غزة بين "جباية حماس" وقمع الاحتلال
حالة من التخبط تضرب مفاصل حركة حماس، التي باتت تواجه العديد من الأزمات، أبرزها محدودية الموارد المالية للحركة، التي كانت تعتمد بشكل أساسي على التمويلات الخارجية، تحديدًا من إيران، نتيجة الحصار الصارم الذي فرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي على كافة المعابر وغالبية الأنفاق في قطاع غزة، والتي كانت أحد الروافد الأساسية في تلقي حماس الدعم المادي واللوجستي.
تدرك حماس أن مستقبلها السياسي بات محفوفًا بالمخاطر، في ظل السعي الإسرائيلي للقضاء على الحركة نهائيًا، وليس إبعادها عن حكم قطاع غزة فقط. وفي ظل المتغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة، تظهر مؤشرات على أن الحركة أصبحت تمثل خطورة على مسار القضية الفلسطينية، إذ يتخذ جيش الاحتلال من مواقفها ذريعة لاستهداف عدد من المواقع داخل غزة، على الرغم من سريان وقف إطلاق النار وفقًا لاتفاق شرم الشيخ.
الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة تسبب في أزمة مالية طاحنة لحماس، بعد استهداف العديد من المواقع التي كانت تعد مصدرًا لتعزيز قدرتها المالية. ما قد يشير إلى تورط الحركة في الاستيلاء على المساعدات الإنسانية المخصصة للمدنيين وإعادة بيعها بأسعار مبالغ فيها، وهو ما يعمق الأزمة ويدفع بمزيد من المدنيين إلى أن يكونوا ضحايا صراع فُرض عليهم.
حماس، التي من المفترض أن تقوم بدورها الطبيعي في توفير متطلبات سكان غزة وتخفيف الأعباء المعيشية عنهم، أصبحت عبئًا ثقيلًا على القطاع برمته، نتيجة انعكاسات القصف الإسرائيلي الذي دمر غالبية البنية التحتية. والأخطر من ذلك هو قيام الحركة بتوزيع عناصرها على الأماكن التي تتواجد فيها ماكينات الصراف الآلي، والاستيلاء على نسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة من الرواتب المخصصة للموظفين والمواطنين.
استغلال الأزمة لتحويل مصادر دخل المواطنين، التي لا تكفي أصلًا في ظل الوضع المأساوي للقطاع، إلى مصادر دخل للحركة، ينذر بمؤشر خطير، ويكشف عن الوجه الحقيقي للمقاومة التي تفضل مصالحها على حساب حياة المواطنين في غزة. فبرغم المأساة غير المسبوقة في تاريخ القطاع، كان من المفترض أن تعمل الحركة على التخفيف من معاناة المجتمع، لا أن تفرض الاستيلاء على جزء من الرواتب المحدودة، ما يعكس تناقضًا صارخًا بين خطاب المقاومة والواقع.
ما تقوم به حماس يعكس حالة الانهيار الاقتصادي داخل غزة، إذ تشهد الأنشطة التجارية حالة من الشلل التام، إلى جانب ارتفاع معدل البطالة وتراجع القوة الشرائية، والاعتماد شبه الكامل على المعونات لمواجهة الجوع الذي يتوغل في القطاع، لعدم كفاية تلك المعونات بسبب التعنت الإسرائيلي في حصار المعابر، إضافة إلى تعرض حافلات المساعدات للسطو قبل وصولها للسكان.
استقطاع نسبة من الرواتب خطوة أثارت غضبًا شعبيًا وزادت من حدة الانتقادات الموجهة للحركة، التي يُنظر إليها على أنها تفاقم معاناة السكان بدلًا من مساعدتهم، مستغلة نفوذها في السلطة لإعادة ملء خزائنها المستنزفة. المواطن الذي فقد وظيفته ومنزله في الحرب لا يستطيع تحمّل أن يشاركه أحد في مصدر دخله الضئيل، وخاصة السلطة الحاكمة التي عجزت عن توفير متطلبات الحياة.
الأزمة التي يواجهها قطاع غزة ليست مالية فقط، بل أزمة ثقة بين مجتمع على أعتاب الانهيار وسلطة تسعى للحفاظ على كيانها حتى لو تطلب ذلك التضحية بالمواطنين. وتؤدي هذه التصرفات غير المسؤولة إلى انعدام الثقة وتوسيع الفجوة بين شعب غزة وسلطة حماس، التي يتآكل رصيدها الشعبي يومًا بعد يوم.
ما حدث عند ماكينات الصراف الآلي يُعد رسالة بأن غزة وصلت إلى مرحلة بالغة الخطورة، في ظل تحول المواطن إلى ضحية للصراعات السياسية. لذلك يتطلب الأمر اتخاذ خطوات جادة وفورية لتجنب الانفجار الداخلي الذي بات وشيكًا، ولا يقل خطورة عن أعمال القصف التي تتعرض لها غزة من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ما تقوم به حماس يعكس حالة الانهيار الاقتصادي داخل غزة،