المغرب يتحرك من جنيف لبناء قطب أفريقي للصناعات الدوائية

الخطوة المغربية تعكس توجها متسارعا نحو تعزيز السيادة الصحية والانخراط في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الطبي داخل القارة الإفريقية.

جنيف – أطلق المغرب خطوة جديدة ضمن مساعيه لتعزيز حضوره في قطاع الصناعات الدوائية الإفريقية، بعدما أعلن وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي، من جنيف، الشروع في إعداد خارطة طريق استراتيجية تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي للصناعات الدوائية والخدمات اللوجستية الصحية.

وجاء الإعلان خلال مباحثات رفيعة المستوى جمعت الوزير المغربي بممثلين عن مجموعة البنك الدولي ومؤسسة غيتس، على هامش الدورة التاسعة والسبعين لجمعية الصحة العالمية، المنعقدة في جنيف بين 18 و23 مايو/ايار الجاري.

وقالت وزارة الصحة المغربية، في بيان نشرته على صفحاتها الرسمية، إن اللقاء خُصص لبحث سبل تحويل المملكة إلى "منصة مرجعية في سلاسل الإمداد الطبي" وقاعدة إقليمية للتصنيع والتوزيع الدولي للمنتجات الصحية، بما يدعم السيادة الصحية على مستوى القارة الإفريقية.

وأضافت أن المشاورات ركزت على تحديد "التوجهات الاستراتيجية الأولية ومحاور العمل ذات الأولوية"، باعتبارها أساسا لإعداد خارطة طريق مشتركة تندرج ضمن "المبادرة الإفريقية للولوج إلى الأدوية والتصنيع الطبي في أفق 2030"، التي ترعاها مجموعة البنك الدولي بهدف تعزيز التصنيع الطبي القاري.

وتعكس هذه الخطوة توجها مغربيا متسارعا نحو تعزيز السيادة الصحية والانخراط في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الطبي داخل القارة الإفريقية، في ظل التحولات العالمية التي فرضتها الأزمات الصحية خلال السنوات الأخيرة، وما كشفته من هشاشة الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية في توفير الأدوية والمنتجات الطبية.

ولا يُنظر إلى المشروع المغربي باعتباره مجرد توسع صناعي في قطاع الصحة، بل باعتباره تحولا استراتيجيا ذا أبعاد اقتصادية وجيوسياسية واجتماعية عميقة، يمكن قراءته من خلال ثلاثة محاور رئيسية.

تكريس السيادة الصحية والأمن الدوائي

عقب أزمة جائحة كورونا، أدركت دول العالم أن الاعتماد الكامل على سلاسل التوريد العالمية في قطاع الصحة يشكل مخاطرة كبرى. وفي هذا السياق، يسعى المغرب إلى رفع نسبة تصنيع الأدوية محليا، خصوصا الأدوية الحيوية والمبتكرة واللقاحات، بهدف تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

ويُرتقب أن يسمح هذا التوجه بحماية السوق الوطنية من أي اضطرابات أو أزمات مستقبلية قد تصيب سوق الدواء العالمي، في وقت بات فيه الأمن الدوائي جزءا من الأمن الاستراتيجي للدول.

المغرب كبوابة صحية نحو إفريقيا

ويبدو أن الرباط لا تبني هذه المنظومة للاستهلاك المحلي فقط، بل تستهدف أيضا تعزيز حضورها داخل العمق الإفريقي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة اتفاقياتها التجارية وبنيتها التحتية المتطورة، فامتلاك المملكة لمنشآت لوجستية كبرى، مثل ميناء طنجة المتوسط وشبكات النقل الحديثة، إلى جانب مشاريع صناعية متقدمة كمصنع اللقاحات 'ماربيو' ببنسليمان، يؤهلها للعب دور "المنصة اللوجستية" لإنتاج وتوزيع الأدوية والمستلزمات الطبية نحو دول إفريقيا جنوب الصحراء.

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يمنح المغرب أيضا ورقة دبلوماسية جديدة داخل القارة، عبر دعم الأنظمة الصحية الإفريقية وتعزيز التعاون جنوب–جنوب في مجالات الصحة والصناعة الدوائية.

جذب الاستثمارات والانتقال نحو اقتصاد المعرفة

وتمتلك الصناعة الدوائية المغربية قاعدة صناعية عريقة تغطي جزءا مهما من الاحتياجات المحلية، غير أن الانتقال إلى وضع 'المركز الإقليمي' يعني دخول مرحلة جديدة تقوم على استقطاب استثمارات كبرى في الصناعات الدوائية المتقدمة.

ويستهدف المغرب جذب شركات عالمية لإنشاء مراكز أبحاث ومصانع لإنتاج أدوية الجيل الجديد، خاصة في مجالات التكنولوجيا الحيوية واللقاحات، بالتوازي مع تطوير منظومة اللوجستيك الصحي، التي تعتمد على تقنيات متطورة وسلاسل تبريد دقيقة لضمان نقل وتخزين المنتجات الطبية وفق المعايير الدولية.

ومن شأن هذا التحول أن يخلق فرص عمل عالية الكفاءة، ويدفع الاقتصاد الوطني نحو قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة مرتبطة باقتصاد المعرفة والابتكار.

وأكدت وزارة الصحة أن اللقاء الذي جرى بمناسبة انعقاد الدورة التاسعة والسبعين لجمعية الصحة العالمية، كشف عن "دينامية مشتركة" بين مختلف الأطراف لإطلاق مبادرة مهيكلة تروم تقوية مكانة المغرب كمنصة إقليمية في مجالات التصنيع الدوائي ولوجستيك المنتجات الصحية، إلى جانب دعم سلاسل الإمداد الصحي الإفريقية، بما ينسجم مع أهداف الميثاق الوطني للصحة والتوجهات الاستراتيجية بعيدة المدى للمملكة.

وأشار البيان إلى أن مختلف الأطراف المشاركة أشادت بـ"تقارب الرؤى" بشأن المؤهلات الاستراتيجية التي يمتلكها المغرب للعب دور إقليمي محوري، مستندة إلى الدينامية الإصلاحية التي تشهدها المملكة، خصوصا في مجالات تعزيز السيادة الصحية وتطوير البنيات التحتية اللوجستية والصناعية وتحديث الإطار التنظيمي الدوائي.

واتفق المشاركون، بحسب البيان، على مواصلة التنسيق والتشاور لتحديد آليات التعاون والشراكة المستقبلية، بهدف تعزيز الأمن الدوائي وتحسين ولوج المنتجات الصحية إلى الأسواق الإفريقية انطلاقا من المغرب.

ويأتي الإعلان المغربي في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإعادة بناء منظومات صحية أكثر قدرة على الصمود، وضمان وصول أكثر عدالة واستدامة للأدوية، وهو ما يمنح المشروع المغربي بعدا استراتيجيا يتجاوز حدود السوق المحلية نحو رهانات النفوذ الاقتصادي والصحي داخل القارة الإفريقية.

وتبدو خارطة الطريق الجديدة ترجمة عملية لرؤية المملكة في الموازنة بين البعد الاجتماعي، عبر مواكبة مشروع التغطية الصحية الشاملة بإنتاج دواء محلي متاح وذو جودة، والبعد الاقتصادي، من خلال جعل القطاع الصحي محركا جديدا للنمو والتصدير، وهي خطوة تنقل المغرب تدريجيا من موقع "المستهلك" في منظومة الصحة العالمية إلى موقع "الفاعل والمخطط" إقليميا داخل إفريقيا.

ودخل ملف تطوير القطاع الصحي في المغرب مرحلة التنفيذ الفعلي، إذ أن تحويل المملكة إلى مركز إقليمي للصناعات الدوائية والخدمات الصحية في إفريقيا سيجعل من الضروري تسريع وتيرة تطوير البنية التحتية الطبية والعلمية، وإنشاء مؤسسات صحية وبحثية تعمل وفق معايير عالمية، بما يتلاءم مع متطلبات الصناعات الدوائية الحديثة.

ومن المنتظر أن تنعكس هذه الدينامية على توسعة شبكة المستشفيات والمراكز الطبية ومؤسسات البحث العلمي والتكوين المتخصص، الأمر الذي قد يساهم في بناء منظومة صحية أكثر تطورا وكفاءة، ويصب بشكل مباشر في صالح المجتمع المغربي، سواء من حيث تحسين جودة الخدمات الصحية أو خلق فرص عمل جديدة وتعزيز مكانة المغرب كمركز صحي وعلمي إقليمي داخل القارة الإفريقية.