قراءة تفكيكية في 'العقل أم القلب أم هناك طرف ثالث؟'
عتبة النص:
التساؤل كمدخل للمعرفة
تفتتح الكاتبة سارة علي عملها الروائي بسؤال استنكاري يحمل في طياته إرهاصات الفلسفة الإنسانية: "العقل أم القلب أم هناك طرف ثالث؟". إن اختيار صيغة التساؤل في العنوان يُخرج العمل من حيز "التلقين" إلى حيز "المشاركة الوجدانية"، حيث يصبح القارئ شريكًا في حل الأحجية، وليس مجرد متلقٍّ. فالرواية تمثل الجزء الثاني من مشروعها الطموح "البحث عن الأحجية"، وهو مشروع يسعى إلى تفكيك الهوية الإنسانية وإعادة تركيبها.
أولاً: سيميائية الشخوص وصراع الأقطاب
تدور أحداث الرواية في فضاء "نفسي-درامي" مكثف، حيث يمثل "ريان" و"ساراي" تجسيدًا للصراع الأزلي بين المنطق الصارم والتدفق العاطفي. نجحت سارة علي في استخدام "المرض" و"غرفة العناية المركزة" رمزًا للحالة الإنسانية الحرجة، حيث لا تكفي الحسابات العقلية وحدها للنجاة، ولا يكفي الشغف وحده للثبات.
علامة النجاح (1):
تميزت الكاتبة بقدرة فائقة على "أنسنة المفاهيم". فالمواقف التي عاشها ريان وهو يراقب "الأجهزة التي تومض بهدوء" تعبّر عن لحظة اصطدام العقل (الطب والعلم) بالقلب (الخوف والانتظار).
ثانيًا: فلسفة "الطرف الثالث" (المحرّك الصامت)
تطرح الرواية فرضية جريئة، وهي أن النجاة لا تكمن في انتصار العقل على القلب أو العكس، بل في استدعاء "الطرف الثالث".
هذا الطرف، الذي تُلمح الكاتبة إلى أنه "الوعي" أو "الروح"، هو الذي يمنح الإنسان السكينة وسط الضجيج.
علامة النجاح (2):
التوظيف الذكي للخلفية الاستشارية للكاتبة.
لم تكن النصائح "تنموية" فجّة، بل جاءت منسوجة في مونولوغات داخلية عميقة، مثل وصفها للانتظار بأنه "ينهشك أكثر من أي ألم آخر". هذا التكثيف اللغوي ينقل النص من "رواية حدث" إلى "رواية حالة".
ثالثًا: الإخفاقات الفنية (منظور نقدي)
رغم تماسك البنية، يلحظ الناقد بعض النقاط التي تستوجب المراجعة في الأعمال القادمة:
- صوت المؤلفة الطاغي: في بعض الحوارات الفلسفية، يتراجع صوت الشخصية الدرامية ليبرز صوت "المحاضِرة أو الاستشارية"، مما يضعف أحيانًا من "عفوية اللحظة الدرامية".
- المثالية الحوارية: تميل اللغة في لحظات الضعف الإنساني إلى أن تكون "شديدة التهذيب" و"عميقة التفكير"، بينما في الواقع، يكون الوجع أكثر فوضوية وأقل ترتيبًا لغويًا.
رابعًا: فلسفة الحرية والسكينة
تختتم سارة علي فلسفتها بأن "الحرية الحقيقية ليست في غياب القيود، بل في إدراك الذات".
هذه الرؤية تعكس نضجًا فكريًا يربط بين النجاح المؤسسي (البيزنس) والاتزان النفسي.
فالرواية، في جوهرها، دعوة إلى ترتيب قطع الأحجية الخاصة بكل قارئ للوصول إلى "أفضل نسخة من الذات".
تنتمي رواية "العقل أم القلب… أم هناك طرف ثالث؟" إلى نمط سردي لا يراهن على الحبكة أو الإثارة الحدثية، بل على تفكيك فعل الاختيار الإنساني بوصفه إشكالية وجودية ومعرفية.
فالرواية لا تسأل: أيهما أصدق، العقل أم القلب؟ بل تتجاوز هذا السؤال إلى ما هو أكثر إرباكًا: من الذي يقرر فعلًا؟ وهل القرار نتاج وعي حر، أم نتيجة تفاعلات خفية تتخفّى خلف المنطق والعاطفة معًا؟
خامسًا: السياق الفكري وسيرة الكاتبة
لا يمكن قراءة هذا النص بمعزل عن المسار الفكري والمهني لكاتبته سارة علي، التي تجمع في تجربتها بين العمل الاستشاري في التدريب وتطوير الأعمال، والكتابة الفكرية والأدبية.
هذا التداخل بين المجالين ينعكس بوضوح في بنية الرواية، التي تتعامل مع الإنسان بوصفه ذاتًا تحتاج إلى إعادة وعي، لا مجرد موضوع للسرد.
وبوصفها استشارية تدريب ومدربة بزنس، تتبنى سارة علي منهجًا إنسانيًا يضع الفرد في مركز أي عملية تطوير، ويتجسد ذلك في مبادرتها "العودة إلى المسار"، القائمة على قناعة مفادها أن الخلل المؤسسي غالبًا ما يكون انعكاسًا لاختلال أعمق في وعي الأفراد بذواتهم.
هذا التصور ينتقل إلى النص الأدبي، حيث لا تُطرح الرواية بوصفها حكاية، بل بوصفها مساحة اختبار للأسئلة الوجودية المرتبطة بالاختيار، والحرية، والمسؤولية.
يندرج العمل ضمن مشروع سردي أوسع هو سلسلة "البحث عن الأحجية"، وهو عنوان دالّ يعكس رؤية تعتبر الذات الإنسانية لغزًا مفتوحًا، لا يُحل دفعة واحدة، بل عبر تفكيك تدريجي لطبقاته النفسية والفكرية.
كما أسهمت تجربة الكاتبة في الكتابة الصحفية الفكرية بـ"جريدة الأسبوع العربي" في تشكيل أسلوب تحليلي يميل إلى كشف ما هو غير مرئي خلف الظواهر.
سادسًا: تفكيك ثنائية العقل والقلب
تنطلق الرواية من ثنائية مألوفة، لكنها لا تسعى إلى حسمها أو الانتصار لأحد طرفيها. فالعقل يُقدَّم بوصفه أداة تنظيم لا ضمانة يقين، والقلب يظهر باعتباره قوة شعورية قد تكون مضلِّلة بقدر ما هي صادقة.
كلاهما، في منطق النص، آليتان ناقصتان.
أما "الطرف الثالث" فلا يُعرَّف تعريفًا مباشرًا، بل يُبنى دلاليًا بوصفه: وعيًا متأخرًا يظهر بعد الصدمة، أو إدراكًا حادًا ينكشف عقب الانهيار، أو منطقة رمادية بين التفكير والشعور. وبذلك تتحول الرواية إلى مساءلة جذرية لفكرة حرية الاختيار نفسها.
سابعًا: الشخصيات بوصفها حالات وعي
لا تقوم الشخصيات على البناء الواقعي التقليدي، بل تُقدَّم بوصفها حالات نفسية وفكرية:
دان: يمثل الذات القلقة، التي تكتشف أن أسئلتها لم تكن طريقًا للخلاص، بل شكلًا من أشكال التعرّي الداخلي.
ريان: نموذج العقل المنضبط، الذي يخفي هشاشته خلف المنطق والسيطرة.
ساراي: شخصية رمزية، تجسّد الوعي الحاد أو "الطرف الثالث"، حيث يُتخذ القرار دون انفعال ودون تبرير.
التطور هنا ليس حدثيًا، بل انكشافيًا، وكل انكشاف يوازي خسارة جديدة لليقين.
ثامنًا: السرد واللغة
تعتمد الرواية على: اقتصاد الحدث، تكثيف الحوار التأملي، توظيف الصمت عنصرًا بنائيًا.
اللغة هادئة، غير خطابية، لكنها مشحونة بتوتر داخلي، ما يجعل النص أقرب إلى سرد ذهني منه إلى رواية درامية تقليدية.
تاسعًا: مواطن القوّة
- جرأة الفكرة المركزية وتجاوز الثنائية المستهلكة.
- تماسك الرؤية الفلسفية للنص.
- تحويل الصمت والفراغ إلى أدوات دلالية.
- بناء شخصيات بوصفها حالات وعي لا نماذج جاهزة.
عاشرًا: مساحات التطوير
- ضعف التصاعد الدرامي التقليدي.
- إطالة بعض الحوارات التأملية.
- غياب لحظة ذروة سردية فاصلة.
- طول العنوان الأصلي مقارنة بكثافة النص.
وأخيرًا:
ليست رواية "العقل أم القلب… أم هناك طرف ثالث؟" نصًا يبحث عن إجابة بقدر ما هو محاكمة لفعل الاختيار نفسه.
إنها رواية عن الوعي حين يكتشف أنه ليس سيد قراراته، وعن الحرية بوصفها وعيًا بالحدود لا انعدامًا لها.
وبهذا المعنى، تنتمي الرواية إلى سرد فكري جاد، يراهن على قارئ شريك في التفكير، لا متلقٍّ سلبي.
المراجع
- سيغموند فرويد : ما وراء مبدأ اللذة، ترجمة جورج طرابيشي.
- غوستاف يونغ كارل: الإنسان ورموزه.
- ريكور بول : الذات عينها كآخر.
- بارت رولان : لذة النص.
- عبدالله الغذامي: الخطيئة والتكفير.
حواشي الدراسة:
حاشية (1):
سارة علي، "العقل أم القلب أم هناك طرف ثالث؟"، سلسلة البحث عن الأحجية، الطبعة الأولى.
حاشية (2):
يُقصد بـ"الطرف الثالث" في أدبيات الكاتبة: الوعي المراقب الذي يوازن بين الاحتياجات المادية (العقل) والاحتياجات الوجدانية (القلب).
حاشية (3):
تندرج الرواية تحت تصنيف "الأدب العلاجي" (Bibliotherapy)، وهو نوع أدبي يهدف إلى مساعدة القارئ على تجاوز الأزمات النفسية عبر التماهي مع الشخصيات.
حاشية (4):
مبادرة "العودة إلى المسار" هي المرجعية الفكرية التي انطلقت منها الكاتبة لصياغة تحولات الشخصيات في الرواية.
خاتمة رؤيتي النقدية:
إن سارة علي، عبر مقالاتها في "جريدة الأسبوع العربي" وصولًا إلى هذا العمل، تثبت أنها تمتلك "مِشرطًا جراحيًا" لا "قلمًا عاديًا".
هي تشرح الواقع لترى زواياه المخفية، وتقدم للقارئ العربي نموذجًا جديدًا للكاتبة التي تجمع بين صرامة الفكر الإداري وعذوبة الطرح الأدبي.