حين يلتهم الحديد اللحم البشري في 'الأيام العظيمة'

رواية بيير ماري تستعرض أهوال معركة 'فردان' في الحرب العالمية الأولى واصفة إياها بجحيمٍ وجودي تنكسر فيه الأوهام العسكرية والبطولية أمام توحش الآلة وصمود الجسد البشري. إنها لا تؤرخ للحرب بل ترصد تآكل الإدراك الإنساني، وتحوّل الرعب إلى مناخٍ دائم يحطم الناجين من الداخل حتى بعد صمت المدافع.

وقفت على حافة رواية "الأيام العظيمة" Les grands jours لبيير ماري كما يقف المرء على حافة حفرة لم يُختبر عمقها بعد. لم أعرف إن كنت سأدخلها بوصف القارئ أم بوصف الشاهد المتأخر على ما لا يمكن استعادته. كل ما أعرفه أنني، منذ الصفحات الأولى، فقدت القدرة على النظر إلى الحرب كفكرة مجردة، وكأن اللغة نفسها بدأت تتآكل تحت ثقل ما تحمله من صور لا تقبل التخفيف.

لم أكن أقرأ عن معركة، ولا عن تاريخ يُسرد بهدوء المنتصرين أو المنهزمين. ما واجهني هو تجربة تتسرب من حدود الحكاية إلى حدود الجسد، كأنها تريد أن تُجرَّب لا أن تُفهم فقط. وتساءلت: كيف يمكن للكلمات أن تحيط بما يحدث حين يصبح الهواء نفسه شظايا، وحين يتحول الصمت إلى تهديد، وحين يفقد الزمن انتظامه ليصير ارتجاجا متواصلا لا بداية له ولا نهاية؟

شعرت بأنني لا أقف خارج معركة فردان Bataille de Verdun، وإنما أقترب منها كما يقترب ذهن من فكرة مرعبة لم يختبرها بعد. هناك شيء في هذا السرد سحبني إلى الداخل دون إذن، جعلني أتخيل إنسانا محاصرا لا يملك سوى وعيه المرتجف كي يقيس به ما يتساقط حوله من العالم.

وأنا أقرأ، تشكل في داخلي سؤال لا يهدأ: هل يمكن للإنسان أن يبقى إنسانا حين يُجرَّد من كل ما يثبت إنسانيته، حين لا يبقى له سوى الخوف بوصفه رفيقا دائما، والانتظار بوصفه شكلا آخر من الألم؟ وأي معنى للصمود إذا كان الصمود نفسه لا يشبه الانتصار، وإنما يشبه الاستمرار في التنفس داخل بيئة تنكر فكرة التنفس؟

دخلت هذا النص وأنا أحمل وهم القارئ الذي يظن أنه آمن خلف الكلمات، ثم اكتشفت أن النص لا يترك أحدا في الخارج. ألفيته يجرني إلى الخندق، إلى الطين، إلى الصوت الذي لا ينقطع، وإلى تلك اللحظة التي يتعطل فيها الفهم، فلا يبقى إلا الإدراك الخام، العاري، الذي لا يجد تفسيرا لما يراه.

ثمة لحظات في تاريخ الإنسان لا يمكن وصفها باعتبارها أحداثا عسكرية فحسب، لأن اللغة العسكرية نفسها تنهار أمامها، وتتحول الخرائط والخطط والأوامر إلى رماد ذهني لا قيمة له. ما الذي يبقى حين تصير السماء آلة طحن، وحين يفقد التراب صفته القديمة كأرض للحياة، ويتحول إلى فم هائل يبتلع الأجساد والذكريات والأسماء؟

هكذا تبدو الأيام الأولى من معركة فردان في رواية "الأيام العظيمة"، التي ليست رواية عن معركة بالمفهوم المعتاد، ولا عن انتصار أو هزيمة. إنها محاولة للوقوف داخل الجحيم نفسه، داخل تلك الثواني التي يتشقق فيها الإدراك الإنساني، فيكتشف المرء أن الموت ليس دائما لحظة خاطفة، أحيانا يكون مناخا كاملا، إقامة طويلة داخل الرعب.

المَدافع هنا لا تقتل فقط، إنها تعيد تشكيل الزمن. الرجل الذي يقبع في الخندق تحت وابل القذائف لا يعود يشعر بتعاقب الدقائق كما كان يعرفه سابقا. يصير الزمن كتلة خانقة، مادة كثيفة لا تتحرك. يتحول الانتظار إلى عذاب مستقل. انتظار القذيفة التالية، انتظار انهيار السقف الترابي فوق الرأس، انتظار أن يتوقف الضجيج، مع معرفة عميقة أن الصمت قد يكون أكثر فتكا، لأن الصمت يعني اقتراب شيء آخر.

من يستطيع فهم إنسان عاش ساعات طويلة تحت القصف المتواصل؟ أي لغة يمكنها نقل تجربة رجل يسمع الأرض تصرخ حوله؟ عادةً، تمنح الكتبُ الحروبَ شكلا يمكن احتماله: بطولات، أعلام، خطابات، موسيقى وطنية، أسماء جنرالات.

غير أن الحقيقة في فردان كانت أشد قسوة من أي سردية جاهزة. كانت الحقيقة جسدا يرتجف في حفرة موحلة، وعينين متسعتين من فرط الذهول، وروحا تتساءل في صمت: لماذا يحدث كل هذا أصلا؟

المثير في هذا العمل أن العدو لا يظهر كشيطان أسطوري. الجنود الألمان والفرنسيون يبدون كضحايا لقوة أضخم منهم جميعا. لم تعد الحرب الحديثة مواجهة شجاعة بين رجلين يحملان سيفين تحت الشمس.

لقد أصبحت انتصارا للتقنية على الإنسان، انتصار الحديد على اللحم، انتصار الآلة على الأعصاب البشرية. هنا يفقد الفرد معناه التقليدي، ويصير مجرد نقطة صغيرة داخل إعصار من النار والمعادن.

ومع ذلك، وسط هذا الخراب الكامل، يبرز سؤال محير: من أين تأتي قدرة الإنسان على الصمود؟ كيف يستطيع كائن هش، يرتعب من الظلام والوحدة والمرض، أن يبقى يومين كاملين تحت مطر من الفولاذ؟ أي طاقة غامضة تدفعه إلى التمسك بالحياة رغم اقتناعه أن النجاة تكاد تكون مستحيلة؟

ربما تكمن الإجابة في شيء أعمق من الوطنية والشعارات. هناك نواة خفية داخل الإنسان، شيء عنيد يرفض الانطفاء. ليست بطولة استعراضية، وليست رغبة في المجد. إنها مقاومة بدائية، شبه غريزية، كأن الروح البشرية تقول للعالم: "لن أختفي بسهولة".

لهذا تبدو هذه الحكاية تأملا في معنى الكرامة أكثر من كونها سردا عسكريا. لا تظهر الكرامة هنا في الانتصار، وإنما في القدرة على التحمل. في ألا ينهار الإنسان نفسيا رغم كل ما يحيط به. في احتفاظه بجزء صغير من إنسانيته وسط بيئة صُممت كي تسحق الإنسان تماما.

الأشد إيلاما أن الناجين لا يخرجون أحياء حقا. لا تنتهي الحرب عند توقف القصف. إنها تستمر داخل الذاكرة، داخل الأحلام، داخل الارتجافة المفاجئة التي تصيب الجسد عند سماع صوت مرتفع. لم يعد الجندي الذي عاد من فردان الشخص ذاته. ثمة شيء تحطم إلى الأبد. كأن التجربة نزعت الغطاء الرقيق الذي يحمي البشر من رؤية هشاشتهم العارية.

كم يبدو العالم العادي غريبا بعد ذلك. المقاهي، الأحاديث اليومية، ضحكات المارة، دفء البيوت… كيف يمكن لإنسان رأى الأرض تتحول إلى مقبرة مفتوحة أن يعود إلى ممارسة الحياة كما لو أن شيئا لم يقع؟ ربما لهذا يعجز كثير من المحاربين عن العودة الحقيقية. إنهم يحملون معهم زمنا آخر، زمنا معتما لا ينسجم مع إيقاع الحياة المدنية.

واللافت أيضا أن الرواية لا تسقط في خطاب وعظي مباشر. لا أحد يرفع إصبعه ليعطي درسا أخلاقيا. يترك النص الرعب يتحدث وحده. يترك القارئ أمام السؤال القديم المتجدد: ماذا يحدث للإنسان حين يصل العنف إلى حد يفوق قدرة العقل على الاستيعاب؟

ربما كانت الحروب القديمة تمنح البشر وهم البطولة النقية، أما الحرب العالمية الأولى فقد مزقت هذا الوهم بعنف هائل. لقد كشفت أن الحضارة الأوروبية، بكل فلسفاتها وفنونها وأناقتها، كانت قادرة في لحظة واحدة على إنتاج مذابح صناعية لم يعرفها التاريخ من قبل.

لهذا تبدو معركة فردان جرحا فلسفيا أكثر من كونها واقعة عسكرية. إنها اللحظة التي أدرك فيها الإنسان الحديث أن التقدم العلمي لا يقود بالضرورة إلى الرحمة، وأن العقل القادر على كتابة الشعر واكتشاف القوانين الفيزيائية يستطيع أيضا ابتكار وسائل إبادة مذهلة.

ومع ذلك، وسط الركام والدخان وصراخ المصابين، يبقى شيء صغير يقاوم الفناء: إنسان يحاول حماية رفيقه، جندي يواصل الوقوف رغم الرعب، عينان ما تزالان تبحثان عن معنى داخل العبث. وربما كان هذا وحده ما يستحق التأمل فعلا.