كيف حول الارتهان الصهيوني الحضارة الغربية إلى حارس لمقبرة حقوق الشعوب؟

جوهر الانهيار يبدأ من فقدان الاستقلال؛ فالعواصم التي كانت يوماً تصيغ استراتيجياتها بناءً على "المصالح القومية العليا"، أصبحت اليوم رهينة لما يمكن تسميته "الاستعمار الداخلي". لقد نجحت الصهيونية العالمية، عبر أخطبوط مالي وإعلامي، في اختراق النخبة السياسية الغربية لدرجة جعلت الدفاع عن إسرائيل "شرطاً مسبقاً" لتولي المنصب.

فوفقا لخلاصات التحليلات لم يكن صعود كير ستارمر في بريطانيا إلا عملية "هندسة سياسية" لطرد أي نفس استقلالي داخل حزب العمال. وفي ألمانيا، يتجاوز أولاف شولتس حدود "التكفير عن الماضي" ليصل إلى مرحلة "التبعية المطلقة" التي تضحي بمصالح ألمانيا الاقتصادية مع الشرق مقابل إرضاء تل أبيب.

هذا الارتهان خلق طبقة من الحكام تأتمر بأوامر قادة الصهيونية (بمن فيهم ترامب وجو بايدن وجاستن ترودو ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فجميعهم انطلاقا من تحليل مواقفهم وخطاباتهم يعملون كمديرين تنفيذيين لمصالح "أيباك" الصهيونية وأخواتها، بدلاً من العمل كقادة لشعوبهم.

وتمثل حرب الإبادة في غزة اللحظة الفارقة في تاريخ الحضارة الغربية؛ فهي ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي "الثقب الأسود" الذي ابتلع كل ادعاءات الغرب حول "الديمقراطية"، و"حقوق الإنسان" و"القانون الدولي".

 إن الصمت الغربي، بل والدعم الميداني بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية لمحو شعب بأكمله، كشف أن الغرب لم يعد يملك "الولاية الأخلاقية" لقيادة العالم. عندما يبرر قادة مثل ماكرون وشولتس قتل الأطفال بوصفه "دفاعاً عن النفس"، فإنهم يدمرون الأساس الفلسفي الذي قامت عليه الليبرالية الغربية. لقد سقطت "القيم الكونية" تحت أنقاض غزة، وحل محلها قانون الغاب الذي تديره الصهيونية، مما جعل الغرب يبدو أمام "الجنوب العالمي" ككيان منافق وعنصري، لا يرى الإنسانية إلا في من يخدم مشروعه الاستعماري.

هذا الارتهان الصهيوني يتجلى أيضا واضحا في دفع الغرب نحو صدام انتحاري مع لبنان وإيران. إن القادة الغربيين، بدلاً من كبح جماح التوسع الصهيوني، يتحولون إلى "منصات إطلاق" سياسية وعسكرية لحماية الاعتداءات الإسرائيلية. هذا التورط لا يخدم أمن أوروبا ولا أميركا، بل يضع مصالحهم في مهب الريح ويستنزف ميزانياتهم في حروب "بالوكالة" تهدف إلى تثبيت الهيمنة الصهيونية. إنهم يضحون بدماء جنودهم واستقرار اقتصادهم العالمي فقط لضمان ألا تقوم للمنطقة قائمة، وهو انتحار جيوسياسي يجعل الغرب مكشوفاً أمام القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا.

لكن هناك ما هو أقبح مما سبق ويتمثل مع التحالف العضوي مع الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط وأفريقيا، الصهيونية العالمية تدرك أن  الديمقراطية الحقيقية في المنطقة تعني استقلال القرار الوطني ورفض التبعية؛ لذا، تفرض على قادة الغرب (من ترامب إلى ماكرون) حماية الطغاة. يتحول الغرب هنا إلى "شرطي يحمي الجلاد"، حيث يُقمع الشباب العربي والأفريقي بأسلحة ودعم غربي، لضمان بقاء أنظمة وظيفتها الأساسية هي حماية "أمن إسرائيل" وقمع أي تطلع نحو الحرية. هذه الرعاية للديكتاتوريات هي التي تخلق موجات الكراهية والهجرة والاضطراب، وهي نتيجة مباشرة لتقديم الأمن الصهيوني على الكرامة الإنسانية.

نقول ما سبق لكي نؤكد على أن الحضارة الغربية اليوم تعيش فصلها الأخير كقوة ملهمة؛ فقد تحولت إلى "هيكل أجوف" تحركه أصابع الصهيونية العالمية. ولكن، يظل هناك سؤال ضروري ومهم: هل يولد في رحم هذا الانهيار وعي جديد؟ فالتظاهرات التي لا تزال تجتاح أوروبا وأميركا، خاصة في جامعات النخبة (هارفارد، أكسفورد، السوربون) تشير إلى أن "الأجيال القادمة" في الغرب بدأت تدرك أن قادتها يبيعون مستقبلهم في سوق النخاسة الصهيوني.

ومع ذلك فإن السقوط ليس قادراً على منع نفسه ما دام القرار في واشنطن ولندن وباريس وبرلين رهينة لـ"مبدأ الصهيونية أولاً". إننا نعيش لحظة "التآكل الذاتي"؛ حيث تنتهي الحضارة ليس لأنها هُزمت، بل لأنها فقدت  الحق في الوجود أخلاقياً وسياسياً، وتحولت من منارة للعلم والقانون إلى حارس لمقبرة حقوق الشعوب.