الأصمعي يرى أن قصيدة النثر حظيت باهتمام لم يحظ به أي جنس أدبي آخر

الناقد الأكاديمي يؤكد أن مجيء "قصيدة النثر" مثّل الانطلاق نحو الحرية والتغيير للواقع المحيط.


مفهوم "قصيدة النثر" لا يرتبط بالتجديد في الشعر العالمي واعتبار الشعر العربي جزءاً لا يتجزأ منه فقط


حاول أدونيس أن يقدم "قصيدة النثر" للقارئ العربي بصفتها نوعاً متميزاً من الإبداع الأدبي

تتناول هذه الدراسة "قصيدة النثر دراسة نقدية" للناقد د. علي الأصمعي والتي حصل بها على درجة الدكتوراه جانباً مهماً من جوانب الإبداع العربي متمثلاً في الشعر، والعملية التقويمية المصاحبة له، وتتجسد في النقد الأدبي وتختص بدارسة قصيدة النثر، وهي الجنس الأدبي التي ربما تكون الأكثر جدلاً بين الشعراء والشعراء، والشعراء والنقاد، وبين الشعر والنقد؛ وذلك لما تمتلكه من خصائص تجعلها تتداخل بين فني الشعر والنثر، وتنفتح على الأجناس الأدبية الأخرى مثل القصة والرواية والمسرح وتؤهلها للأخذ والعطاء مع الفنون والعلوم الإنسانية، والتأثر بالثقافة الأوروبية والتمرد بشكل كلي أو شبه كلي على قوانين الشعر العربي القديمة والحديثة.
رأى الأصمعي أن قصيدة النثر حظيت باهتمام لم يحظ به أي جنس أدبي آخر فكانت مسار حوار وجدل بين الشعراء والشعراء، والشعراء والنقاد، ومن له صلة بالنقد الأدبي، ومن لا يعتد به في هذا المجال حتى تحول هذا الاهتمام من مجال فني شعري في بعض الدراسات إلى فكري، وثقافي وأيدولوجي في دراسات أخرى. ولم يصل الأمر في بعض الأحيان إلى دراسة أو بحث فكان الرفض لقصيدة النثر من موقف مسبق وكذلك قبولها.
ولفت إلى أن معظم أراء الرافضين تعود إلى موقف يتعلق بالشعر الحداثي عامة، وطريقة تلقيه في مجتمعاتنا العربية والتي سارت على جرس موسيقى العروض الذي وضع علمه الفراهيدي، وسار على هذا العلم الشعراء والنقاد حتى ظهور "قصيدة النثر" في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد ساعد تأثير التعليم ومناهجه، والإعلام ومواده الثقافية المختلفة والمتمسكة بنوع معين من الشعر إلي رسوخ مفهوم واحد للشعر العربي في نفوس المجتمعات العربية عرف بـ "الموزون المقفى" ويؤكد ذلك د. صلاح فضل فيوضح دور الإعلام في تهميش حركات التجديد في الشعر العربي حتى يصل في بعض ما يقدمه  إلي الجانب التعليمي "بطء الملاحقة التعليمية في مناهج الدراسة لهذه الحركات فمعظمها في الوطن العربي يتوقف مليًا أمام الفترة الإحيائية ويختطف من الفترة الرومانسية بعض اللمحات المهجرية والوجدانية ثم يتجمد عند منتصف القرن دون أن يعدوه، ولا يعترف علي الإطلاق بالحداثة ولا قصيدة النثر".
وأشار الأصمعي إلى أن مفهوم "قصيدة النثر" لا يرتبط بالتجديد في الشعر العالمي واعتبار الشعر العربي جزءاً لا يتجزأ منه فقط؛ بل يرتبط أيضاً بالمحاولة التجريبية الدائمة والمستمرة من الشعراء العرب من ناحية، وتسخير طاقات اللغة العربية وإمكاناتها في الابتكار والتخطي والسعي الدائم إلى تجاوز الشكل السلفي وتجديد كل قديم ومستنفد من ناحية أخرى، حتى جاء القرن العشرون وخاصة في النصف الثاني منه والذي لم يكد يشهد ميلاد قصيدة التفعيلة حتي أتت قصيدة النثر لتعلن تمردها الكلي والتام علي كل القوانين والأعراف التي تقيد الشعر وخاصة الوزن والقافية، لكن يجب الإشارة هنا إلى أن منتصف القرن العشرين، وإن كان البداية الحقيقية للتجديد الشعري قد سبقه الكثير من المحاولات للخروج على الأحكام السلفية الجامدة التي قيدت الشعر، ويعود ذلك إلى طبيعة الشعر المتمردة ومحاولته الدائمة لتغيير نمط إبداعه، وقد تمثل ذلك في صور مختلفة للإبداع الشعري عبر عصور الأدب المختلفة.
وأكد أن التطور في شكل وبنية القصيدة ودلالات النص ورؤيته الواقع وتعامله معه قد أحدث أزمة في التفاعل مع القارئ العربي المعاصر؛ ذلك القارئ الذي تعود القراءة بطريقة تقليدية يحصل فيها علي بغيته دون معاناة من النص؛ نتيجة لتكوينه الثقافي، الذي تعود فيه على التهام النص، واستهلاكه دون عطاء له؛ وذلك لأنه تعود على القراءة والتلقي بطريقة موروثة، وأسلوب تفسيري محافظ حتي صار ذلك مشكلة من مشكلات الثقافة العربية. 

التطور في شكل وبنية القصيدة ودلالات النص ورؤيته الواقع وتعامله معه أحدث أزمة في التفاعل مع القارئ العربي المعاصر.

ويوضح أدونيس رأيه في هذه المشكلة بقوله: من المشكلات التي ولدها مبدأ القياس على الأصل أو النموذج مشكلة التكوين الثقافي للقارئ أو المثقف العربي نفسه فهذا المبدأ يقتضي عمليا تناقل الموروث الثقافي بالطرق التفسيرية المحافظة، وهنا تكمن الأسباب التي أدت إلى نموذج للمثقف العربي يمكن أن نسميه "المثقف المدرسي" وهو نفسه النموذج الذي يوجه المدرسة العربية اليوم ويخطط لمناهجها التربوية ولتقدمها وفقا لأدونيس.
ولفت الأصمعي إلى أن رواد "قصيدة النثر" توجهوا إلى بتر هذا القياس، في محاولة للوصول إلي نموذج جديد من المثقفين العرب، غير النموذج المستهلك، نموذج يربط الإبداع بالتجاوز ويربط الوقوف عند حد ما في القراءة بالانتقال إلى ما هو دونه من تأويل وتفسير ونص جديد مغاير ومختلف عن النص الأول، لذلك طرح وتبنى رواد "قصيدة النثر" طرق الحداثة والتي رأوا فيها الهجوم الشامل على طرق التلقي والقراءة السائدة والتقليدية؛ مما يحدث خرقا ثقافيا جديدا ينفذ من خلال الإبداع إلى رؤية شاملة لمشروع ثقافي، حضاري وشامل فتمثلت رؤيتهم الحداثية بمفهوم العمل الإبداعي، والذي يعتبر فيه الشاعر بنيه النص وتشكيلة والطريقة التي تعود المتلقي أن يستقبله بها؛ ويؤدي ذلك إلى خروج المتلقي من عالمه الثقافي والنفسي المحيط به إلى ما لم يألفه من قبل وصار لسان حال الرؤية تتمثل في إخراج القارئ / المتلقي "من بلده النفسي والروحي إلي بلد غريب آخر، حيث يصبح هائما على وجهه بين أشجار وآلهة وأعمدة ومشاهد ومشاعر لم يألفها حيث الحب والموت شيء آخر" كما يقول أدونيس.
وقال الأصمعي "مثل مجيء قصيدة النثر الانطلاق نحو الحرية والتغيير للواقع المحيط الذي ضاق بالشعراء العرب الشبان، وكان شوقهم الدائم لشعر جديد توازيه روح التمرد التي امتازوا بها؛ ولقد هيأتهم كل العوامل السابقة للخروج بالنص من حالته الكلاسيكية المعتادة إلى حالة جديدة مستوحاة من الأدب الغربي المتحرر". 
ووفقا للناقد كمال نشأت "كانت الحداثة الشعرية التي يمثلها أدونيس ودعوته إلى التمرد والهدم والتطلع إلى حياة وشعر جديدين متنفسا لكل ما في نفوس الشباب من سخط وتمرد وضيق بالواقع الضاغط، ومحاولة للهروب منه وفي متاهة اليأس والإحباط اكتشف الشعراء الشباب شاعرا رافضا، يدعو إلي هدم المعوقات وإلى حياة جديدة منطلقة، وإلى شعر جديد يليق بهذه الحياة، وكانت الدعوة نافذة انطلقت منها الأحلام بعيدة عن الواقع المؤلم".
وأضاف "لعل من أهم الأسباب التي جعلت الشعراء الشبان يجدون في دعوة أدونيس المتنفس والمخرج لنصهم الإبداعي وواقعهم في نفس الوقت هو جمود النص الشعري القديم واستقراره في قالب معين / برواز غير قابل للانزياح أو التبدل، وأصبح الخروج من هذا البرواز / السياج خروجا عند كثير من النقاد عن الذائقة الشعرية، وعند بعضهم خروجا عن الدين وتعاليمه. فكان سعي شعراء قصيدة النثر الدائم لإيجاد وسيلة تظهر الملامح المتميزة للقصيدة العربية حيث لاحت قصيدة التفعيلة متخلصة من سجن القافية، ثم أطلت قصيدة النثر لتعلن التمرد التام على كل القيود والأشكال الموروثة". 
ويعترف أدونيس أنه أخذ مصطلح قصيدة النثر من كتاب سوزان برنار "قصيدة النثر من بودلير حتي وقتنا الراهن"، وقد حاول أدونيس في بدايات حديثه عن "قصيدة النثر" أن يقدمها للقارئ العربي بصفتها نوعاً متميزاً من الإبداع الأدبي وشعراً خالصاً يستخدم النثر لأغراض شعرية خالصة تقوم على بناء فني له أسس وقواعد وقوانين. 
ويوضح ذلك أدونيس بقوله "هي نوع متميز قائم بذاته، ليست خليطا، شعر خاص يستخدم النثر لغايات شعرية خالصة، لذلك لها هيكل وتنظيم ولها قوانين ليست شكلية فقط، بل عميقة وعضوية كما في أي نوع فني آخر". 
وبينما يرى أدونيس أنها "نوع متميز بذاته" يرى محمد علي الشوابكة أنها نوع من الكتابة "الكتابة" التي لا تتقيد بوزن أو قافية وإنما تعتمد على الإيقاع والكلمة الموحية والصورة الشعرية، وغالبا ما تكون الجمل قصيرة محكمة البناء مكثفة الخيال".
وأوضح الأصعي أن التشكيل البصري يلعب دوراً مهماً في إبرار إيقاع قصيدة النثر؛ وذلك عن طريق رسم القصيدة بطريقة فنية معمارية تتوزع عبر فضاءات الصفحة؛ فتكون لوحة إبداعية تشارك فيها علامات الترقيم والسواد والبياض بعد أن كان هذا البياض لا يظهر إلا بين الشطرين في القصيدة التقليدية؛ مما جعل القصيدة "قصيدة النثر" مفعمة بالدلالات ويتمثل الإيقاع البصري في: التكرار البصري والدلالي والمتمثل في تكرار حرف أو كلمة أو عبارة أو صياغة أو بياض أو علامات ترقيم أو نقاط، كما يأتي في استهلال القصيدة، وتبادل الأثر والتأثير بين خفاء الغابة وتجليها كما في التنكير والتعريف والتنافذ بين الصور الواقعية والصور المجازية. 
ويتكأ الإيقاع البصري علي مرجعية الحواس ويرافق طول السطر الشعري أو قصره، وبنظر فاحصة لنماذج معينة وعند بعض شعراء قصيدة النثر مثل: محمد الماغوط، أنسي الحاج؛ نلاحظ أن جميع القصائد تنفق في بنائها الشكلي علي الاندراج في نفس الرسم الخارجي لقصيدة التفعيلة؛ بمعني عدم التساوي بين الأبيات والأسطر ولا تلتزم التساوي على الإطلاق كما تختلف القصائد فيما بينها في العنوان حيث يختفي العنوان من قصيدتين، ويستبدل بأرقام، وفي عدد الأبيات والأسطر.