطة أي قرار هذا الذي يمنح الوصاية لمن قد لا يعرف الطفل وينزعها ممن كانت الأمان، والملجأ، والحياة؟ فالوصاية ليست سلطة فهي مسؤولية.
ولا تخرج وجهة النظر القانونية للحقوقيين عن المبدأ الإنساني، إذ يترتب على تطبيق القرار تعطيل مصالح القاصر عند غياب أو تعذر الولي الذكر، وإخضاع الأم لإجراءات معقدة رغم مسؤوليتها الفعلية، وفتح الباب للنزاعات العائلية، وتعريض الطفل لعدم استقرار قانوني طويل الأمد. وقد أكدت تحليلات قانونية مستقلة أن هذا التعميم يكرّس إقصاء الأم ويحوّل الولاية إلى أداة تمييز لا حماية. ويخالف مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، ويكرّس التمييز القائم على الجنس، وينتقص من أهلية الأم القانونية كمواطنة.
ولاحظ حقوقيون أن التعميم جاء استجابةً لاعتبارات إدارية تتعلق بتخفيف الضغط عن المحاكم، إلا أن معالجة الإشكاليات الإدارية لا يمكن أن تكون على حساب الحقوق الأساسية، ولا تبرر استخدام التعميم كأداة لإعادة تنظيم العلاقات الأسرية أو الحد من الضمانات القضائية.
كما أن غياب الشفافية في إصدار التعميم، وعدم نشره ضمن إطار تشاركي أو مرفق بمذكرة تفسيرية واضحة، يضعف من مشروعيته الإجرائية ويثير تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار.