الرهان الخاسر.. من مستنقع إيران إلى متاهة لبنان

ترامب الذي بدأ حملته ضد إيران بلغة الحسم، دخل المتاهة الإيرانية التي جلبها لنفسه عبر سلسلة من الأخطاء المتسرعة من خلال بناء سردية لاتفاق إقليمي واسع.

تزايدت نبرة التفاؤل بعد الجولة الأخيرة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة، واتفاق وقف إطلاق النار الجديد، الذي ينص على منع أي دولة أو جهة غير حكومية من احتجاز لبنان كرهينة، في إشارة ضمنية إلى طهران وحزب الله دون ذكر أسمائهما صراحة.

نظريًا، من المفترض أن تؤدي الجولات الأربع للمحادثات وهذا الاتفاق إلى تسوية شاملة للسلام والأمن، تمنح لبنان الدعم اللازم لإنهاء التدخل الإيراني في البلاد. فمن أبرز بنوده مفهوم المناطق الأمنية التجريبية في لبنان، بهدف خلق مناطق خالية من وجود حزب الله. ومع ذلك، لا يتوقع أن تنهي الصفقة هجمات الحزب التي ستدفعه للانسحاب شمال نهر الليطاني.

كان من المفترض أن يتحقق ذلك منذ ثمانينيات القرن الماضي، وضمن اتفاق الطائف، وصولًا إلى القرار الدولي رقم 1701 عام 2006 لإنهاء الحرب في ذلك العام. ومع ذلك، تم استثناء حزب الله من نزع سلاحه.

وأغلب الظن أن هذا الاتفاق أيضًا قد لا يصل إلى مبتغاه؛ لأن طهران ما زالت بحاجة لورقة الحزب في المفاوضات الجارية مع واشنطن، ولن تتنازل عنه إلا في إطار صفقة شاملة تضمن لها الاستقرار وعدم استهدافها عسكريًا، فضلًا عن صيغة تسمح لها بإبقاء سيطرتها على مضيق هرمز، ولو إداريًا فقط كمرحلة أولى.

وحتى وفق أكثر التوقعات تفاؤلًا، فإنه لو طُبِّق الاتفاق، فسيقدم هدية مجانية للحزب؛ إذ إن ترحيل قواته إلى شمال الليطاني قد يعني تمدده فعليًا على معظم الأراضي اللبنانية، ما يسمح بتعزيز هيمنته على مؤسسات الدولة، ونشر سلاحه وفتح الباب أمام صدام مدني مع عناصره. وحاليًا، هناك أنباء عن وقوع اشتباكات بين أهالي قرى الجنوب وعناصر الحزب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الدولة التي لم تستعد عافيتها بعد نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وانعكاس ذلك على قدرة السلطات الرسمية في تلبية احتياجات المواطنين، ستمنح فرصة ذهبية للحزب ومؤسساته المدعومة من إيران للعب دور الدولة؛ وبالتالي تتكرر تجربة الجنوب في شمال لبنان، مما يضمن للحزب ولاء سكان تلك المناطق أيضًا.

فعليًا، لا يريد حزب الله تصدر المشهد السياسي الرسمي في لبنان؛ لأنه يعلم أن هذا سيجعله في بؤرة الأهداف الإسرائيلية التي تتعامل معه حاليًا بضربات تشريحية وانتقائية باعتباره عنصرًا مسلحًا، لكن في حال سيطرته العلنية، لن يكون اجتياح لبنان سوى مسألة وقت. فالوضع الحالي يسمح له بالمناورة السياسية والعسكرية بأقل الضغوط وتحت غطاء الدولة والشعب اللبناني الذي بات رهينة له.

أما في إسرائيل، تبدو المفاوضات المباشرة التي تجري في واشنطن إيجابية، لكنها تحتاج من واشنطن استخدام كل وزنها السياسي وممارسة ضغوط اقتصادية قوية لتهميش إيران وحزب الله، أو بمعنى آخر استمرار الحرب التي يريدها نتنياهو لإنقاذ نفسه قبل موعد الانتخابات المقبلة، فضلًا عن أن قادة جيشه يرون أن الجبهات التي انفجرت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم يتم حسم أي منها فعليًا، وهذا المأزق هو الذي تلعب عليه المعارضة في إسرائيل.

ويرون أنه إذا أراد ترامب تحقيق نجاح باهر وانتصار حقيقي في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فسيتعين عليه مراجعة استراتيجيته بشكل عميق واتباع سياسة خارجية متماسكة وفعالة وأكثر جدية بكثير.

أما الرئيس الأميركي، الذي يواجه إحراجًا في الملف الإيراني بعدما أصبح في دائرة الابتزاز التفاوضي، فيبحث عن نصر آخر قد يمنحه فرصة أفضل أمام ضيق الوقت الذي بات يُقاس بالأيام والأسابيع، سواء مع اقتراب احتفالات كأس العالم أو أعياد الاستقلال التي تليها انتخابات التجديد النصفي للكونغرس؛ لذا يضع آمالًا كبيرة في التوصل إلى اتفاق عاجل.

فترامب الذي بدأ حملته ضد إيران بلغة الحسم، دخل المتاهة الإيرانية التي جلبها لنفسه عبر سلسلة من الأخطاء المتسرعة من خلال بناء سردية لاتفاق إقليمي واسع. وبالنسبة له، فإن كل فعل إسرائيلي في لبنان يقاس بسؤال واحد: هل يساهم أم يعرقل عملية الهروب؟ فهو يريد اتفاقًا، لكنه لا يستطيع تحمل اتفاق ضعيف سيبدو كنسخة من اتفاق أوباما.

أما إيران فما زالت تتمترس خلف لعبة الوقت، وتمارس ضغوطًا على ترامب وابتزازه للحصول على أقصى مكاسب ممكنة على طاولة التفاوض التي باتت تسيطر عليها تقريبًا. وهي ترى أنه كلما طالت المفاوضات، تلاشت قدرة الرئيس الأميركي على الادعاء بأن الإنجاز العسكري تُرجم إلى إنجاز دبلوماسي واضح.

ستظل آليات التنفيذ هي العقبة الأساسية أمام أي اتفاق دائم بين إسرائيل ولبنان الذي يفتقر إلى الأدوات والدعم؛ فالجيش اللبناني متواضع الحجم، ومبلغ 230 مليون دولار لا يشتري سيطرة سيادية على ميليشيا تمتلك 30 عامًا من البنية التحتية المتجذرة والدعم الإيراني. وحتى لو حصل الجيش اللبناني على الدعم الكامل دون توافق مع طهران، فمن المرجح أن يتعثر التنفيذ تحت التهديد بإشعال حرب أهلية.

ونحن الآن على بعد أيام من استكمال الشهر الثالث من الحرب، بدأت علامات الإرهاق تظهر على الجميع: النظام الإيراني الذي يعاني تداعيات الحرب والحصار، ويخشى ردة فعل الشارع، والأزمة بين ترامب ونتنياهو التي وصلت إلى حد الإهانات الشخصية واتهامات بالجحود، والجيش الأميركي الذي يعاني من نقص في اللوجيستيات بحسب التقارير العسكرية، وكذلك الجيش الإسرائيلي الذي تبددت قواه فوق ثلاث جبهات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فضلًا عن انقسامات داخل المؤسسة العسكرية ترددت أصداؤها في الصحافة العبرية.

وبالعودة إلى تاريخ الوساطة الأميركية في الشرق الأوسط، نجد أنها برغم امتلاكها كافة الأدوات اللازمة، تتعثر دائمًا في نهاية الطريق. ومباحثات واشنطن الحالية هي مجرد فرصة لا أكثر، والفرص غالبًا ما تتلاشى، إلا إذا قررت الحكومة الإسرائيلية، أولًا وقبل كل شيء، اتباع سياسة خالية من الاعتبارات الحزبية أو الانتخابية، ووقف نزيف الدم والخراب في لبنان، ليس لإعطاء إيران سببًا للنصر، ولكن لتجريدها من إحدى أهم أوراقها التفاوضية. في هذه الحالة ستنفصل المسارات، على الأقل مؤقتًا، وهذا هو الثمن الذي يجب أن تدفعه تل أبيب.