الطاعة كأداة بث: التكلفة الخفية لعبادة الأبطال
في العوالم الافتراضية، يعيش بيننا نسخ بشرية ترفض أن تكون أكثر من "صدى صوت"، وهم باختصار الذين لا يكفون عن تضخيم الأشخاص والجهات، عبر إعادة نشر نفس الصور، ونفس المقاطع، ونفس التغريدات، لشخصيات دينية أو اجتماعية أو سياسية تحولت إلى رموز، ثم إلى أوثان.
نسخ بشرية كرسوا وجودهم ليكونوا مجرد مكبرات صوت، حتى لتبدو صورة ذلك الرمز أكثر حضوراً في حياته من وجوه أبنائه أو ذكريات طفولته. قد تظنه في البداية مُخلصاً متحمساً، أو غارقا في هموم الأمة، لكن مع الأيام، يخالجك سؤالٌ مهم وهو أي حياة هذه التي يختزل فيها الإنسان نفسه إلى مجرد مكبر صوت؟
عرفت رجلا من هذا الطراز، بدأ عقوده الأولى متحمساً لفكرة كبرى تستحق، لكنه أمضى الثلاثين التي تلتها متحمساً للرجل الذي يمثلها، وتحولت حياته إلى حلقة مفرغة من توزيع المنشور الورقي في التسعينيات إلى الرسائل الجماعية "Email Group" في بداية الالفين، انتهاء بجروبات" WhatsApp"، لقد تغيرت الوسائل، لكن العقل المتجمد بقي على حاله. لقد هرب من مشقة أن يكون إنساناً يفكر، إلى راحة أن يكون أداة بث للرجل ومن يشبهه من رموز.
وفي جلسات الحوار تلاحظ هذا النمط واضحاً حين يسألك أحدهم فجأة "ما هو مذهبك؟ من هو مرجعك؟ ما اسم شيخك؟". هذا السؤال ليس بريئاً، كما يوحي في الوهلة الاولى، بل هو جزء من الاستقصاءً عن هوية يضعها في خانة محددة لأجل أن يقرر كيف يعاملك. هي عقلية المؤسسة الحزبية المتجسدة في فرد لا يستطيع أن يحترم الأشخاص إلا بحسب قربهم من أشخاص آخرين، وكأن البشر مجرد ظلال لغيرهم.
في هذا الإطار نحن لا نتعامل مع موقف ايماني، بل مع عقدة نفسية اجتماعية عميقة، ملخصها الخوف من الحرية، كما شخّصها عالم النفس الالماني إريك فروم، الخوف من حرية التفكير، وتبعاتها، ومسؤوليتها. فالتقديس هو أقصر الطرق لإلغاء العقل، وبالتالي إلغاء المسؤولية، فميزة المقدس أنه لا يسائل، فيكفيهم عناء المسائلة.
وتجد هذه الآفة سندها النظري فيما يُعرف بـ "نظرية الطاعة" التي قدمها عالم الاجتماع ستانلي ملغرام وأثبت فيها أن الطاعة ليست للمؤسسات فحسب، بل للأفراد الذين يتحولون إلى رموز عظماء. وفي سياقنا المعاصر، يمكننا رصد ما يُشبه ذلك حيث يتحول الأتباع إلى مجرد أدوات تنفيذية، ليس بسبب الجبر، بل بسبب الاستعداد النفسي للخضوع.
هذه الوضعية لم تولد من الفراغ، بل هي أحد نتائج "التربية الحزبية"، التي لا تنتج بشراً يفكرون، بل تنتج جنوداً ينفذون. عقلية لا تسأل عن "ماذا تعتقد، وماهي أفكارك؟ وما هي فلسفتك؟" بل "من تتبع؟ ومن تقلد؟ ومن هو شيخك؟"، في هذه البيئة يتحول الولاء للشخص إلى معيار وحيد ونهائي للصدق، وتتحول الفكرة إلى مجرد تابع لحاملها.
والنتيجة هي "استبداد الأقران"، فأنت لا تحتاج إلى قمع من الخارج، فالقمع يأتي من زميلك في المجموعة نفسها، من صديقك على "الفيسبوك"، من رفيقك في "مجموعة الواتساب"، من اتهامات وتلميحات بالخيانة والانحراف والضلال لأنك تناقش آراء الكبار. إنها ديكتاتورية الجماعة على نفسها، حيث يراقب الجميع الجميع، ويقمع الجميع الجميع، باسم حب الاشخاص وتقديسهم.
خذ مثلًا واقع الحركات والأحزاب العربية المعاصرة كيف ماتت مشاريع كاملة بمجرد غياب زعيمها. الفكرة لم تمت بسبب ضعفها، بل لأن الأتباع ربطوها بالشخص ورفضوا التفكير فيها بأنفسهم. جهد سنوات ضاع، لأن العقول لم تتدرب على الاستقلال، بل على الطاعة.
هكذا يظل العقل الجماعي أسيرًا للرموز بدل أن يكون حراً، فما ينبغي ادراكه دوما أن الحرية ليست شعارًا أو أنشودة نكررها في الصباح والمساء، بل مسؤولية ترفض أن يكون لأي شخص سلطة على ضميرها، وتحاكم كل فكرة قبل أن تصدقها أو ترفعها إلى مرتبة المقدس.