إيمانويل تود في هزيمة الغرب: موت حضاري بطيء لعالمٍ فقد روحه

'هزيمة الغرب' في نظر الأنثروبولوجي الفرنسي ليست مأساة للبشرية، بل ربما تكون فرصة لولادة عالم أكثر عدلًا وتنوّعًا، لا يحتكر فيه أحد الحقيقة أو التفوق.

يقدّم عالم اجتماع وأنثروبولوجي فرنسي وباحث في المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية إيمانويل تود في كتابه "هزيمة الغرب" أطروحة فكرية حادة وجذرية، تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن ما يشهده الغرب اليوم ليس أزمة عابرة أو انحرافًا مؤقتًا عن مسار التقدّم، بل هو موت حضاري بطيء، انهيار طويل المدى لبنية فكرية وثقافية واقتصادية كانت تظنّ نفسها خالدة. هذا الموت لا يأتي على شكل سقوط مدوٍ كما حدث للإمبراطوريات القديمة، بل يتسلّل تدريجيًا في شكل تفكّك في القيم، وعجز في الإبداع، وفقدان للقدرة على إنتاج المعنى. الغرب، في نظر تود، يعيش مرحلة أفول تشبه ما بعد الذروة، حيث لا تزال المؤسسات قائمة لكن الروح التي كانت تُغذيها قد انطفأت.

تود الذي يعد واحدًا من أبرز علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا في فرنسا المعاصرة، عُرف بتحليلاته الديموغرافية الجريئة التي تربط بين البنى العائلية والتحولات السياسية، وسبق أن أثار جدلًا واسعًا في كتابه "ما بعد الإمبراطورية". يرى هنا في كتابه الصادر عن دار الساقي بترجمة محمود مروّة أن أزمة الغرب لم تبدأ مع الحروب الحديثة أو مع صعود اليمين الشعبوي، بل جذورها تمتد إلى البنية العائلية والدينية للمجتمعات الغربية. ومن هنا يستعيد تحليله القديم الذي ربط فيه النظم العائلية بتطور المجتمعات السياسية، ليؤكد أن البروتستانتية كانت هي القلب الأخلاقي للعالم الغربي. فحين كانت البروتستانتية قوية، كانت أوروبا الغربية والولايات المتحدة تنعم بانضباطٍ أخلاقي وتوازنٍ بين الفردية والمسؤولية الاجتماعية، وكان التعليم يُنظر إليه كقيمة روحية لا مجرد وسيلة مهنية.

لكن ما حدث، بحسب تود، هو انهيار البروتستانتية كمنظومة رمزية. لم يعد الدين قوة داخلية منظِّمة للمجتمع، ولم تنجح العلمانية الليبرالية في أن تحلّ محلها. فالمجتمعات البروتستانتية ـ بريطانيا، ألمانيا، هولندا، الدول الإسكندنافية، الولايات المتحدة ـ فقدت تدريجيًا بوصلة القيم التي كانت تقوم على الاجتهاد الشخصي، والتقشف، والصدق، والانضباط الذاتي. لقد بلغت هذه المجتمعات، كما يقول، "مرحلة الصفر الديني"، أي حالة الخواء التام من المعنى الروحي.

ويتطرق تود إلى تفكّك الرابط بين التعليم والمعرفة، مؤكدا أن ذلك من أكثر العلامات دلالة على الانحطاط الغربي. فالغرب الذي أسّس الجامعات الكبرى وأنتج الفكر النقدي والتنوير، لم يعد يؤمن بالثقافة نفسها. لقد تحوّل التعليم إلى أداة للفرز الطبقي لا وسيلة للتحرّر الفكري. المدارس والجامعات اليوم، كما يرى، لم تعد تصنع مواطنين، بل تُنتج موظفين مؤدلجين في خدمة النظام الاقتصادي والبيروقراطي. ومن ثمّ فإن المتعلم الحديث في الغرب ليس وريثًا للإنسانيات الكلاسيكية أو للفكر النقدي، بل هو كائن تقني فارغ من أي عمق ثقافي.

وينتقل تود إلى تحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية ليقول إن المجتمعات الغربية تعيش مفارقة قاتلة: فهي الأكثر ثراءً في التاريخ، لكنها في الوقت ذاته الأكثر هشاشةً معنويًا. لقد فقدت الطبقات الوسطى ثقتها في مؤسساتها، ولم يعد الفقراء يصدقون خطاب المساواة. أما النخب، فهي تزداد انعزالًا وانغلاقًا داخل دوائرها المالية والإعلامية، وتعيش في فقاعة من الانفصال عن الواقع الشعبي.

ويضيف أن الأزمة الليبرالية الراهنة ليست أزمة حرية بل أزمة معنى للحرية. فحين تتحول الحرية إلى مجرد حقّ في الاستهلاك أو التعبير السطحي، تفقد قيمتها الأخلاقية. إن ما يراه تود هو أن الغرب حوّل الفرد إلى كائن منزوع من كل جذور جماعية، حتى الأسرة لم تعد بنية قادرة على نقل القيم أو الاستقرار النفسي. ويصف ذلك بعبارة مؤثرة "الغرب هزم نفسه حين جعل الإنسان مطلق الحرية بلا أي شيء يربطه بالآخرين".

ويلفت تود أن الحرب الروسية ـ الأوكرانية كشفت عن عجز الغرب البنيوي. فالغرب ـ بحسب تحليله ـ لم يعد يمتلك القدرات الصناعية أو الإرادة السياسية لخوض حرب طويلة، وأن قوة روسيا لم تكن في تفوقها العسكري فحسب، بل في تماسُك مجتمعها حول فكرة الأمة والدين والتاريخ. في حين يقف الغرب اليوم موحّدًا شكليًا، لكن بدون إيمان حقيقي بمبادئه. حتى التضامن الأوروبي، كما يقول، أصبح تضامنًا بالتصريحات لا بالقوة الإنتاجية أو العسكرية.

ويُرجع تود هذا العجز إلى تحولات ديموغرافية عميقة: شيخوخة السكان، تراجع معدلات الولادة، انحسار الطاقة الشبابية، وضعف الحافز للتضحية أو المغامرة. فالمجتمع الغربي بات ـ في رأيه ـ مجتمعًا خائفًا من الموت، خائفًا من الألم، خائفًا من المستقبل، لأن لا شيء ينتظره بعد الحياة المادية. أما الولايات المتحدة، فهي في تصوره أشدّ تجليات هذا الانحلال، فهي لم تعد الأمة التي تصدر الديمقراطية أو القيم، بل صارت أمة منقسمة داخليًا على أسس عرقية ودينية واقتصادية، وتحكمها طبقة من النخبة المالية والإعلامية التي لا تمثل إلا مصالحها. ويصفها بأنها "حضارة ما بعد ديمقراطية"، حيث لا يعود التصويت أو الإعلام قادرين على التعبير عن الإرادة الشعبية، لأن النظام نفسه فقد صدقيته.

ويرى أن هذه الحالة من الفراغ الروحي والعدمية الثقافية هي السبب في ميل الغرب إلى إنتاج أزمات متتالية في الخارج، وكأن الحرب أو الصراع أصبحا وسيلة لتعويض غياب المشروع الداخلي. فالغرب الذي لم يعد يعرف لماذا يعيش صار يبحث عن معنى لوجوده في صراعات الآخرين.

ويشير تود إلى أن القوى غير الغربية مثل روسيا والصين والهند وإن لم تكن بالضرورة ديمقراطية وفق النموذج الغربي، إلا أنها تمتلك شيئًا أساسيًا فقده الغرب: الإيمان بالذات وبالاستمرارية التاريخية. هذه المجتمعات، كما يقول، لم تتخلَّ عن رموزها، ولم تدخل بعد في مرحلة اللا إيمان. لذا فهي قادرة على مقاومة النموذج الغربي دون أن تحتاج إلى تقليده.

تود يشير إلى أن القوى غير الغربية مثل روسيا والصين والهند وإن لم تكن بالضرورة ديمقراطية وفق النموذج الغربي، إلا أنها تمتلك شيئًا أساسيًا فقده الغرب

يعود تود إلى البعد الأنثروبولوجي ليقول إن كل حضارة تحمل في داخلها مبدأ قيامها ومبدأ فنائها، وأن مبدأ الفناء في الغرب بدأ يتجسّد حين قطعت النخب الفكرية والسياسية صلتها بالجذور المسيحية والإنسانية للحضارة الأوروبية، فحين فقد الغرب إيمانه بتاريخه فقد في الوقت نفسه شرعية مستقبله.

يرى تود أن هذه الهزيمة لا تُقاس بالمعايير العسكرية أو السياسية، بل بمعيار القدرة الحضارية. فالغرب الذي صدّر للعالم مفاهيم الديمقراطية والعقلانية والعلمانية والحداثة، لم يعد يؤمن فعلاً بها. لقد تحوّلت الديمقراطية إلى قشرة شكلية، والليبرالية إلى أداة هيمنة اقتصادية، والحرية إلى شعارات استهلاكية بلا مضمون. ما يحدث، بحسبه، ليس مجرد تراجع في النفوذ أو المكانة، بل انقلاب في منظومة القيم ذاتها التي بنت عليها أوروبا والولايات المتحدة مشروعهما الكوني منذ القرن الثامن عشر.

ويفكّك تود جذور هذا الموت الحضاري من خلال تحليل بنيوي عميق للغرب من الداخل، معتمدًا على أدوات التاريخ والأنثروبولوجيا والديموغرافيا. فبحسبه تتجلّى مؤشرات الانحدار في تراجع معدلات التعليم الحقيقي، وتفكّك الأسرة، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع الحراك الاجتماعي، وازدياد الفوارق الاقتصادية. كما يرى أن الذكاء الجماعي الذي ميّز الغرب في القرنين الماضيين بدأ يتلاشى مع تحوّل المعرفة إلى أداة نفعية محضة تخدم السوق بدل أن تُحرّر الإنسان. لقد صار الغرب "مجتمعًا متعلّمًا بلا ثقافة، ومثقفًا بلا فكر".

ويقدّم تود رؤية مغايرة للمألوف في قراءته للتاريخ الحديث، فبينما اعتبر كثيرون أن انهيار الاتحاد السوفييتي مثّل انتصارًا ساحقًا للغرب، يرى هو أنه كان في الحقيقة بداية انكشاف ضعف الغرب نفسه. فاللحظة التي توهّم فيها الغرب أنه خرج منتصرًا كانت في الواقع لحظة فقدانه لعدوه التاريخي، وبالتالي لمرآته الحضارية. ومنذ ذلك الحين دخل في دوّامة من الغطرسة الأخلاقية والعمى السياسي، قادته إلى سلسلة من الحروب العبثية، من العراق إلى أفغانستان، وصولًا إلى أوكرانيا، دون أن يخرج بأي انتصار حقيقي.

ويشبّه تود حال الغرب المعاصر بـ"جسدٍ ضخمٍ تتآكله الشيخوخة من الداخل بينما لا يزال يتصرّف وكأنه في ريعان الشباب". هذا الجسد لم يعد يملك القوة الفكرية أو الأخلاقية لتبرير هيمنته على العالم، فحتى العلم والتكنولوجيا اللذان كانا رمزين لتفوّقه تحوّلا في يده إلى أدوات مراقبة وتجسّس وإخضاع. أما في المجال الثقافي، فقد اختُزلت الفنون والآداب إلى صناعة ترفيهية فاقدة للرسالة الجمالية والإنسانية.

ويربط تود هذا الانهيار بما يسميه "الانكماش الديموغرافي للعقل"؛ إذ يلاحظ أن المجتمعات الغربية لم تعد قادرة على تجديد نخبها الفكرية والعلمية كما في السابق، وأن النزعة الفردانية المفرطة أدّت إلى تآكل الإحساس الجماعي بالتاريخ والمصير. هذا الانكماش جعل الغرب منغلقًا على ذاته، خائفًا من المستقبل، ومهووسًا بالحفاظ على "نمط حياته" أكثر من اهتمامه بإبداع معنى جديد للوجود الإنساني.

ويرى تود أن الغرب فقد موقعه كـ"قلب للعالم"، وأصبح يعيش على ذكرى ماضٍ استعماري مجيد. الولايات المتحدة ـ التي مثّلت ذروة المشروع الغربي ـ لم تعد في نظره سوى إمبراطورية متعبة، تفقد تدريجيًا قدرتها على فرض إرادتها. ويشير إلى أن حرب أوكرانيا ليست سوى عرض جديد لأزمة الغرب العميقة: فهي ليست حربًا دفاعية عن القيم كما يُروَّج، بل محاولة يائسة للحفاظ على وهم القيادة العالمية أمام صعود قوى حضارية جديدة كالصين والهند وروسيا.

ويذهب تود أبعد من ذلك في تشخيصه حين يقول إن الغرب بات مأسورًا بخطاب أخلاقي زائف يبرّر تدخلاته السياسية والعسكرية باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تُدار هذه الحروب في الواقع بدوافع اقتصادية واستراتيجية بحتة. هذا الانفصام بين الخطاب والممارسة يُجسّد قمة الانحطاط الحضاري، لأن المجتمع الذي يفقد اتساقه الأخلاقي يفقد مبرر وجوده التاريخي.

ويستعيد تود فكرة الاستعمار المعكوس، مشيرًا إلى أن الغرب، الذي كان يحتكر تعريف العالم ومعناه، أصبح اليوم خاضعًا لواقع جديد يفرض عليه إعادة التفكير في ذاته. فالمجتمعات التي كانت تُعتبر هامشية في الماضي هي التي باتت تُنتج الأفكار والطاقة الحيوية التي يفتقر إليها الغرب. لقد أصبح مركز العالم ينتقل تدريجيًا نحو الشرق والجنوب، بينما أوروبا وأميركا تُغرقان نفسيهما في نقاشات هوياتية عقيمة، وفي سياسات تزداد انعزالًا وخوفًا من الآخر.

ولا يرى تود أن هزيمة الغرب حدثًا نهائيًا، بل مسارًا تاريخيًّا طويل الأمد، يشبه الانحدار الروماني أو سقوط الأندلس. وهو يؤكد أن هذا الانحدار ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيانة الغرب لقيمه الأولى. حين كانت أوروبا قادرة على النقد الذاتي، وعلى الإصلاح الفكري والعلمي، كانت حيّة وقوية. لكنّها حين تحوّلت إلى كيان مغرور منغلق على تفوّقه الزائف فقدت القدرة على التجدد. لذلك، فإن الهزيمة، في رأيه، روحية وثقافية قبل أن تكون سياسية.

إن ما يسميه تود "الموت الحضاري البطيء" هو حالة من الذبول الداخلي، حيث يستمر الشكل دون المضمون. الجامعات ما زالت قائمة، لكن المعرفة التي تُنتَج فيها باتت فقيرة ومكرّرة. المؤسسات الديمقراطية تعمل ظاهريًا، لكن القرار الفعلي بات بيد قلة من النخب المالية والإعلامية. الناس ما زالوا يتحدثون عن الحرية، لكنهم يعيشون تحت رقابة رقمية شاملة. بهذا المعنى يعيش الغرب في حالة ما بعد الحضارة؛ أي أنه تجاوز ذروته دون أن يعي أنه في طور الأفول.

ويختم تود رؤيته بدعوة ضمنية إلى تحرير العالم من المركزية الغربية، لا عبر الانتقام أو الرفض العدمي، بل عبر استعادة التوازن الحضاري وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية الكونية التي خانها الغرب ذاته. فهزيمة الغرب في نظره ليست مأساة للبشرية، بل ربما تكون فرصة لولادة عالم أكثر عدلًا وتنوّعًا، لا يحتكر فيه أحد الحقيقة أو التفوق.