الأرقام تتكلم: أبوظبي تُعيد صياغة مفهوم الاقتصاد المستدام
أبوظبي - في مشهدٍ يعيد صياغة خارطة النفوذ المالي العالمي، لم تعد أبوظبي تكتفي بكونها حارساً لإمدادات الطاقة العالمية، بل باتت تفرض نفسها كعاصمة لرأس المال والمركز الأكثر ديناميكية واستقطاباً للاستثمارات العابرة للحدود. هذا التحول الهيكلي ترجمته لغة الأرقام في أحدث تقارير مركز إحصاء أبوظبي، مؤكداً أن الإمارة تعيش طفرة اقتصادية تتجاوز مفهوم النمو التقليدي إلى التمكين الإستراتيجي الشامل.
وأعلن المركز اليوم الاثنين، أن الناتج المحلي الإجمالي للإمارة بلغ 325.7 مليار درهم (88.68 مليار دولار) خلال الربع الثالث من عام 2025، محققاً نمواً لافتاً بنسبة 7.7 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتأتي هذه النتائج لتعكس مرونة الاقتصاد الإماراتي وقدرته على التفوق في بيئة اقتصادية عالمية مليئة بالتحديات.
وأثبتت أبوظبي أن "ما وراء النفط" هو واقع ملموس وليس مجرد خطة مستقبلية، حيث سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً قوياً بنسبة 7.6 بالمئة. وقفزت مساهمة القطاعات لتشكل 54 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، مما يعني أن المحركات الحقيقية للاقتصاد باتت ترتكز على التكنولوجيا، التجارة، العقارات والسياحة.
ويمنح هذا النجاح الهيكلي ميزانية الإمارة "حصانة" ضد تقلبات أسعار الخام العالمية، ويخلق قاعدة استثمارية مستدامة. وم يأتِ تصنيف أبوظبي كمركز مالي عالمي من فراغ، بل هو نتاج لمنظومة تشريعية استباقية يقودها سوق أبوظبي العالمي (ADGM).
وتشهد الإمارة حالياً انتقالاً نوعياً لمكاتب عائلية (Family Offices) وصناديق تحوط ومليارات الدولارات من مراكز تقليدية مثل لندن ونيويورك، بحثاً عن الاستقرار والبيئة التنظيمية التي تتبنى القانون الإنكليزي العام.
وبفضل الريادة في تنظيم الأصول الرقمية (Crypto) والابتكار في التكنولوجيا المالية (FinTech)، تحولت أبوظبي إلى مختبر عالمي لرسم ملامح مستقبل المال والاقتصاد الرقمي.
وتعد الصناديق السيادية لأبوظبي، مثل جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA) ومبادلة وشركة "القابضة" (ADQ)، القوة الضاربة التي تحمي النمو.
ولا تكتفي هذه الصناديق بتعزيز مكانة أبوظبي كأكبر مستثمر في العالم، بل تقوم بدور "المايسترو" في تنمية القطاعات الحيوية محلياً، عبر ضخ استثمارات هائلة في التكنولوجيا الحيوية، الطاقة المتجددة وصناعة أشباه الموصلات، مما يضع الإمارة في قلب سلاسل التوريد العالمية الجديدة.
ومن خلال "استراتيجية أبوظبي الصناعية"، تهدف الإمارة إلى مضاعفة حجم قطاع التصنيع إلى 172 مليار درهم بحلول 2031، مع التركيز على الصناعات الكيماوية، الأدوية والآلات الدقيقة.
وجعل الاستثمار الضخم عبر شركة "مصدر" أبوظبي لاعباً عالمياً في الهيدروجين الأخضر، مما يضمن لها قيادة قطاع الطاقة حتى بعد عصر النفط.
وباختصار يمكن القول إن هذه الطفرة ليست مجرد أرقام عابرة، بل هي تتويج لاستراتيجية "اقتصاد الصقر" التي تدمج بين الوفرة المالية والرؤية الجريئة. ومع استمرار هذا الزخم، تترسخ مكانة أبوظبي كوجهة أولى للمواهب العالمية ورؤوس الأموال الباحثة عن بيئة عمل تجمع بين الأمان الفائق والنمو غير المحدود.