'الصامتون' تشريح أدبي لعنف الورق وجناية الأحكام المسبقة
تعرفت على آنا ماكبارتلين يوم وقعت بين يدي روايتها "تحت السماء الزرقاء الكبيرة" Below The Big Blue Sky، ومنذ تلك اللحظة ظل اسمها عالقا في ذاكرتي كنوع من الوعد الأدبي الذي لا يُخلف. لم تكن القراءة آنذاك مجرد متابعة لعمل روائي؛ كانت نوعا من الانكشاف على طريقة خاصة في النظر إلى الألم الإنساني، إلى الهشاشة حين تُكتب بلا تجميل ولا ادعاء. لذلك، حين صدرت روايتها "الصامتون" The Silent Ones التي أنا بصدد مناقشتها الآن، لم أتعامل معها كاكتشاف، ولكن كعودة إلى صوت أعرف إيقاعه مسبقا، إلى كاتبة لم تعد تُختبَر عندي بقدر ما تُنتظَر. ومع ذلك، يظل السؤال حاضرا في الخلفية: هل نقرأ الكاتب نفسه في كل مرة، أم أننا نقرأ ظل توقعاتنا عنه ونحن نعيد تشكيله من جديد داخل كل رواية؟
في غرب أيرلندا، في مكان يبدو فيه البحر وكأنه يحتفظ بذكريات البشر أكثر مما يحتفظ بآثار المد والجزر، تنفتح رواية "الصامتون" على حادثة صغيرة في حجمها، هائلة في ظلالها. العثور على رضيع ميت على شاطئ ناءٍ ليس نقطة انطلاق لتحقيق جنائي فقط، وإنما شرارة تكشف شبكة كاملة من العلاقات الاجتماعية، والخوف، والعار، والسلطة، والقصص التي يصنعها الناس عندما يصبح الواقع أكثر قسوة من قدرتهم على احتماله.
منذ اللحظة الأولى، يشعر القارئ بأن القضية لا تتعلق بجسد طفل فقد حياته فحسب، وإنما بما سيحدث بعد العثور عليه: من سيتكلم؟ من سيصمت؟ من سيملك القدرة على صياغة الحكاية التي ستصبح الحقيقة المقبولة لدى الجميع؟ فالمجتمعات الصغيرة لا تعيش على الوقائع وحدها، إنها تعيش أيضا على التأويلات، وعلى ما يتناقله الناس في الغرف المغلقة، وعلى الأحكام التي تولد بسرعة ثم تكتسب مع الزمن هيئة الحقائق الثابتة.
الرضيع الذي يظهر ملفوفا في قماش أزرق خشن يتحول إلى رمز أكثر منه ضحية مجهولة. يمنحه الناس اسما، ومكانا داخل نظامهم الأخلاقي، كأنهم يحاولون ترتيب الفوضى التي أحدثها وجوده المفاجئ. تقف خلف هذا الطفل امرأة غائبة، امرأة لا يعرفها أحد معرفة حقيقية، أو ربما لم يحاول أحد أن يعرفها بعيدا عن الصور التي يسهل على المجتمع رسمها عن النساء اللواتي يخرجن عن قواعده غير المعلنة.
وهنا تدخل الرواية إلى أكثر مناطقها إزعاجا: العلاقة بين المجتمع والخطأ. فليس كل مجتمع يبحث عن الحقيقة بالدرجة نفسها التي يبحث فيها عن الاستقرار. أحيانا يصبح العثور على إجابة سريعة وسيلة لاستعادة الشعور بالنظام، حتى لو كانت تلك الإجابة مبنية على نقص في المعرفة أو تجاهل لما لا يناسب الصورة العامة. فالخطر لا يكمن دائما في الكذب الصريح، بقدر ما يكمن أحيانا في اليقين ذاته؛ ذلك اليقين الذي يحول الفرضية إلى حكم، ثم يحول الحكم مع الوقت إلى واقع يبدو غير قابل للنقاش.
داخل هذا المشهد تظهر شرطية شابة تعمل في مؤسسة يسيطر عليها الرجال، مؤسسة لها تاريخ طويل من القواعد غير المكتوبة، حيث تقاس الكفاءة أحيانا وفق مدى التشابه مع النموذج التقليدي لمن يمارس السلطة. لا يمثل وجودها مجرد تفصيل مهني، وإنما اختلالا في التوازن الرمزي لعالم يفترض مسبقا أن السلطة ليست مكانا طبيعيا للمرأة. وجودها داخل هذا العالم يجعل تحقيقها في القضية رحلة خارجية نحو كشف ما جرى، ورحلة داخلية لفهم موقعها داخل منظومة لا تمنحها الاعتراف بسهولة.
لا تدخل التحقيق بوصفها بطلة خارقة تغير العالم بضربة واحدة، ولا بوصفها شخصية تسعى إلى تحدي الجميع من أجل إثبات ذاتها. تأتي قوتها من شيء أكثر هدوءا: القدرة على التوقف عندما يندفع الآخرون، والقدرة على الشك عندما يسارع المحيطون بها إلى اليقين. تعود إلى الأماكن نفسها، تراقب المسافات، تعيد حساب الزمن، وتبحث في التفاصيل التي يعتبرها الآخرون هامشية، كأن العدالة في صورتها الأكثر صدقا ليست فكرة مجردة بقدر ما هي دقة في الإصغاء إلى المكان والزمن والجسد وما يتركه من آثار. وكأن الحقيقة تختبئ عمدا داخل الأشياء التي لا يلتفت إليها أحد.
في المقابل، تتحرك المؤسسة بإيقاع مختلف. هناك حاجة إلى نتيجة، وهناك ضغط اجتماعي وإعلامي، وهناك رغبة جماعية في إغلاق الجرح الذي فتحته الجريمة. في هذه الظروف تبدأ الرواية الرسمية في التشكل خطوة بعد خطوة. صورة في صحيفة تستطيع أن تصنع انطباعا لا يمحى، تصريح رسمي قادر على توجيه فهم الناس، اعتراف يُنتزع في ظروف قاسية قد يتحول إلى حجر الأساس في بناء قضية كاملة. وهنا يصبح العنف في أكثر صوره خطورة: عنفا هادئا وإداريا لا يحتاج إلى صراخ، ولكن إلى أوراق وصور وكلمات موضوعة في أماكنها الصحيحة حتى تبدو الحقيقة المصنوعة وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
تظهر هنا واحدة من الأفكار الأكثر قوة في الرواية: لا يأتي الخطر دائما من الكذب الواضح، فالحقيقة يمكن أن تُشوَّه عبر الانتقاء، وعبر اختيار جزء من الصورة وترك بقية الأجزاء في الظل. يميل الإنسان بطبيعته إلى القصة المكتملة، وتميل السلطات إلى الرواية التي تسمح لها بإعلان نهاية واضحة، بينما يحمل الواقع قدرا كبيرا من التناقض والغموض.
لا يحمل الصمت الذي يحضر في عنوان الرواية معنى واحدا. هناك صمت الخوف، وصمت العار، وصمت النساء اللواتي تعلمن عبر سنوات طويلة أن بعض الكلمات قد تجلب عليهن العقاب أكثر مما تجلب لهن الإنصاف. فالصمت هنا ليس مجرد غياب للكلام، إنه استراتيجية للبقاء داخل مجتمع يمكن أن تتحول فيه الكلمة غير المحسوبة إلى تهمة، والاعتراف إلى أداة تُستخدم ضد صاحبها. هناك أيضا صمت المؤسسات حين تتجاهل ما يهدد صورتها، وصمت المجتمع حين يختار عدم رؤية ما يعرفه في أعماقه.
تتحول المدينة الصغيرة إلى شخصية خفية داخل الأحداث. الأزقة، البيوت، العلاقات العائلية، والذكريات المشتركة، كلها تشكل شبكة تجعل كل فرد مراقبا من الآخرين. في مثل هذه البيئات، لا يكون الذنب فعلا فرديا فقط، فهو يحمل أثرا اجتماعيا يمتد إلى العائلة والاسم والمكانة. لذلك يصبح البحث عن مسؤول عن الجريمة عملية مرتبطة أيضا بالحاجة إلى إعادة التوازن الذي اختل.
ومن أكثر الأسئلة قسوة التي تطرحها الرواية: هل يمكن أن يصنع المجتمع مذنبا مناسبا له؟ شخصا يستطيع أن يحمل وحده كل الخوف والقلق والتناقضات التي لا يريد الآخرون مواجهتها؟ يجعل هذا السؤال التحقيق يتجاوز حدود الملف الجنائي، ويدخل إلى مساحة أخلاقية تتعلق بكيفية توزيع المسؤولية داخل الجماعة.
تقف الشرطية الشابة في قلب هذا الصراع. هي جزء من المؤسسة، وتستخدم أدواتها، وتفهم قوانينها، لكنها تحاول أن تمنع هذه الأدوات من التحول إلى وسائل لإنتاج ظلم جديد. يمثل كل تناقض تكتشفه شقا صغيرا في جدار اليقين، ويعيد كل تفصيل مهمل فتح الباب أمام احتمالات كان الجميع مستعدا لدفنها. وصمتها هي الأخرى لا يبدو استسلاما، وإنما شكلا من أشكال المقاومة؛ ففي عالم يسارع إلى إصدار الأحكام، يصبح التريث نفسه فعلا مقلقا ومتمردا.
ومع قوة هذه الأفكار كلها، قد يشعر بعض القراء بأن الرواية لا تصل دائما إلى ذلك الارتجاج الإنساني العميق الذي يجعل الشخصيات تغادر الصفحات وتستمر كأصوات حية في الذاكرة. فإتقان بناء القضية ووضوح الرؤية الفكرية لا يضمنان بالضرورة الأثر العاطفي الأشد بقاء. وربما لا يكون هذا نقصا بقدر ما يعكس طبيعة المشروع الروائي نفسه؛ مشروع يهتم بتشريح آليات المجتمع وكيف يمكن أن يكون عقلانيا في أدواته، وقاسيا في نتائجه في الوقت ذاته.
ومن خلال هذا الصراع بين التسرع والتأني، بين الرواية الجاهزة والبحث الطويل، تقدم الرواية تأملا عميقا في طبيعة العدالة نفسها. ليست العدالة مجرد الوصول إلى اسم يوضع في نهاية التحقيق، فهي عملية تتطلب شجاعة مواجهة ما لا نريد سماعه، وقدرة على الاعتراف بأن الحقيقة أكثر تعقيدا من القصص التي تمنحنا الراحة.
هذا العالم الذي ترسمه آنا ماكبارتلين عالم مليء بالأصوات المخفية، بالأشخاص الذين يعيشون على هامش الرواية الرسمية، وبالذكريات التي يحاول المجتمع دفنها حتى لا يضطر إلى مواجهة نفسه. لذلك تأتي أهمية الشرطية الشابة من كونها لا تبحث عن المجرم وحده، فهي تحاول إعادة الصوت لمن حُرموا من حق رواية قصتهم.
تترك رواية "الصامتون" القارئ أمام حالة من عدم الارتياح، وهذا هو أثرها الحقيقي. فهي لا تمنحه راحة الحلول البسيطة، ولا تسمح له بالاطمئنان الكامل إلى فكرة أن الحقيقة تظهر دائما عندما نبحث عنها. تبقى الأسئلة معلقة: كم من الأحكام التي نعتبرها عادلة كانت نتيجة قصة رُويت بطريقة مقنعة؟ وكم من البشر اختفوا خلف صمت طويل، ليس لأنهم لم يملكوا ما يقولونه، ولكن لأن العالم من حولهم لم يكن مستعدا للإصغاء؟