الانجرار إلى التصعيد يخدم الاحتلال

مصلحة الشعب الفلسطيني في ظل الظروف الراهنة تقتضي التفكير بعقلانية وتفادي أي أعمال عشوائية تمنح الاحتلال الذريعة لمزيد من التنكيل.

الحرب على قطاع غزة وما يحدث في الضفة الغربية من جانب جيش الاحتلال يعكس خططاً لتوسيع العمليات العسكرية هناك بذريعة ارتفاع "مستوى التهديد". هذا التوجه ليس معزولاً عن السياق العام، بل يأتي امتداداً لسياسة الاحتلال القديمة التي تهدف إلى الضغط على الشعب الفلسطيني وتوسيع مسرح القمع كلما تفاقمت أزماته الداخلية أو تعثرت حساباته الميدانية.

بين الهجمات الفردية واستغلال الاحتلال لها، لا شك أن العمليات الفردية التي تقع بين الحين والآخر في الضفة الغربية تعبر عن غضب شعبي طبيعي إزاء سياسات الاحتلال من قتل واعتقال واستيطان، لكن التجربة أثبتت أن الاحتلال غالباً ما يستغلها ذريعة لتكثيف اقتحاماته للمدن والمخيمات وتشديد قبضته الأمنية على المجتمع الفلسطيني.

تتحول هذه الأفعال، مهما كانت دوافعها وطنية، إلى أوراق مجانية في يد الاحتلال يبرر بها أمام جمهوره والرأي العام العالمي مزيداً من التنكيل والعقاب الجماعي. ومع التحذير من الانسياق وراء الاستفزازات في هذا السياق، تبرز أهمية الوعي السياسي والعقلانية في إدارة ردود الفعل الشعبية.

ومن المؤكد أن الانجرار وراء الاستفزازات يحقق للاحتلال أهدافه المعلنة والضمنية: تصوير الفلسطينيين كـ"تهديد أمني دائم"، وتبرير التوغلات العسكرية، وفتح الطريق لموجات اعتقال واسعة، فضلًا عن فرض إجراءات ميدانية تخنق الحياة اليومية للفلسطينيين.

مصلحة الشعب الفلسطيني في ظل الظروف الراهنة تقتضي التفكير بعقلانية وتفادي أي أعمال عشوائية تمنح الاحتلال الذريعة لمزيد من التنكيل، خصوصاً أن الاحتلال يبحث دوماً عن أي حدث أمني لتبرير عدوانه المستمر. ولا شك أن الدفاع عن القضية الفلسطينية بعقلانية واجب وطني وأخلاقي، لكن إدارة هذا الدفاع يجب أن تكون مدروسة وواعية.

العقلانية هنا لا تعني التنازل أو التخلي عن الحق، بل تعني اختيار الأدوات التي تعزز صمود الشعب وتفضح جرائم الاحتلال أمام المجتمع الدولي. لذلك، التمسك بوحدة الصف الفلسطيني وتجنب الانقسام في المواقف والاعتماد على خطاب سياسي وحقوقي متماسك يشكلان الأساس لإفشال مخططات الاحتلال.

إن تنظيم الأداء الفلسطيني بشكل موضوعي يصعّب على الاحتلال تسويق روايته الأمنية أمام العالم. ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن إسرائيل تعاني من أزمة داخلية سياسية وعسكرية متفاقمة؛ فالحرب الطويلة على غزة لم تحقق أهدافها المعلنة، والاحتجاجات الشعبية داخل إسرائيل تتصاعد، فيما يواجه قادة الاحتلال اتهامات جنائية وضغوطاً دولية متزايدة. لذا فإن توسيع العمليات في الضفة محاولة للهروب إلى الأمام عبر تصدير الأزمة نحو الفلسطينيين وتحريف الأنظار عن الفشل في تحقيق "الحسم" في غزة.

التحدي الأكبر أمام الشعب الفلسطيني اليوم ليس فقط مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، بل أيضاً إدارة الصراع بحكمة تحول دون منح الاحتلال ذرائع مجانية. لذلك، العقلانية إلى جانب الصمود هي السلاح الأكثر فعالية في هذه المرحلة؛ فهي تحفظ الوحدة الوطنية وتُفشل خطط الاحتلال في استخدام الورقة الأمنية لتبرير عدوانه، وتُبقي الرواية الفلسطينية صلبة أمام العالم.

القضية الفلسطينية، التي عانت لعقود من محاولات التهميش والتصفية، تحتاج اليوم إلى خطاب ناضج وأساليب مدروسة في إدارة الصراع. لكن العقلانية لا تعني التخلي عن المقاومة، وإنما توجيهها ضمن رؤية استراتيجية تُفشل مخططات الاحتلال وتفضح جرائمه أمام الرأي العام الدولي.

يحاول الاحتلال باستمرار أن يصور نفسه كضحية للإرهاب، بينما الواقع يبرهن أن الفلسطينيين هم الضحية الحقيقية لسياساته القائمة على الإبادة والتطهير العرقي. هنا يكمن دور الفعل الفلسطيني الواعي في قلب الصورة وتثبيت رواية الحق؛ فكل خطوة غير محسوبة، وكل فعل فردي لا يستند إلى رؤية واضحة، قد يُستخدم كذريعة لتصعيد جديد يضاعف معاناة المدنيين ويفكك وحدة الصف الوطني.