هل تخلّت إيران عن حزب الله؟

التطورات الأخيرة كشفت حدود شعار وحدة الساحات، وأظهرت أن هذا المفهوم يخضع لسقوف جغرافية وسياسية صارمة، حيث تُميِّز طهران بدقة بين أمنها القومي المباشر وأمن حلفائها.

السياسة ليست ساحة للأوفياء أو الخونة، بل هي مختبر بارد لـ"موازين القوى"، ومن لا يملك قراره المستقل والسيادي المبني على مقومات دولته وجغرافيته، يجد نفسه دائماً وقوداً في لعبة الأمم الكبرى.

تنطلق اليوم من هذه الحقيقة الاستراتيجية الباردة، الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة كلما أمسى وأصبح اللبنانيون على غارة صهيونية تهدم وتقتل وتشرد، وكلما مرّ العدوان دون رد إيراني مباشر يوازي حجم الخطاب الذي ساد لعقود حول وحدة الساحات أو الجبهات ووحدة المصير: هل تخلّت إيران عن حزب الله؟ وهل يكشف صمتها إزاء ما تتعرض له الضاحية الجنوبية لبيروت وبيروت نفسها من ضربات متكررة عن تحوّل جذري في طبيعة العلاقة بين الطرفين؟ وهل بات الحليف الذي طالما قُدِّم بوصفه رأس الحربة في مشروعها الإقليمي يواجه مصيره وحيداً؟ أم أن ما يبدو صمتاً ليس سوى جزء من حسابات أكثر تعقيداً لا تظهر للعلن؟
إن علاقة إيران وحزب الله لم تكن في يوم من الأيام علاقة عابرة أو ظرفية. فمنذ تأسيس الحزب في مطلع الثمانينيات، شكّل أحد أبرز حلفاء طهران في المنطقة وأكثرهم التصاقاً برؤيتها السياسية والاستراتيجية. وقدّم الحزب على امتداد سنوات طويلة نموذجاً للحليف المخلص والمتفاني الذي لم يكتفِ بالتأييد السياسي، بل انخرط في معارك كبرى ودفع أثماناً بشرية ومادية هائلة دفاعاً عن خيارات اعتبرها جزءاً من معركة إقليمية أوسع تتجاوز حدود الدولة اللبنانية.
من هنا يبدو المشهد الحالي مربكاً للكثيرين، ومن يتابع آراء الكثير من المحللين العسكريين والسياسيين وتساؤلاتهم يزداد الأمر لديه ارتباكاً. فأغلبية التحليلات ترى أنه حين تتعرض الضاحية الجنوبية، التي تمثل القلب السياسي والشعبي للحزب، لضربات صهيونية متكررة، وحين تُستهدف مواقع وقيادات مرتبطة به، يتوقع كثيرون أن يكون هناك رد إيراني على مستوى ما يُروَّج له من متانة التحالف. غير أن ما يظهر حتى الآن هو تمسك إيراني بخطاب الدعم السياسي والإعلامي فقط، يقابله غياب لرد مباشر، وهذا ما يمكن اعتباره تغييراً لموازين الصراع أو فرضاً لقواعد اشتباك جديدة.
وهنا يكمن جوهر المسألة؛ المشهد لا يمكن اختزاله في أحكام قطعية كـ"الخيانة المطلقة" أو "الدعم الأعمى"، بل يجب قراءته من منظور الواقعية السياسية التي تحكم سلوك طهران كـ"دولة" قبل أن تكون "ثورة". لقد كشفت التطورات الأخيرة حدود شعار وحدة الساحات، وأظهرت أن هذا المفهوم يخضع لسقوف جغرافية وسياسية صارمة، حيث تُميِّز طهران بدقة بين أمنها القومي المباشر وأمن حلفائها.
لكن البعض يرى أن طهران لم تتخلَّ عن حزب الله بقدر ما أعادت ترتيب أولوياتها بناءً على حسابات استراتيجية معقدة. فهي تدرك أن التصعيد العسكري المباشر قد يكون الفخ الذي يستدرجها إلى الدخول في مواجهة جديدة تسعى إليها إسرائيل لجر الولايات المتحدة لمواصلة تدمير البنية التحتية والنووية الإيرانية؛ ومن هنا يصبح الامتناع عن الرد خياراً محسوباً يُدرج تحت بند "الصبر الاستراتيجي".
وهنا لا بد من الإشارة إلى حقيقة لطالما غابت عن الأذهان: وهي أن ترسانة حزب الله بُنيت طوال عقود لتكون خط الدفاع الأخير والرادع الأساسي لمنع ضرب إيران نفسها، وبالتالي فإن تضحية طهران بالدخول مرة أخرى في حرب شاملة من أجل حماية الحزب تُلغي الوظيفة الأساسية التي وُجد لأجلها في الحسابات الإيرانية العليا. هذا كله ينضم إلى التحديات الداخلية والضغوط الاقتصادية والسياسية الخانقة التي تواجهها طهران، والتي تجعل المجازفة بالحرب خطراً قد يفجر الجبهة الداخلية.
أيضا هناك مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن طبيعة العلاقة نفسها تمر بمرحلة مراجعة قسرية. فالصورة التي ترسخت لسنوات حول شبكة ردع متماسكة قادرة على الرد الجماعي تبدو اليوم أقل وضوحاً، خصوصاً بعد الاختراقات الأمنية القاسية التي تعرضت لها قيادات الحزب، والتي فرضت على طهران حذراً شديداً في التواصل اللوجستي والميداني. يضاف إلى ذلك تعقد خطوط الإمداد عبر سوريا مقارنة بالحروب السابقة (كحرب 2006)، مما جعل تقديم الدعم العسكري الفوري أمراً بالغ الصعوبة.
ربما من هنا ينشأ الشعور بالمرارة لدى بعض أنصار الحزب ومؤيديه ومحلليه السياسيين. فهؤلاء لا ينظرون إلى المسألة باعتبارها مجرد تحالف سياسي، بل يرون أن الحزب قدّم تضحيات جسيمة في إطار مشروع إقليمي واسع، وأن من الطبيعي أن ينعكس ذلك في مواقف عملية واضحة عندما يتعرض لضغوط وجودية داخلية أو لاستهدافات متواصلة خارجية. إنه الصدام الحتمي بين رومانسية الشعارات والمصير المشترك وبراغماتية الدولة وحسابات البقاء. أما المدافعون عن الموقف الإيراني فيرون أن التحالف لا يعني بالضرورة أن تخوض إيران حرباً مباشرة كلما تعرض أحد حلفائها لهجوم، وأن لكل دولة حساباتها التي لا يمكن تجاوزها مهما بلغت قوة العلاقات.
وبين هذين التفسيرين يبقى الواقع أكثر تعقيداً من الحكم القطعي. فلا توجد حتى الآن دلائل حاسمة على أن إيران قررت التخلي عن حزب الله بالمفهوم الإيديولوجي أو السياسي، فالحزب يبقى الاستثمار الإقليمي الأثمن لها. لكن المؤكد أن "منطق الدولة" في طهران قد انتصر في النهاية على "منطق العقيدة الدينية"، وجغرافيا "المركز" فرضت شروطها الصارمة على أحلام "وحدة الساحات"؛ حيث تخلت عن فكرة الحماية الوجودية المتبادلة عبر الفوضى الشاملة، وتركت الحزب ليدير معركته بما يمتلك من قدرات ذاتية تحت سقف استنزاف العدو، دون السماح بجر العمق الإيراني إلى الهاوية.
ومع ذلك يبقى الموقف الإيراني محاطاً بقدر كبير من الغموض، غموض يجعل كل عدوان صهيوني جديد على لبنان وكل يوم يمر بلا رد مباشر سبباً إضافياً لإعادة طرح السؤال ذاته: هل تغيرت قواعد العلاقة فعلاً، أم أن ما يجري ليس سوى فصل جديد من لعبة إقليمية لم تُكشف أوراقها كاملة بعد؟.