الصالونات الثقافية بين 'شرفتنا' و'فجوة التقدير': متى يتوقف الأديب عن دفع الثمن؟
لطالما كانت الصالونات الثقافية ونوادي الأدب منارات للإشعاع الفكري، ومساحات حيوية للنقد والمدارسة الأدبية الجادة. لكن في السنوات الأخيرة، تحولت هذه التجمعات، للأسف، إلى عبء نفسي ومادي جسيم يتحمله الأديب أو الناقد على نفقته الخاصة، خصوصًا القادمين من المحافظات البعيدة.
إنها إشكالية عميقة تضعنا أمام تساؤل حاسم: هل تحولت الثقافة في مصر إلى ترف يُدفع ثمنه من جيب المبدع بدلاً من أن تُكرمه؟
صدمة "شرفتنا ونورتنا"
تخيل المشهد:
يتلقى أديب أو ناقد دعوة كريمة لمناقشة عمل أدبي في إحدى الصالونات بالقاهرة أو مدينة بعيدة.
يبذل هذا الكاتب جهدًا بحثيًا ونقديًا كبيرًا يستغرق أيامًا، ثم يتحمل مشقة السفر لساعات طويلة، تاركًا محافظته ومنزله.
تكتمل الندوة، ويتلقى الأديب كلمات الثناء الدافئة:
"شرفتنا ونورتنا يا أستاذ."
لكن الصدمة الحقيقية تكمن في غياب أي تقدير مادي أو لوجستي.
لا بدل انتقال، لا تغطية لإقامة، ولا حتى وجبة ضيافة كريمة تُعين على وعثاء السفر.
يجد الكاتب نفسه مضطرًا لإنفاق ما قد يتجاوز ألفي جنيه مصري على تذكرة السفر، الإقامة في فندق ليلة، ووجبات الطعام، ليقابل كل هذا بـ"الشكر الجزيل" فقط. يتحول هذا الشكر، للأسف، إلى مجرد تنفيس لفظي لا يسمن ولا يغني من جوع أو تعب.
الثقافة عبء على الكاتب المسافر:
هذا الواقع المرير لا يقتصر على الصالونات الخاصة؛ بل ينسحب على نوادي الأدب الرسمية في الأقاليم. يستدعى الكاتب لإلقاء محاضرة أو ورقة بحثية، ليعود في اليوم ذاته منهكًا ومجهدًا، أو ليضطر للبحث عن مكان للمبيت والأكل على حسابه الخاص بالكامل.
في بعض الحالات، قد يتم إقرار "مكافأة" ضئيلة من الهيئات الثقافية لا تزيد عن 250 جنيهًا، تُصرف بعد أشهر طويلة عبر بطاقة الفيزا، هذا إن لم تُنسَ وتُهمل في زحام الإجراءات.
فهل يُعقل أن يُطلب من كاتب أن يشارك في إثراء الحركة الثقافية بهذه الطريقة، ليعود إلى محافظته وهو مثقل بالدين لا بالتقدير المستحق؟
صالونات التلميع والهالة الكاذبة.
المشكلة تتفاقم عندما نرى أن بعض هذه الصالونات، التي تتبنى هذا النهج الاستغلالي، ما هي إلا مساحات لتلميع أسماء مغمورة ليس هدفها الحقيقي إثراء النقد، بل خلق "هالة إعلامية وإعلانية" لشخصيات معينة.
تتحول الثقافة إلى "حمل كاذب"؛ بريق خارجي يخفي فراغًا تنظيميًا وأخلاقيًا في التعامل مع الضيوف.
الأديب الناقد يصبح مجرد ديكور مؤقت يُستغل اسمه وخبرته لإضفاء المصداقية على فعالية مُنظَمة بطريقة "غير احترافية" تفتقر لأدنى معايير الضيافة والتقدير.
نداء أخير:
مسؤولية الاستضافة والتقدير
إن الأدباء الذين يسافرون من محافظات نائية لوسط الدلتا أو للقاهرة هم عصب الحراك الثقافي وتنوعه.
يجب أن تتغير هذه المعادلة القاسية.
يجب على أصحاب الصالونات الثقافية، ومنظمي الأنشطة الأدبية، أن يدركوا أن التقدير لا يُختزل في الكلمات الدافئة.
التقدير الحقيقي يبدأ بـ:
تغطية نفقات الانتقال والإقامة (على الأقل حد أدنى معقول).
توفير وجبة ضيافة لائقة.
الاعتراف بأن وقت وجهد الكاتب له ثمن.
إلى متى سيظل الأديب المصري يدفع من جيبه كي يُمنح "شرف" الإضافة للثقافة؟
حان الوقت ليتحمل المضيفون مسؤولية ضيافتهم المادية والمعنوية، وإلا ستتحول هذه الصالونات من منارات للثقافة إلى مقبرة لطاقات الأدباء النائمين المنهكين على أرصفة محطات مواقف السيارات أو القطار.