الانتخابات العراقية والسياق الكُردي الراهن: مفاصل التحول والتصدّع
الكُرد بين مفترق بغداد وأربيل... قبل أي انتخابات، يُستفتح الحديث عن التوقعات التكتيكية والاستراتيجية لما قد يشكّله الفوز أو الخسارة في خريطة القوى الحقيقية.
في الحالة العراقية، تكتسب هذه التوقعات بُعدًا خاصًا حين يتعلق الأمر بالأحزاب الكُردية، لأن موقعها ليس فقط محليًا داخل الإقليم، بل يتداخل مباشرة مع معمعة الصراع على السلطة بين المحاور الشيعية والسُنيّة، ويتأثر بعوامل دولية مثل واشنطن والتحالف الدولي، وإقليمية مثل (تركيا، إيران، إقليم كردستان، سوريا).
تتجه الأنظار في العراق إلى الاستحقاق الانتخابي القادم وسط حالة من الترقب والتوجس، ليس فقط لما قد تسفر عنه صناديق الاقتراع من تغيّرات في ميزان القوى السياسية، بل لما يمكن أن تفرزه المرحلة التالية من تحالفات معقدة ستحدّد شكل الحكومة الجديدة وموقع القوى المختلفة داخلها.
وفي قلب هذه المعادلة، يبقى المكوّن الكُردي أحد المفاتيح الأكثر حساسية في التوازن العراقي، لما يمثله من ثقل سياسي واقتصادي، ولما يملكه من قدرة على التأثير في مسار تشكيل الحكومات أو تعطيلها، في ضوء الانقسام الداخلي والتحديات العالقة بين أربيل وبغداد.
وبالنسبة لواشنطن، فإن الأولوية الأساسية هي تحقيق الاستقرار المؤسسي في بغداد، من خلال حكومة قادرة على إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية وتجنّب عودة العنف أو سيطرة الميليشيات التي تعمل لصالح إيران.
فضلاً عن هدف ثانوي مهم، يتمثل في حماية المصالح الأمريكية (وجود عسكري محدود، تنسيق ضد داعش، مصالح اقتصادية واستثمارية، واحتواء النفوذ الإقليمي لإيران).
لذلك، تعتبر الانتخابات القادمة نافذة لتقوية الشركاء المعتدلين وتقليل نفوذ الفواعل المعادية لواشنطن، من خلال منع انتصار واضح للجهات الموالية لإيران أو التي تنوي دمج الميليشيات داخل هياكل الدولة بطريقة تُقوّض سلطة الحكومة، لأن ذلك سيُقلّص قدرة الولايات المتحدة على التعاون الأمني والسياسي مع العراق.
وإذا سألنا من سيكون الفائز الحقيقي في التحالفات القادمة، فإن واشنطن تتابع أي تكتّل قادر على تشكيل حكومة براغماتية لا تهدّد التزامات بغداد الإقليمية والدولية.
أما فيما يتعلق برؤية واشنطن تجاه الأحزاب الكُردية وموقعها في المعادلة الانتخابية من الناحيتين الجيوسياسية والعملية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر الإقليم الكُردي شريكًا استراتيجيًا مهمًا للاستقرار، فيما يخصّ (مكافحة داعش، المناخ الاستثماري، الممرّ النفطي الوظيفي، والعامل المؤثر في التوازن الإقليمي).
لذلك تتبنّى واشنطن نهجًا يقوم على تشجيع الحوار بين (أربيل – بغداد)، والدفع نحو حلول اقتصادية وقانونية تفاوضية.
وفيما يتعلق بتقييم الفروق بين الكيانات الكُردية، فإن واشنطن لا تدعم حزبًا كُرديًا بعينه علنًا، مع ملاحظة احتفاظ الحزب الديمقراطي الكُردستاني بروابط قوية – إلى حدٍّ ما – مع الولايات المتحدة مقارنة بالأحزاب الكُردية الأخرى، خاصة الاتحاد الوطني الكُردستاني.
لكن في الوقت نفسه، تميل واشنطن عمليًا إلى التعاون مع قوى كُردية تستطيع أن تكون شريكًا مستقرًا وملتزمًا بالاتفاقات مع بغداد (لضمان استمرارية عقود الطاقة والاستثمارات وحماية القواعد الأمريكية).
وفي ضوء ذلك، فإن أي حزب أو تحالف كُردي يُظهر قدرة على التوصل إلى تسويات عقلانية، سيحظى بتسهيلات سياسية ودبلوماسية أمريكية، وإنْ كان ذلك من خلف الستار.
ومن جهة أخرى، تفضّل واشنطن كتلة كُردية موحّدة، لأنها تُسهّل التفاوض مع بغداد وتُقلّل من “الفوضى السياسية”، لكنها تدرك هشاشة هذا الاحتمال على الأرض، وتُدير توقعاتها وفق سيناريوهات التمزّق أو الوحدة، تبعًا لمصالح ماكينة الرقابة السياسية في واشنطن.
وأحيانًا تدعم أدوات بناء السلم والتقارب عبر الوسطاء والدعم التقني، وليس من خلال التدخل الحزبي المباشر.
سيناريوهات تأثير واشنطن على واقع الأحزاب الكُردية (بناءً على أدواتها وقدراتها):
تعزيز الاستقرار والتقارب:
عبر دعم ملفات فنية (الميزانية، تصدير النفط، عمل الحكومة) والضغط الدبلوماسي على بغداد لتسوية بعض الملفات، ما يسهّل على الأحزاب الكُردية إظهار مكاسب داخلية.
تحييد الفواعل الميليشياوية وتفضيل الشركاء المعتدلين:
إذا بدا أن الانتخابات تُعطي زخماً لجهات موالية لإيران تسعى لضمّ الميليشيات رسميًا، ستتحرك واشنطن بالضغط (سياسيًا ودبلوماسيًا وربما بعقوبات أيضًا) للحفاظ على توازن لا يُقصي الكُرد أو يجعلهم سلبيين.
وعادةً ما تحاول واشنطن إبقاء الكتلة الكُردية فاعلة وذات مصالح مرتبطة ببغداد (لحمايتها من التهميش أو فقدان المقاعد)، لأن ذلك يخدم الاستقرار الإقليمي ومصالح الطاقة والاستثمار. لكنها لن تُنقذ أي حزب كُردي من انهيار داخلي، إذا لم يتوافق مع قواعد اللعبة المحلية والإقليمية، وهذا هو بيت القصيد.
وإذا بدت الانتخابات القادمة أنها تمكّن فواعل معادية لواشنطن من السيطرة، فستستخدم الأخيرة أدوات ضغط دبلوماسية وقيودًا اقتصادية وأمنية لتقليل التأثير، مع محاولة دعم شركاء معتدلين داخل العراق (بما في ذلك أحزاب كُردية براغماتية حليفة لمراكز القرار في واشنطن).
كما ستوجّه الجهود نحو حلول تفاوضية مع بغداد حول الميزانية والنفط، لتكسب الأحزاب الكُردية جدّية وواقعية تمنحها قبولًا دوليًا وأمريكيًا، مع تجنّب خطوات أحادية تُثير قلق الأطراف الإقليمية أو تُظهر انغماسًا مع فصائل مسلّحة، لأن ذلك سيزيد من مخاطر العقوبات أو فقدان الدعم الخارجي.
وخلال العامين الماضيين، شهد الإقليم الكُردي تحوّلات سياسية متسارعة، أسفرت عن خريطة حزبية متقلّبة ومشهدٍ متشابك تتنافس فيه ثلاثة تيارات رئيسية:
الحزب الديمقراطي الكُردستاني، الذي لا يزال يحتفظ بزعامة وسيطرة قوية في أربيل ودهوك.
الاتحاد الوطني الكُردستاني، الذي يرسّخ نفوذه في السليمانية وكركوك.
حركات صاعدة مثل الجيل الجديد، التي تعبّر عن امتعاض شعبي من الأداء التقليدي للحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان.
ورغم أن نتائج الانتخابات البرلمانية في الإقليم عام 2024 أكّدت استمرار هيمنة الحزبين الكبيرين، فإنها كشفت أيضًا هشاشة التوازن بينهما نوعًا ما، وتراجع الثقة الشعبية لدى بعض النخب السياسية القديمة.
يُضاف إلى ذلك التوتر المزمن بين الإقليم والمركز حول ملفات الموازنة، وتصدير النفط، والسلطة القضائية، والمناطق المتنازع عليها، وصلاحيات الإقليم، وقوات البيشمركة، والسياسة الخارجية، وهي قضايا ما زالت تمثل محورًا أساسيًا في أي مفاوضات مقبلة مع بغداد.
وبعد أسابيع، يدخل الكُرد إلى الانتخابات المقبلة وهم أكثر انقسامًا من أي وقت مضى، لكنهم يدركون أن وزنهم البرلماني يظل حاسمًا في موازين تشكيل الحكومة. ويُرجّح مراقبون أن تتراوح النتائج المحتملة بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: كتلة كُردية موحدة وفاعلة
إذا تمكّنت الأحزاب الكُردية من تجاوز خلافاتها الداخلية وتشكيل تحالف موحّد، فإنها ستدخل البرلمان بقوة تفاوضية مؤثرة، قادرة على ترجيح كفة أي تحالف وفرض شروطها في توزيع المناصب التنفيذية والحقائب الوزارية.
السيناريو الثاني: دور الحسم دون قيادة التحالفات
وهو الأكثر ترجيحًا، إذ يُتوقع أن يتعامل الكُرد مع النتائج بمرونة تكتيكية، فينضمون إلى التحالف الذي يقدّم ضمانات أكبر للإقليم، دون أن يشكّلوا محورًا قياديًا بحدّ ذاتهم. وفي هذه الحالة، سيكون تأثيرهم موازنًا لا مقرّرًا، لكنه سيمنحهم فرصًا لتثبيت مكاسبهم الاقتصادية والسياسية.
السيناريو الثالث: التراجع إلى الهامش السياسي
في حال تفاقمت الانقسامات بين الحزبين الرئيسيين، أو تراجعت نسبة المشاركة في مناطق الإقليم، قد يخسر الكُرد مقاعد حيوية، ما يضعف موقعهم في أي مفاوضات لتشكيل الحكومة، ويجعلهم طرفًا ثانويًا بدل أن يكونوا “بيضة القبان” في المعادلة السياسية.
ورغم تعدد الرؤى بين القوى الكُردية، فإن أهدافها السياسية تتقاطع في أربع نقاط رئيسية:
ضمان الاستقلال المالي النسبي للإقليم عبر تثبيت حصة عادلة من الموازنة الاتحادية واستعادة آلية تصدير النفط ضمن اتفاق واضح مع بغداد.
توسيع الصلاحيات الإدارية بما يتفق مع الدستور العراقي، خصوصًا في مجالات الأمن الداخلي والاستثمار وإدارة المنافذ الحدودية.
تمثيل سياسي متوازن داخل الحكومة الاتحادية المقبلة، يشمل حقائب استراتيجية تتيح للإقليم التأثير في السياسات الاقتصادية والتنموية.
تأمين علاقة مستقرة مع المركز تقوم على التعاون لا التنازع، مع معالجة الملفات المؤجلة مثل المناطق المتنازع عليها (كركوك، نينوى، ديالى).
ويواجه رئيس الوزراء العراقي القادم تحديًا معقدًا في إدارة العلاقة بين المكونات الثلاثة الكبرى (الشيعة، السُنة، الكُرد).
فأي تجاهل للمطالب الكُردية قد يُفجّر أزمة سياسية تُضعف استقرار الحكومة منذ بدايتها، في حين أن الإفراط في التنازلات قد يثير غضب الكتل الأخرى.
ومن المرجّح أن يسعى رئيس الوزراء الجديد إلى تسوية براغماتية تُعيد الثقة مع الإقليم عبر اتفاقات اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، مع الحفاظ على هيبة الدولة في إدارة الملفات السيادية.
وخِتامًا، تبدو الانتخابات القادمة مفصلًا حاسمًا في إعادة صياغة العلاقة بين بغداد وأربيل.
فالكتلة الكُردية، رغم تراجع بعض نفوذها النسبي، ما زالت تملك أوراقًا جوهرية يمكن أن تُغيّر شكل الحكومة القادمة، شرط أن توحّد خطابها وتتعامل مع المرحلة بعقلية تفاوضية واقعية.
إن مستقبل العراق السياسي سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة القوى الكُردية على أن تكون شريكًا في الحل، لا مجرد طرف في الصراع — وذلك سيكون الاختبار الحقيقي للديمقراطية العراقية في جولتها المقبلة.