الزيادة في الرسوم الجمركية تنذر بتأجيج التوتر بين أربيل وبغداد

غرفة تجارة وصناعة دهوك تصف الزيادات بأنها "حادة"، محذرة من تداعياتها على أسعار المعيشة، خاصة وأنها شملت سلعاً تمثل العمود الفقري للمائدة العراقية.

أربيل - مع مطلع العام 2026، عاد ملف "السيادة المالية" ليتصدر مشهد التوتر الصامت بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان. فخلف قرار الزيادة في التعريفة الجمركية، تختبئ أزمة ثقة عميقة وتجاذبات بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على الأسواق المحلية، وسط تحذيرات من تحول المعابر الحدودية من بوابات للتبادل التجاري إلى ساحات لفرض الإرادات السياسية.

ووصفت غرفة تجارة وصناعة دهوك الزيادات الأخيرة في الرسوم الجمركية بأنها "حادة" وغير مدروسة، خاصة وأنها مست سلعاً تمثل العمود الفقري للمائدة العراقية.

وأكدت الغرفة أن الرسوم على مواد مثل اللحوم، الأسماك والشاي قفزت من مستويات دنيا كانت تقارب 1 بالمئة لتتراوح حالياً ما بين 6 و30 بالمئة، مما يعني عملياً رفع أسعار التجزئة بنسب قد لا يتحملها المستهلك ذو الدخل المحدود.

ويبرز الخلاف الجوهري في تعريف السلع الضرورية؛ فبينما تعلن بغداد حماية المواطن من الغلاء، تؤكد سجلات تجار الإقليم أن القوائم الجديدة لم تستثنِ المواد الاستهلاكية اليومية، مما يكشف عن هوة واسعة في التنسيق الفني بين وزارتي التجارة والمالية في كلا الطرفين.

ويمثل منفذ إبراهيم الخليل في محافظة دهوك الشريان الأهم للتجارة مع تركيا، إلا أنه بات يعاني من اختناق إداري وجمركي. وأشار رئيس غرفة تجارة دهوك، شكري جميل، إلى عودة شبح "النقاط الجمركية الداخلية" أو ما يشابهها من تعقيدات إدارية تعرقل انسيابية البضائع من الإقليم إلى محافظات الوسط والجنوب.

وتنظر أربيل إلى هذا الإجراء على أنه محاولة لفرض حصار اقتصادي "ناعم" أو وسيلة للضغط من أجل تسليم كامل ملف الإيرادات غير النفطية. وتتحرك بغداد ضمن استراتيجية وطنية لتعظيم الموارد غير النفطية وتقليل العجز المالي، وتعتبره "حقا سياديا لا غبار عليه". لكن التوقيت وآلية التطبيق في كردستان تعكسان أبعاداً أخرى، حيث تسعى الحكومة الاتحادية لفرض سيطرة إلكترونية وإدارية شاملة على منافذ الإقليم، لضمان عدم وجود "منافسة غير عادلة" في الرسوم بين المنافذ الجنوبية والشمالية.

وتؤكد مصادر في وزارة المالية الاتحادية أن هذه القرارات تهدف لمنع إغراق السوق بمنتجات أجنبية رخيصة وحماية المنتج الوطني الذي تضرر جراء تفاوت الرسوم بين منافذ البلاد.

وترى أربيل أن هذه الخطوات، إذا تمت دون اتفاق سياسي شامل، ستقوض قدرة الإقليم على إدارة شؤونه المالية وتوفير الرواتب، مما يجعل الاقتصاد ورقة ضغط سياسية بامتياز.

وحذرت الأوساط التجارية من أن استمرار هذا التوتر الصامت سيؤدي حتماً إلى تذمر شعبي، بالنظر إلى أن غلاء المعيشة بالإقليم والمركز على حد سواء سيؤدي إلى موجة احتجاجات جديدة.

ويرى محللون أن الزيادة في الرسوم الرسمية وتعقيد الإجراءات، من شأنها أن تدفع باتجاه تنامي أنشطة التهريب، مما يضيع الإيرادات على الطرفين. ولتجنب الانزلاق نحو أزمة اقتصادية شاملة، تتبلور الآن مطالبات بضرورة "أنسنة الملف الاقتصادي" وفصله عن الصراعات السياسية عبر تشكيل وفد تقني مشترك لتوحيد جداول التعريفة فوراً ومنع الازدواج الضريبي.

ويبقى ملف الجمارك لعام 2026 الاختبار الحقيقي لنوايا التهدئة بين بغداد وأربيل وسط دعوات من أجل تفعيل دور النواب الكرد داخل البرلمان الاتحادي لمراجعة قرارات الهيئة العامة للجمارك، وضمان أن "الاقتصاد الوطني" يُدار برؤية تكاملية لا عقابية.