خطوط متوازية لا تلتقي وطرق متفرعة تصطدم! مسار التحديات بين أربيل وبغداد
أسفرت الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في 11 نوفمبر 2025 عن خريطة سياسية متبدلة لا تمسّ فقط بغداد، بل تعيد تشكيل معادلات القوى بين حكومة كُردستان والحكومة الاتحادية في بغداد. بالنسبة لإقليم كُردستان، فإن النتائج فتحت نافذة انتقادات وفرصاً في آن واحد: فوز واضح لبعض الأحزاب الكُردية الكبرى في محافظات الإقليم أعاد زخماً نوعياً لقياداتها، بينما عززت تحالفات القوى الشيعية (الموالية أو الميالة) لإيران وضعاً مركّباً في بغداد يحتاج إلى قراءة دقيقة من قبل أربيل.
إقليم كُردستان: ما له وما عليه
أولاً – ما له: حققت الأحزاب الكُردية أداءً قوياً داخل محافظات الإقليم، خصوصاً لصالح الحزب الديمقراطي الكُردستاني في أربيل ودهوك، واستعاد الإقليم جزءاً من قدرته على فرض شروط في مفاوضات الميزانية وتوزيع المناصب المركزية بوجود تمثيل برلماني معزز. وهذا الأداء يمنح حكومة الإقليم هامشاً لحركة أكبر وأوسع في التفاوض مع بغداد حول موارد النفط والحصص المالية، وقضايا الإدارة الذاتية لحكومة كُردستان باعتبارها إقليمًا فيدراليًا معترفًا به في إطار الدستور العراقي الحالي.
ثانياً – ما عليه: رغم الأداء الإقليمي القوي، لا يملك الكُرد وحدهم معايير فرض أجندتهم في الحكومة الاتحادية إذا تقاربت قوى محورها طهران أو تشكلت أغلبية مهنية أو تحالفية تُهمّش الأصوات الكُردية. فمن ناحية، إعلان تحالفات الأحزاب ذات الميول الإيرانية في بغداد عن تشكيل أكبر كتلة برلمانية قد يضع ضغوطاً على مطالب الإقليم إذا ربطت بغداد مطالبها بمشاريع أمنية أو سياسات إقليمية لا تتقاطع مع طموحات أربيل.
دور الولايات المتحدة وأوروبا بين الضبط والتمكين:
واشنطن تراقب النتائج بمعيارين متوازيين: استقرار المؤسسة العراقية وقدرتها على مقاومة النفوذ الإيراني، وكذلك حماية المصالح الأميركية الأمنية والاستثمارية في العراق. تصريحات ومواقف أميركية ما بعد الاقتراع أظهرت رغبة في حكومة قادرة على تقديم خدمات والاستجابة لمطالب الشارع العراقي، وهذا يفتح مجالاً أمام وساطة أميركية بين بغداد وأربيل، خصوصاً في الملفات الأمنية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن قدرة واشنطن على فرض حلول نهائية محدودة بوجود توازنات إقليمية معقدة ومصلحة أميركية متوازنة بين ضبط إيران وضمان استمرار العلاقات مع بغداد.
الاتحاد الأوروبي:
أشاد الاتحاد بعملية الاقتراع وحرص على تعزيز المؤسسات والديمقراطية، وقدّم إشارة رمزية تؤكد على الدعم السياسي والمالي لإعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية. أما على صعيد التفاعل مع الإقليم، فالاتحاد الأوروبي بمؤسساته الدبلوماسية يميل إلى لعب دور تقني وداعم لبرامج الحكم المحلي والتنمية الاقتصادية، وهو ما يمكن أن يستفيد منه إقليم كُردستان في تأمين دعم دولي لمشروعات البنية التحتية والحوكمة دون الدخول في سجالات إقليمية.
الضغوط والوساطات الإقليمية:
إقليمياً، تبدو كل من تركيا وإيران والسعودية حريصة على ضبط تأثيرات الانتخابات في بغداد بما يتوافق مع مصالحهم. تركيا تراقب ملف النفط والتجارة وقلقها من أي استقطاب كُردي يؤثر على أمن حدودها. أما إيران فتسعى لتعزيز قوى سياسية في بغداد يمكن أن تضمن مصالحها الاستراتيجية، وقد تعني نصراً لخططها السياسية لتهميش مطالب الإقليم إن رأت أن ثمن المصالحة مع بغداد ينبغي أن يدفعه أربيل، خصوصاً في ملف قوات البيشمركة وملف النفط. وبخصوص السعودية وغيرها (قطر ومصر)، فقد تتنافس في دعم مشاريع اقتصادية وسياسية تهدف إلى موازنة النفوذ الإقليمي.
هذه الديناميكيات تضع إقليم كُردستان العراق أمام شبكة وساطات محتملة، بعضها مفيد (أي وساطة تُفضي إلى اتفاقيات مالية وأمنية واضحة)، وبعضها يحمل مخاطرة استغلالية (أي إضعاف مطالب الحكم الذاتي الفيدرالي مقابل امتيازات مؤقتة).
سيناريوهات قادمة:
التموضع البناء (التعاوني): استثمار التمثيل البرلماني لتعزيز شراكات تقنية مع الاتحاد الأوروبي وواشنطن، والضغط على بغداد من داخل العملية السياسية للحصول على ضمانات مكتوبة لصلاحيات الإقليم وحصصه من الميزانية.
التموضع الصلب (التحفّظ والتصعيد الجزئي): إذا حافظت كتلة إيرانية قوية على سلطتها، فمن المفيد أن تلجأ أربيل لأساليب ضغط إدارية (تجميد بعض الصادرات أو رفع سقف المطالب الدستورية) مع مراعاة عدم المخاطرة بتوتر العلاقات مع بغداد. بمعنى آخر: تحقيق مكاسب للإقليم مع الحفاظ على توازن سياسي وحذر دبلوماسي مع بغداد.
المساومة الإقليمية (خيار مستبعد شديد الحساسية): صفقات مع قوى إقليمية أو داخلية تُقايض حقوقاً حكومية مقابل دعم سياسي قصير المدى، وهي مخاطرة قد تؤدي إلى فقدان رصيد شعبي طويل الأمد.
توصيات عملية للوفد التفاوضي الكُردي:
إطلاق مسار تفاوضي فني مباشر مع بغداد تحت إشراف دولي (الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي) يركز على ثلاثة ملفات: الميزانية، النفط والتصدير، واستثمار الموارد البشرية (الوظائف والرواتب). (توصية قابلة للتنفيذ فورياً عبر قنوات دبلوماسية).
تفادي المساومة الأمنية والسياسية: الاتفاق على آلية مشتركة لإدارة القضايا الأمنية في المناطق المتنازع عليها، مع إشراك بعثات أممية أو بعثات مدنية أوروبية كضمانة مستقبلية.
تعزيز جسر مع المجتمع المدني والاقتصاد المحلي: استقطاب المزيد من الاستثمارات الأوروبية والعربية لمشروعات البنية التحتية، بحيث تولّد وظائف حقيقية تقلّل الاعتماد على الميزانية الاتحادية.
إدارة العلاقات مع طهران وأنقرة بواقعية: الحفاظ على حوار مستمر مع الجارين لتقليل حساسية ملفات الطاقة والحدود، وفي الوقت نفسه بناء شبكات تأمين دولية مع واشنطن وبروكسل.
خارطة طريق دستورية: فتح إطار تفاوضي طويل الأمد حول تطبيق بنود دستورية (مثل المادة المتعلقة بحقوق الأقليات والملكية على الموارد) بآليات زمنية واضحة ومراقبة دولية.
وأخيراً، يبقى أمام إقليم كُردستان مفترق طرق بين استثمار النتائج الانتخابية لتثبيت مكاسب سياسية واقتصادية، أو الانجرار خلف منطق المساومات الإقليمية التي تقضم تدريجياً من خصوصياته. اللعبة الجديدة في بغداد ليست محلية فقط، بل محكومة بمعادلات دولية أميركية وأوروبية وإقليمية تجعل من الحوار المنظم، والوساطة التقنية، والاعتماد على مؤسسات مدنية وتنموية، الطريق الأكثر أماناً للأمن والاستقرار والازدهار في إقليم كُردستان. الخيارات التي تتخذها قيادة الإقليم الآن ستحدد ما إذا كانت نتائج انتخابات 2025 بداية فصل جديد من الشراكة البناءة مع بغداد أم مجرد إعادة ترتيب مؤقت لسطح الأزمات القديمة بين الطرفين.