الرباط تكتب حكايتها الثقافية: من ابن بطوطة إلى مؤسسة التازي.. حين تتحول المعرفة إلى مشروع دولة
في الرباط، لا يشبه الربيع هذا العام أي موسمٍ مضى. المدينة التي اعتادت هدوءها الأنيق، تبدو وكأنها دخلت في حالة يقظة ثقافية استثنائية. هنا، حيث تتقاطع الأزمنة وتتشابك الرموز، لا يُقام المعرض الدولي للنشر والكتاب كحدث عابر، بل كفصل جديد في رواية مغربية تُكتب بعناية، وتُروى بثقة، وتُقرأ بأكثر من لغة.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن الدورة الحادية والثلاثين ليست مجرد تظاهرة ثقافية، بل إعلان ضمني عن تحول عميق: الثقافة لم تعد هامشًا، بل صارت في صلب الرؤية.
افتتاح يحمل أكثر من معنى
حين ترأس ولي العهد الأمير مولاي الحسن افتتاح المعرض، لم يكن المشهد بروتوكوليًا بقدر ما كان محمّلًا برسائل دقيقة. في تنقله بين الأروقة، في توقفه عند الكتب، وفي إنصاته للعارضين، بدا وكأن الدولة نفسها تُعيد اكتشاف علاقتها بالمعرفة.
هذا الحضور يعكس توجهًا يقوده العاهل المغربي الملك محمد السادس، حيث تُفهم الثقافة كرافعة للتنمية، لا كترفٍ رمزي. وهو ما يتجلى في تفاصيل المعرض: تنوع المشاركين، انفتاحه على العالم، وحضوره كمنصة للحوار الثقافي والدبلوماسي في آن واحد.
من البيضاء إلى الرباط… انتقال الرؤية
انتقال المعرض من الدار البيضاء إلى الرباط لم يكن مجرد تغيير جغرافي، بل تحوّل في الفلسفة، فالعاصمة اليوم لم تعد فقط مركزًا إداريًا، بل تحولت إلى فضاء ثقافي متكامل، خاصة بعد اختيارها عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026.
في الرباط، لا تقام الثقافة داخل القاعات فقط، بل تتنفس في الشوارع والساحات. المعرض هنا ليس حدثًا منفصلًا، بل امتداد لحياة ثقافية مستمرة، تجعل من المدينة نصًا مفتوحًا يُكتب كل يوم.
داخل أروقة المعرض، يتغير تعريف الكتاب. لم يعد مجرد منتج يُعرض، بل فكرة تُناقش، ومشروع يُبنى، ومسار يُرسم. الناشرون، الكتّاب، القراء، وصناع القرار… جميعهم يتحركون داخل منظومة واحدة، تُعيد تشكيل العلاقة بين الثقافة والاقتصاد.
الحضور الكثيف للأطفال والشباب، والورشات التفاعلية، والمبادرات الرقمية، كلها تعكس وعيًا جديدًا: القراءة لم تعد نشاطًا فرديًا صامتًا، بل تجربة اجتماعية حية، تواجه تحديات العصر الرقمي بلغة جديدة.
مؤسسة التازي حين تتحول الذاكرة إلى تجربة حية
وسط هذا الزخم، برز دور مؤسسة عبدالهادي التازي كأحد أبرز الفاعلين الذين نجحوا في ربط الماضي بالحاضر بطريقة ذكية ومؤثرة.
المؤسسة، التي تحمل اسم المؤرخ والدبلوماسي المغربي الراحل عبدالهادي التازي، لم تكتفِ بعرض الكتب، بل قدمت تجربة ثقافية متكاملة أعادت إحياء روح الرحلة والمعرفة. من خلال تقديم كتاب "على خطى ابن بطوطة"، وعرض مخطوطات وخرائط نادرة، استطاعت أن تحوّل الزيارة إلى رحلة حقيقية عبر الزمن.
داخل رواقها، لم يكن الزائر مجرد قارئ، بل مستكشف. الخرائط لم تكن وثائق جامدة، بل بوابات نحو عوالم بعيدة، والمخطوطات لم تكن أثرًا تاريخيًا فقط، بل دليلًا على عمق مساهمة المغرب في إنتاج المعرفة الإنسانية.
هذا الدور يعكس فلسفة أعمق: الثقافة ليست فقط ما نقرأه، بل ما نعيشه. ومؤسسة التازي نجحت في جعل التاريخ تجربة حسية، تُلامس خيال الزائر وتدفعه لإعادة التفكير في معنى الرحلة، تمامًا كما عاشها ابن بطوطة قبل قرون.
استحضار ابن بطوطة في هذه الدورة لم يكن احتفاءً تقليديًا، بل إعادة تقديمه كرمز معاصر. الرحالة الذي جاب العالم لم يعد مجرد شخصية تاريخية، بل أصبح استعارة لمغرب منفتح، يرى في المعرفة سفرًا دائمًا، وفي الاكتشاف أسلوب حياة.
ومن خلال مبادرات مثل تلك التي قدمتها مؤسسة التازي، يتحول هذا الرمز إلى تجربة ملموسة. الزائر لا يقرأ فقط عن الرحلة، بل يعيشها، يشعر بها، ويستعيد دهشتها.
الرباط مختبر ثقافي مفتوح
ما يحدث في الرباط اليوم يتجاوز المعرض نفسه. المدينة تتحول تدريجيًا إلى مختبر ثقافي حي، تُختبر فيه علاقة المجتمع بالمعرفة.
برامج ثقافية ممتدة، فعاليات متنوعة، إدماج للتكنولوجيا، وانفتاح على مختلف الفئات… كلها عناصر تؤكد أن الثقافة أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، وليست مجرد حدث موسمي.
هذا التحول يعكس رؤية شاملة، تسعى إلى بناء صناعة ثقافية مستدامة، تخلق فرصًا اقتصادية، وتعزز العدالة الاجتماعية، وتفتح آفاقًا جديدة للشباب.
الثقافة كقوة ناعمة
في هذا السياق، تبرز الثقافة كأداة فعالة للدبلوماسية الناعمة. المعرض، بما يحمله من تنوع دولي، يتحول إلى مساحة للحوار بين الثقافات، حيث تُبنى الجسور بعيدًا عن السياسة المباشرة.
المغرب، من خلال هذا النموذج، لا يصدّر فقط منتجات ثقافية، بل يقدّم رؤية: أن المعرفة يمكن أن تكون لغة مشتركة، وأن الثقافة قادرة على تقريب المسافات بين الشعوب.
الرباط رواية تُكتب في الحاضر
في النهاية، لا يمكن النظر إلى الرباط اليوم كمدينة تستضيف معرضًا، بل كحكاية تُكتب أمام أعيننا. كل رواق فيها جملة، كل كتاب فكرة، وكل زائر شاهد على تحول هادئ لكنه عميق.
وبين حضور أميري يمنح المعنى، ومؤسسات ثقافية مثل مؤسسة التازي تعيد إحياء الذاكرة، ورموز تاريخية كابن بطوطة تُبعث بروح جديدة، تتشكل ملامح مغرب يكتب مستقبله بلغة المعرفة.
الرباط اليوم لا تكتفي بأن تُقرأ… بل تُؤلف نفسها، صفحة بعد صفحة، كمدينة اختارت أن تجعل من الثقافة قدرها، ومن المعرفة طريقها، ومن الإنسان غايتها الكبرى.


