الحكي لاستعادة المعنى في رواية 'في انتظار خبر إنّ'
تبوح عديد المؤشرات في رواية الطاهر لبيب "في انتظار خبر إنّ"(1) بما سعى المؤلف إلى إنكاره في العتبات ,وتؤكد انتماء النص إلى جنس فرعي هو الرواية "السيرذاتية". بين عتبات ينكر فيها الطاهر لبيب مرجعية الشخصيات في نصّه أو تطابقها مع صورها لدى القارئ، ونهاية يتساءل فيها عن الحد الفاصل بين الواقع والتخييل، ويعترف فيها أن النشر جاء استجابة لرغبة الحفيدة، تنكشف المراوحة بيت التخفي والتجلي والمزاوجة بين المرجعي والتخييلي , وتحضر عديد القرائن تعلن حضور المؤلف مفكرا وعالم اجتماع قرينا للذات الراوية وهي تتأمل ذاتها وتسائل العالم ..
في رواية الطاهر لبيب السيرذاتية "في انتظار خبر إنّ" ترصد عين المفكر وعالم الاجتماع مؤشرات اللامعنى، تسائل العالم وتحلل تناقضاته، وتبدع في الوقت ذاته عالما تخييليا قد تستعيد به المعنى الغائب أو تعيد ترتيب المعاني, وتستكشف بعض وجوه الذات المتخفية .
هوية النص بين التخييل والمرجع:
في خطّين متوازيين تنسج الرواية عالمها وقد تجاذبها زمنان وخطابان اختلفا طولا ومضمونا. زمن الندوة وموضوعها مستقبل العرب، يؤثثها صوت الخطيب في قاعة أشبه "ببرميل ضخم صدئ". وزمن الراوي (الماضي) يهرب بذاكرته من حاضر الندوة، فيستحضر منها مشاهد ووقائع في شكل ومضات متشابكة لا ينتظمها الزمن في تتابعه، وقد حاول المؤلف إخضاعها لمنطق التداعي. يستجير الراوي بالذاكرة هروبا من قعقعة صوت الخطيب فيسرد حكايته مع بيروت, مع وطنه تونس، ومع ذاته المتخفية يستحضر لقطات من ذكرياته طفلا في تونس يكتشف العلم وأثره فيطلبه طفلا وشابا ثم باحثا. كما يستدعي ذكريات حياته في بيروت وتلوّنات صورها مع من يلتقيهم فيها..
قرائن حضور السيرة الذاتية عديدة في الرواية، أهمها ما يتبينه القارئ من عناصر التشابه بين عالم الكاتب المرجعي والعالم التخييلي، تشابه واضح بين الشخصية الراوية بضمير الأنا في النص وشخصية الكاتب وعالم الاجتماع الطاهر لبيب: سيرته وأفكاره ومواقفه وتصريحاته المنشورة في مواقع مختلفة. قرائن تدعم تعريف فيليب لوغون للرواية السيرذاتية "أسمّي رواية سيرذاتية جميع النصوص التخييلية التي يجد قارؤها أسبابا تدفعه إلى الارتياب انطلاقا من عناصر تشابه يعتقد اكتشافها في وجود تطابق بين الشخصية والمؤلف، في حين فضّل المؤلف نفي هذا التطابق أو على الأقل امتنع عن تأكيده"(2)
في هذا الفضاء الروائي السيرذاتي تنزع الذات المتلفظة (الراوي) إلى تأمّل ماضيها معتمدة القناع، وهو قناع "شفيف كشاف" غالبا، تغيب فيه أسماء الشخصيات رغم وضوح سماتها المرجعية لدى القارئ، وتحضر المراوغات التخييلية بديلا جماليا.
يبدو الخطاب السيرذاتي ظاهريا هروبا من واقع القبح واللامعنى في القاعة. يعمد الكاتب لبناء خطاب سردي بديل يصوغه خطاط مبدع يدرك جمال الحرف وغور الدلالة. يشاغب فيه الطاهر لبيب الواقع العربي دون أن تتعرّى الذات أو تنزع الأقنعة.. عالم الاجتماع، يفكك الأنساق ويسائل المعنى، والروائي يبدع عالما جديدا يعيد به تشكيل الواقع، ويعيد للكلمات وللعالم بعض المعنى..
في مواجهة اللامعنى/مساءلة العالم:
تنزع الرواية السيرذاتية عموما للتبئير على الذات الفردية انطلاقا من تشغيل الذاكرة في محاولة لاستعادة الماضي في فضاء جديد هو فضاء التخييل، غير أن هذا الجنس الأدبي كما يراه عدد من الدارسين لا ينغلق على الذات الفردية بل ينفتح على هموم الجماعة ليكون "الاندغام في الحدود بين التاريخ الذاتي والتاريخ العام "، وبذلك يغدو المرجع/العالم موضوع تأمل وتساؤل. ترصد فيه عين عالم الاجتماع والمفكر مؤشرات اللامعنى , تعرّيه بشتى الأدوات, بمكر المجاز والإيجاز, بالمفارقات والسخرية السوداء, بتفكيك الأنساق والهدم ,وحتى بالتهميش والتغييب والصمت.
ينفضح اللامعنى في مفتتح الرواية عبر استحضار "جملة مثقوبة ثقبا واسعا" تصدر عن الخطيب، يحضر مبتدؤها دون خبرها. يقتضي سؤال الندوة التي حضرها الراوي وشارك فيها جوابا عن السؤال "العرب إلى أين؟". غير أن الكلام تحوّل إلى" بقبقة في برميل ضخم صدئ "مع غياب الخبر (غياب المعنى). وهو ما سيفضي إلى نشأة خطاب مواز، هو خطاب الراوي يشغّل الذاكرة، يستمد منها المعنى ويرى من خلالها العالم أوسع وأرحب. تغييب صوت الخطيب هو تغييب اللامعنى ورفض للعبثية .. هذه العبثية تنتشر لدى المثقفين، يلتقيهم الراوي في المقاهي فيغدو الحوار بينهم مشهدا سرياليا ولوحة ساخرة "كان أحدهما يريد إدخال القومية العربية في رأس هيغل، والآخر يريد إخراجها من كل الرؤوس".
مفارقات عديدة تلتقطها عين الراوي/عالم الاجتماع وهو يتأمل المجتمع العربي، منها المفارقة بين كثرة الكتب وانعدام المطالعة، منها نزوع بعض الأكاديميين إلى "بيض" الكتب سنويا دون أن يقرأهم أحد.. منها زيف الأيديولوجيا لدى القوميين العرب تحوّل الواحد منهم إلى "شخص تربّع على سجاد طائر يحلق فوق أقطار عربية حدودها خطوط وهمية".. أو تجعله "نسق إحباط". عبارات موجزة ومجاز ماكر وسخرية سوداء هي بعض ما يقاوم به الراوي انعدام المعنى وخواء الكلمة، بل خواء الخطاب العربي وغياب المنطق لدى من يدّعي امتلاك اللغة والفكر، فلا يترك وراءه غير القعقعة ولا فعل..
ترصد عين الكاتب أعطاب العالم العربي فيعمل فيها معوله هدما ورفضا, في لوحات ساخرة وجمل مكتنزة. يمتد التفكيك إلى أنواع الخطاب: الخطاب السياسي الحزبي، الخطاب الثقافي، الخطاب الإعلامي، الخطاب اليومي.. خليط من الكليشيات والشعارات والخواء، تفقد فيها المفاهيم صلتها بالواقع وينعدم بها التواصل..
على أن مواجهة اللامعنى قد تكون أحيانا بالصمت، بالتغييب، بتناسي القبح وشطبه من الذاكرة.. فجراح بيروت والخراب الذي لحقها يؤكد "لامعنى" الحروب والصراعات الطائفية. لذا لم تحظ هذه الجراح إلا بإشارات قليلة في النص، حتى حين انفتحت حدود المكان الذي رسمه الراوي لجولاته في بيروت وتجاوز الشوارع الثلاثة الذي انكفأ عليها في البداية.
الصمت كان أيضا سلاح الراوي لمواجهة اللامعنى أمام الموت. لذا لم يسرد وجعه عند ذكر موت الأم، فـ"الموت لا يسرد"، هكذا يقول الطاهر لبيب، والكلمات لا يمكن أن تحاصره ولا أن تصفه. لذا كان الصمت والسخرية ضروريين لتجاوز الوجع عند ذكر موت الأم , بالتركيز على مشاهد أخرى، منها مشهد النساء وقد "تحلقن حول الموت يندبن حياتهن" عوض الفقيدة، ومشهد الجدة بعد موت ابنتها "ترمي غضبا نحو السماء.. جدتي لها ربّ على مقاسها".
يترك الطاهر لبيب فسحة للمتلقي كي يحتار ويشكّ، كي يجد الأجوبة على أسئلة خفية أو صريحة، فالمتلقي هو من سيضطلع بالتأويل والبحث عن المعنى بعد أن أعمل الكاتب معوله في اللامعنى.
نحو استعادة المعنى المفقود:
كيف يمكن توليد المعاني من الفراغ ومن الخواء المحيط؟ هل تكون الذاكرة موردا وسبيلا لإعادة ترتيب المعاني؟ هل يكون التأمل في الذات والحفر فيها فرصة لنحت جديد للكيان؟ هل يستعاد المعنى بتجدد السؤال؟
تبدو الذاكرة في رواية الطاهر لبيب بلسما وبديلا لخواء الكلمات لدى المحاضر في القاعة. غير أنها ذاكرة انتقائية بالأساس، تنزع إلى محو الشروخ والأوجاع. هي مورد لمعان تتشكل خارج أطر التفاهة والخواء والخراب. هذه الذاكرة هي التي ستجعل بيروت محورا ومدار الأحداث. والذكريات حسب هالبفاكس مرتبطة بالأمكنة وهي اجتماعية بالأساس. غير أن التخييل سيرسم صورة بيروت على هوى الكاتب. هي غير بيروت الواقع وبيروت الخرائط ف"بيروت تطير" وهي "فكرة أكثر مما كانت مدينة". لذا يرفض الراوي سماع ما يتردد على أفواه الناس في وصف معاناتها حين يذكرون الكساد والبطالة والهجرة والطائفية والقتل والخراب، لينسج بخياله صورة جديدة للمدينة تتماهى مع صورة الحبيبة "حتى لا واحدة دون الأخرى" ذلك أن "روح بيروت نساؤها". فإذا الحب هو "المعنى" يزرع الجمال في المكان وفي الذات. تتحوّل شوارع بيروت عناوين للحظات الوصال "نسجت لقاءاتنا مع الأيام بيروتا غير بيروت الخرائط، نسجتها بانتظاراتنا وبأمزجة الأماكن وبما تطير به المعاني في الكلمات وبالأمل الخائف من الآتي". هل يمكن القول إن المعنى يولد حين يصير الحب بديلا للكراهية والجمال بديلا للقبح؟
غير أن استعادة المعنى في الرواية سيتحقق أيضا بالحكي والكتابة. تبوح الرواية السيرذاتية بهواجس الراوي، تكشفها ذاكرة الطفولة. فالرغبة في الكتابة لدى الراوي كانت منذ الصغر أشبه بالرغبة في تملك السحر إيمانا "بقدرة المكتوب على دفع البلاء وجلب المفقود"، قبل أن تتحوّل إلى حالة انبهار ودهشة "لا يزال كبار الكتّاب عندي سحرة".
هل جعلت كتابة "في انتظار خبر إنّ" الراوي/ المؤلف يشعر بامتلاك هذا السحر؟ هل تمكّن الراوي من خلق جديد للذات واكتشاف الوجه الخفيّ فيه؟ أم حققت فقط بعض مقاصد الرواية السيرذاتية وهي لذة الاستذكار التي يعتبرها جورج ماي أشبه بالغريزة "تدفعنا إلى إحياء ذكريات الماضي فتكون مصدرا لشعور الإنسان ببعض السعادات العظمى".(3) ومع ذلك يبلغ الشك لدى الراوي أقصاه وهو يكتب نصّه، معترفا في نهاية الكتاب بصعوبة الفصل بين الذات الراوية والذات المروية: "لم أستطع تقدير المسافة بيني وبين هذا الراوي" و"هذا الأنت الذي ليس أنت ليس طوع أمرك كما قد تظن. مهما روّضته، قال وأفشى وأخفى، خلاف ما تريد ".
يمكن القول إذن إن رواية الطاهر لبيب السير ذاتية، رغم انفتاحها على العالم وعلى هموم الجماعة وفضحها غياب المعنى، فإنها غالبا ما ترتدّ إلى الذات ترسم قلقها وحيرتها. تطرح أسئلة تراود الكاتب والمبدع "لمن نكتب؟ ما الحدّ بين الواقع والتخييل؟ هل يكون التخييل هو السحر الذي يعيد للحياة المعنى؟ بين الذاكرة والتخييل يتأرجح النص، ينزلق أحيانا إلى مناطق مظلمة من الذات ينير زواياها، ينزع عنها الأقنعة ويحررها من أغلال تخنقها، يعيد اكتشافها .
في رواية الطاهر لبيب تأمّلات عديدة في دلالات الأمكنة وفي قدرة الكلمات على احتواء المعنى الهارب. مما قد يجعلها كما يرى محمدآيت ميهوب "استجابة إبداعية لأزمة الذات، تقصّ قلق الأنا ومعاناتها" كما "تروي قلق المجموعة ومأزق اللحظة التاريخية" (4).
الهوامش والإحالات
الطاهر لبيب: في انتظار خبر إنّ , دار محمدعلي الحامي للنشر، تونس ط 2، 2024
محمد آيت ميهوب : الرواية السيرذاتية في الأدب العربي, دار كنوز المعرفة للنشر ,عمّان,ط1, 2016, ص 90
جورج ماي :السيرة الذاتية، تعريب محمد القاضي وعبدالله صولة، بيت الحكمة، تونس 1992, ص58
محمدآيت ميهوب: م.س. ص641